إن اللغة التي نكتب، تختزل دائماً الى عناصر كتابات آخرين، وإن بشكل مقنّع. اية كتابة، هي التقاء بكتابة الغير، وهي الفن الأدبي الذي يتنقّل بين أشخاص، تجمعهم مناخات كتابية واحدة، هي نتاج موضوع للتناقل باللغة، رغم الفروقات عند هذا الكاتب وذاك. ثمة من يحمل معه طويلاً، تأثراته بكتابات الآخرين، ومنهم من يحطم سريعاً علائقه هذه، ويرجع كتابته الى اكتشافات شخصية على طبيعة غير متواصلة مع أية كتابة أخرى، ولا تنكشف إلا من خلال إلهامه الخاص، وطريقة تفكيره، وانتقائه عبارته، وشكلها الفني.. الى ما هنالك من «هندسة» إذا صح التعبير، تدلّ عليه وتؤكد بصمته. تأثرات، هي في البداية تمارين روحية للكاتب، تساعده على امتصاص الأساليب المتنوعة، لينتهي الى أسلوبه ومواضعته اللغوية، من خلالهما يواجه الكاتب قارئه بوجهه وحده، بفكره وعبارته. شكل الكتابة النهائي بهذا المعنى (إذا ما تحدثنا عن أشكال نهائية أوصدت الباب على المزيد من التجريب) هو شكل مُكلف في الأساس، خضع بالضرورة لتأثرات كثيرة، وناضل بالمعنى الحرفي للكلمة، لكي يخلص في خصوصية فريدة، تنتصر على كل التأثرات. ثم ان قراءة الآخرين والتأثر بهم، ليست وحدها منابع إلهام الكاتب فثمة هناك بدون شك، أشياء في الحياة، في السينما، في الموسيقى، في الفن التشكيلي، في السفر، ما يُعطي الكاتب طابعاً تلميحياً يُغني عبارته او يُلهمه في إعلاء مشهد روائي أو شعري، من مجرد قطعة موسيقية أو من فيلم سينمائي. عن مصادر تأثر كتابات كل من الروائي حسن داوود، والروائية نجوى بركات، والروائية العراقية إنعام كجه جي، والشاعرين اللبناني الفلسطيني سامر أبو هواش، والمصري عماد فؤاد، والقاص السوري الشاب حازم سليمان، كان هذا التحقيق: حسن داوود: السينما الستينية الإيطالية الروائي حسن داوود ما زال حتى اللحظة يداري حسرة أنه خسر في معركته مع الشعر «لم أكن مدركاً انني سأكتب رواية. كنت أحلم بأن أكون شاعراً متأثراً بذلك، بتأثير ولعي بالشعر العربي الذي كنت أقرأه ساعات كل يوم. رغم ذلك، وجدتني حين كتبت مقطوعات أولى، بعيداً كل البعد عن كتابة الشعر. طبعاً في زمن القراءة الأول كنت أقرأ روايات كثيرة أذكر منها رواية «البؤساء» لفيكتور هيغو و«قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز و«الجريمة والعقاب» لدستويفسكي. طبعاً قرأت الكثير الكثير من روايات نجيب محفوظ الذي أثّر فيّ لجهة صناعته لمصائر شخصياته. ما زلت أتذكر تلك الميتة البطيئة، المعذّبة لقارئها، أقصد ميتة أحمد عبد الجواد. ما أرشدنا اليه نجيب محفوظ ليس فقط كشفه للمجتمع المصري، بل أيضاً لخلق حسّ الدراما فينا. بدأت كتابة ما يمكن ان يكون قصصاً وأنا أعمل في الصحافة. هذه الكتابة التي كانت أقرب الى مقالات وصفية بدأت بالتحوّل، كما من دون تدخل مني، الى ان تكون كتابة فنية. أقصد بالكتابة الفنية أشياء كثيرة لكن أهمها ربما أنني الآن، بعد انقضاء نحو من ثلاثين سنة على هذه الكتابات أجدني متعلقاً بها. حين يأتي الكاتب ليبحث عن مصادر تأثره، يميل دائماً الى الابتسار والغفلة والإهمال. وقد سئلت عن ذلك مرات كثيرة، وكنت أجيب دائماً ببعض ما تأثرت به وليس بكليته. لا شك بأن السينما، أقصد مثل السينما الستينية الايطالية وعلى الخصوص منها أفلام برتولوتشي وفيلليني وفيسكونتي، كانت ساكنة فيّ والآن أرد ولعي بالوصف وبكتابة التفاصيل الى تلك المشاهد الباهرة في هذه الأفلام. طبعاً قرأت في ما بعد كتباً كثيرة تنتسب الى أدب لم أكن أعرفه في عمر القراءة المبكر، أخص بالذكر هنا الرواية اليابانية والأدب الاشتراكي المنشق. ما أحب قوله ان الكاتب بعد اصداره كتبه يصير متفاعلاً مع ما يقرأ. أقصد ان ما كنت أراه صحيحاً أيام ما كتبت بت في ما بعد اميل الى سواه. في روايتي «غناء البطريق» جعلت العالم صامتاً، وعلى مدى مئتين وعشرين صفحة يمكن إحصاء الكلمات التي نطقت بها شخصيات الرواية. هكذا اعتقدت في سنوات التسعين تلك ان الكتابة الحقيقية هي الكتابة الدالة المكتشفة للأفراد والمحوّلة المشاهد الى لوحات. هذا تغيّر مرة أخرى إذ انني في كتابي الأخير بدوت قابلاً بإجراء الأحداث بين الأبطال وجعلهم متخففين من الثقل والرمزية اللذين في غناء البطريق. أضيفي الى ذلك، الحياة نفسها وما يجري علينا فيها. لا أعرف إن كان أدبنا في لبنان سيكون غائصاً في تلك المرارة لولا وقوع الحرب. نجوى بركات: الطاعون، التوراة، الأيام الروائية اللبنانية نجوى بركات لا تدري ما الذي يجعل كتاب «الطاعون» لألبير كامو يبقى في ذاكرتها وكأنه كتابها الأول، رغم شكّها بأنها كانت قد قرأت قبلاً كتباً سواه. تعزو نجوى السبب قائلة: «ربما هو حضور كتاب «الطاعون»، حضوره المؤثر في لاوعيي، إذ وجدتني في اثنتين من رواياتي، ودونما تقصّد او تصميم، أعاود اللقاء بذاك الجرذ الروائي الذي انتقل من شوارع وهران الى شوارع بيروت، جاعلاً من الطاعون رمز الحرب الأهلية في رواية: «مستأجرة شارع بودوفير»، ورمز السلم الموبوء في «يا سلام». التوراة أيضاً، ـ تضيف نجوى ـ كانت من قراءاتي الأولى، لاتصالها بتربيتي الدينية ولرغبتي في تقصّي ملامح شخصيات وعوالم بقيت، رغم حضورها في حيواتنا اليومية، غائمة مشوشة. هكذا كانت عذابات أيوب التي خلت انها ستحتل مجلدات بأكملها، تتركز في أسطر قليلة، وكذلك قصة سدوم وعمورة وتماثيل الملح، وبرج بابل، وأعاجيب السير على المياه، وتحويل الماء خمراً، والسمك والخبز والصيادين والبحر. أذكر أيضاً كتاب «الأيام» لطه حسين. للغة التي، لشدة سحرها، جعلتني أعاود قراءته مرات. ولحيرة ـ استدعت حيرتي وفضولي ـ ما بين حداثة المعنى والشكل وكلاسيكية التعبير ومتانته، وهذا ما لم أكن أجده ماثلاً في كتابات أخرى لمن عرفتهم ممن عاصروه او سبقوه. ولا أنسى دوستويفسكي وتولستوي وهمّ البحث عن جواب لسؤال معذِّب محيّر هو سؤال الخير والشرّ. وتالياً تشيخوف والمسرح الأغريقي وشكسبير بسبب دراستي المسرح. وكونديرا وموزيل لشيء من التشريح حيث يتم التعاطي مع الانسان كحيوان مخبري. وأخيراً كتب ومجلات علمية للافلات من الجاذبية الأرضية، ولغواية الأكوان وما تنطوي عليه من أسرار.. تنتبه نجوى أخيراً، الى ان كل ما ذكرت من قراءات، عائد للمراهقة والشباب، وتسأل: هل لأن المراهقة والشباب مرحلتا التأثر بامتياز؟ لا أظن ان وعيي تشكل فقط من قراءات، إلا انه يبقى لبعضها وقع خاص. فثمة فيها ما استجاب لنداء، التقى وسؤالا داخليا، مشابهاً بذلك رجع صدى يبقى يتردد فينا لسنوات. إنعام كجه جي: المخاطبات الإلكترونية الروائية العراقية إنعام كجه جي، خطر لها ان سؤال التأثرات لا يناسبها، لأن بداياتها مع الكتابة القصصية صارت بعيدة، وراءها، ولا شيء يحفزها للتنقيب في آثار قديمة. غير ان السؤال على ما يبدو، أيقظ شيئاً فيها: «وجدتني في ما بعد، أسير والسؤال يرافقني، أحاوره ويحاورني، لأكتشف انني لم أتاثر، ربما، بكتابات معينة بقدر ما تأثرت بصور ومشاهد في أفلام. وأستطيع ان أجزم، اليوم، ان السينما هي التي زينت لي الكتابة الروائية. كيف لا يطاردني بطل «جوني حاز بندقيته» وأنا أغامر بكتابة الرواية، على كبر، وأتهيأ لتناول حكايات بشر أعطبتهم الحروب في العراق لكنهم يجاهدون لكي لا يخسروا انسانيتهم؟ تصوري ان الكاتب الأميركي دالتن ترامبو كتب هذه القصة عام 1939، قبل الحرب العالمية الثانية، ثم عاد وكتب لها السيناريو وأخرجها بنفسه بعد ذلك باثنتين وثلاثين سنة، وظلت تصلح، وستبقى تصلح لالهام كل الجنود الذين مزقت الحرب أطرافهم وعجزت عن سلبهم أرواحهم. تأثرت بالأفلام في نصوصي ـ تُكمل إنعام ـ وكذلك بالموسيقى. وأظن ان الأغنية تسللت الى كتابتي وساهمت في تشكيل أجوائها. وتأثرت أيضاً باللوحات، مثل تلك التي رسمها الفنان العراقي جواد سليم لنساء معروفات، وكنت أحب ان أتخيل حكايات عشق جمعت بين الرسام وموديله. كيف يمكن له ان ينقل ملامح لميعة عباس عمارة، وهي في عنفوان حسنها، ولا يقع في غرامها؟ ولماذا امتنع عن توقيع تلك اللوحة بالذات وكان يعرضها في كل معارضه ويرفض بيعها؟ صور وأسئلة تفتح أمامي بوابة السرد فأتأثر بألوانها وبمكامن الظل والضوء فيها ثم تأتي اللغة ضيفة على الموضوع. لعلني تأثرت ـ تكمل إنعام ـ أيضاً، بمستجدات المخاطبات الالكترونية. وفي روايتي «الحفيدة الأميركية» مثلاً، شغلت الإيميلات حيزاً من تجربة البطلة، لذلك سقطت ورقة البلاغة اللفظية بالضربة القاضية أمام العبارات الوجيزة والتعبيرات المستحدثة. هل أقول انني أتأثر بهذا العصر ويسحرني الذكاء الصناعي؟ أما الكتابات، فقد أحببت عشرات الروايات وكتب السيرة والمجموعات الشعرية وتمتعت بها أيما متعة. لكنني طرقت الرواية بعد تشكل شخصيتي وفوات سن التأثر. بلى، أتأثر بالكتابات الضعيفة لأنها قد تعلمني كيف أتحاشى التطويل والغموض والتشتت والملل. سامر أبو هواش: المعلمون يرى الشاعر سامر أبو هواش، ان هناك مشكلة في الجواب عن سؤال تأثر كتابته بكتابة آخرين: «فإذا قال الواحد ـ يقول سامر ـ انه متأثر بعدد لا يحصى من الكتّاب المبدعين، لاتُهم بالتواضع الزائف، وإذا زعم قلة في هذه التأثيرات لاتُهم بعكس التواضع. أحسب في المحصلة الأخيرة ان التأثر يشبه العمر، لكل مرحلة منه او فترة ملامحها الخاصة، ولا يمكن تعيممها على جميع المراحل. أعرف جيداً انني تأثرت في فترة ما بأدونيس وقرأته كثيراً وكتبت مثله، وأعرف انه في فترة لاحقة لم يعد أسلوب أدونيس يعني لي الكثير، ولا تشغل لغته حيزاً من تفكيري، أعرف أيضاً انني لم أتأثر يوماً بأنسي الحاج، وهذا يمكن ان يرجع الى انني في الفترة التي قرأت شعره بها ـ والقراءة الأولى هي دائماً المحك في موضوع العلاقة بكاتب ما ـ كنت منشغلاً بقراءة شاعر آخر هو الماغوط، وربما فاتت اللحظة التي كان يمكن ان تعني لي خلالها لغة أنسي الحاج شيئاً. وفقاً لذلك أيضاً تأثرت بشوقي أبي شقرا ولم ألتفت لفؤاد رفقة مثلاً. هذه كلها مسألة ظروف وأمزجة لا علاقة لها بأهمية او تأثير الكتاب الذين نقرأ او لا نقرأ لهم، وبالتالي ينتبه المرء الى ضرورة وجود حسّ ديموقراطي ما في هذه المسألة، بمعنى انك لا تستطيع اتهام أحدهم بقلة الشعرية إذا قال لك انه تأثر في مرحلة ما بمحمد علي شمس الدين او شوقي بزيع مثلاً، فمثل هذه الأمور يحدث. على سبيل المثال انطبعت مرحلة من حياتي، كإنسان لا كقارئ فحسب، بقراءة ترجمات بريخت وناظم حكمت، وكانت مخيلتي مسكونة بصور السفر والمنفى والبحار والسكك الحديدية والسجون والحرية.. الخ. وفي مرحلة ما كانت كلمة «سماور» التي لا تخلو رواية روسية منها، مصدر سحر غريب لي، وقد تأثرت قراءتي الأولى لمحمود درويش بموسيقى مرسيل خليفة، قبل ان أقرأه لاحقاً بصورة أكثر امعاناً، لكن في خضم التأثر كان صوت مرسيل خليفة وهو يغني محمود درويش أشد حضوراً من الشعر المكتب وحده.. أحياناً يتأثر المرء بشعر او نتاج غير متأثرين، على سبيل المثال تأثرت بوديع سعادة قبل ان أتأثر ببعض موارد شعره الأساسية متمثلة بشعر «البيت» وحين قرأت مثلا الأميركي جينسبرغ، القوة الأساسية في شعر سعادة اللاحق (بعد مجموعته الأولى)، لم أتأثر به ولم يعن لي شيئاً بقدر ما عنت لي نسخة سعادة عن هذا الاتجاه الشعري وهي نسخة أصلية بقدر ما انها مستلهمة. يجد أبو هواش ان هناك في المقابل شعراء او كتّابا او فنانين يبقى أثرهم حاضراً. على سبيل المثال وودي ألن يشكل مصدر إلهام دائما لي، وأحياناً يكفي ان اشاهد فيلماً من أفلامه حتى تجتاحني رغبة قوية بالكتابة. أحياناً يكفي ان أعود الى أحد كتب بسام حجّار، فيحدث التأثير نفسه. هذا منسوب ربما الى صنف المعلمين أكثر مما الى المؤثرين، فبالنسبة إليّ هناك فنانون وكتاب وشعراء معلمون دائمون، قد يهجرهم المرء قليلاً لكنه يجد نفسه باستمرار عائداً إليهم، انطونيوني هو واحد من هؤلاء بقدر ما هو عباس بيضون، برغمان كذلك بقدر بول شاوول.. اليوم لا أجد نفسي في أي من هذه الأصوات بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنني أعرف انه مهما كان شعوري فإن ظلال عبارات وأصوات وإيقاعات وصور وتراكيب، أنتجها كثر من المعلمين والمؤثرين على السواء، تكون حاضرة معي على الصفحة، فليس صدفة انه عندما تختفي هذه الظلال من داخلي، ربما لأنني أفقد الإيمان بها، تختفي الصفحة برمتها. عماد فؤاد: كثيرون الشاعر المصري عماد فؤاد يجد ان القراءة خبرة عجيبة، ولا يعتقد اننا ونحن ننشغل بعملية القراءة ندرك مدى التأثير الذي سيظل بداخلنا بعد الانتهاء منها. القراءة ـ يقول عماد ـ مستويات ودرجات، ثمة كتب تطالعها بنصف عين ونصف روح ونصف وعي، وثمة كتب تأبى الا ان تمتلك عليك حواسك، لذا ربما كان هناك سبب ما لفشلي ثلاث مرات متتالية في قراءة احدى أهم الروايات التي أثرت في وعي بشدة، وهي رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، أذكر انني لم أستطع ان أتخطى الصفحات المئة الأولى ثلاث مرات، وبعدها كنت أتوقف عن القراءة وأهمل الرواية فترة لأعود اليها من جديد، أكملتها في المرة الرابعة، وأغلقت الصفحة الأخيرة منها وأنا أشعر بمرارتين، مرارة فشلي ثلاث مرات في قراءتها، ومرارة انتهائي منها. التأثيرات عديدة جداً ـ يضيف عماد ـ حين أبحث عنها الآن أجد ان أول ما توقفت أمامه وأنا صغير كان القرآن الكريم، كنت أُجلد في الكُتَّاب لأحفظه، ومن بعده «نشيد الأناشيد»، لاحقاً أثرت فيّ كتابات عديدة من الصعب حصرها في عدة أسماء، لكنني لو عددت بعضها فسيكون في مقدمتها: «دون كيخوته» لثربانتس، أمرؤ القيس وعمر بن أبي ربيعة وأبو نواس والمتنبي والحلاج والنفري وابن عربي ودنقل وريتسوس ويوسف ادريس وجويس منصور وكفافي وبيسوا ومحمود درويش ونيكانور بارا وأمجد ناصر وإبراهيم أصلان وعبد الحكيم قاسم، وكاواباتا في «الجميلات النائمات» و«ضجيج الجبل» و«حرير» لباريكو، و«العطر» لزوسكيند، أعمال بورخيس وفارغاس يوسا وإدواردو ميندوثا وكونديرا وماركيز والليندي وكينزابورو اوي وكازانتزاكيس، سليم بركات في «السيرتان»، «المخطوط القرمزي» لأنطونيو غالا، أحببت جداً «إيروس» لألبرتو بيفيلا كوا، و«في مديح النساء الأكبر سناً» لستيفن فيزنيشي. التأثر، بحسب عماد فؤاد، لا يقتصر فقط على القراءات، ثمة كثير مما يمر بنا نتأثر به ربما دون ان ندري، لا يمكنني ان أتغاضى مثلاً عن تأثير السينما والموسيقى والفن التشكيلي وأثر مقرئي القرآن الكريم على كتابتي، أعمال سينمائيين مثل «أكيرا كيراساوا» وودي ألن ويوسف شاهين وخيري بشارة ورضوان الكاشف وعاطف الطيب وأحمد زكي، موسيقى أم كلثوم والمدرسة الرحبانية وبليغ حمدي ومحمد فوزي وعلي الحجار ومحمد منير، تلاوات الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ومحمد محمود الطبلاوي ثم لوحات إيجون شيلي وجوستاف كليمت وبيكاسو، كلها تركت بصمة لا تمحى بداخلي. حازم سليمان: نهاية العراب للقاص والشاعر السوري حازم سليمان مشاركته إذ يجد في السؤال بداية، كلاسيكية من نوع ما، سوى انه يردف: بأنه سؤال مربك ومحير، و«حين فكرت فيه ملياً ـ يقول سليمان ـ أعادني الى سنوات بعيدة كانت القراءة فيها تحمل ذلك القدر من التأثير المباشر في النتاج الأدبي. على كل حال ـ يضيف سليمان ـ يمكنني التأكيد ان نتاجي الأدبي الأخير هو حصيلة تقاطعات مركّبة لتجارب شخصية وملاحظات يومية فيها قدر كبير من التوثيق والانبهار والاحتفاء بالحياة، وربما أنا من جيل يحاول قدر الامكان التخلص من هذه التأثيرات التي ساهمت الى حد كبير في قولبة الكثير من النتاجات الأدبية وقادتها في نهاية المطاف الى نهايات محسومة. ما أريد قوله ان زمن الكاتب «العراب» قد انتهى. على الأقل في ما نراه ونحسه من مجمل ما يصدر لكتّابنا الأكبر عمراً والأكثر خبرة. ثمة كتب مهمة نحتفي بها، نتساجل فيها، لكنها لا تترك ذلك الأثر الذي يفرض نفسه على الورقة وعلى المنتج الأدبي. لا أريد لكلامي ـ يضيف سليمان ـ ان يبدو نرجسياً لكن يصعب عليّ القول بأن هذا الكتاب او ذاك ترك أثره عليّ، في ذاكرتي الكثير من الأسماء والعناوين التي أحببتها وأضعها أسفل وسادتي لكنني حريص كل الحرص الا أحمل معي منها الى النص الذي أنتجه حالياً او على الأقل هذا ما أدعيه، ربما تظهر بعض التأثيرات بطرق غير مباشرة بالنسبة لي او يصعب علي أنا التقاط ذلك لكنني أجزم بأن نتاجاتي الأخيرة فيها ولاء للصورة، للقطة السينمائية لليوميات للموسيقى أكثر من ولائها للكلمة بمعناها الأدبي المباشر. اشعر وأنا أقلّب قصصي انني أتصفح ألبوم صور أكثر منه مادة للقراءة، يبدو الآن بغاية البساطة ثمة بحث مؤرق لدى جيلي عن الخصوصية وعن هواء جديد خارج كل هذا المتنفس مسبق الصنع والإعداد.