»كفرمتى« واحدة من بلدات الشحار الغربي (قضاء عاليه) التي تميزت لسنوات طوال بالعيش المشترك بين أبنائها الدروز والمسيحيين فكانت نموذجا له حتى العام 1983 عندما وقعت »حرب الجبل« وذاقت كفرمتى كما غيرها من القرى والبلدات المجاورة ضراوتها وشراستها المبالغتين. لكن نصيبها كان »أكبر« اذ ارتكبت فيها مجزرة ذهب ضحيتها 107 ضحايا من أبنائها الدروز، فضلا عن تهجير الباقين وإلحاق الخسائر المادية بمنازلهم وممتلكاتهم. وفي 14 شباط 1984 (وبعد تهجير قسري دام 5 أشهر و11 يوما) عاد أبناء كفرمتى (الدروز) اليها وهُجر المسيحيون منها بعد معركة الشحار الغربي، ومنذ ذاك التاريخ اصبح العيش في البلدة من لون واحد. ويبدو ان اهالي كفرمتى اعتادوا العيش بمفردهم في ظل صعوبات تواجه المصالحة. وبرغم النكبة التي حلت بالأهالي وبرغم المعاناة والحرمان الذي عاشته البلدة على المستويات كافة فهي حتى اليوم لم تلقَ الاهتمام الكافي ولم تحظ بالتعويضات المادية المحقة على صعيد اعادة الاعمار والترميم خصوصا ان 40 في المئة من المنازل هدمت أثناء الحرب وقسم كبير أحرق ومعظم المتضررىن أعادوا إعمار وترميم بيوتهم على نفقتهم الخاصة، كما ان البعض مقيم في بيوت المسيحيين، فضلا عن غياب الخدمات الاساسية التي يجب ان توفرها الدولة (مياه الشرب وشبكة الصرف الصحي). ومع ذلك استطاعت كفرمتى ان تنهض من تحت الركام بجهود أبنائها وخصوصا رئيس بلديتها فؤاد خداج الحريص دوما على تأمين »الاكتفاء الذاتي« من المشاريع الحيوية للبلدة. وقد تمكن بالتعاون مع بعض الاصدقاء من توقيع بروتوكول توأمة بين بلدية كفرمتى وبلدية »مارتنيانو« الايطالية في 30/12/1989، وتعد هذه التوأمة من أنجح التوأمات التي حصلت في لبنان نظرا للمشاريع الحيوية والدعم الذي يقدمه الاتحاد الاوروبي بالتعاون مع بلدية مارتنيانو للبلدة. تبعد كفرمتى عن العاصمة 35 كلم وتعلو عن سطح البحر 650 مترا وكانت تشتهر منذ القدم بزراعة الزيتون وبإنتاج الزيت والصابون الذي تضاءل في السنوات الاخيرة الماضية بسبب الحرائق الموسمية، وتتميز البلدة ب»مهرجان الزيتون السنوي« ويقدر عدد سكانها ب6000 نسمة (يتوزعون على 20 عائلة) ويشكل الدروز ثلثيهم والثلث الآخر من المسيحيين. وتعود أول بلدية في كفرمتى الى أواخر الخمسينيات حيث تولى المرحوم رشيد خداج رئاستها ثم سعيد محمد الغريب عام 1962، وفي العام 1964 استقالت البلدية وبالتالي حُلّت وظلت بعهدة القائمقام حتى العام 1981 حيث تسلّم رئيس البلدية الحالي فؤاد خداج مهامه بموجب مرسوم جمهوري، ويتألف المجلس البلدي من عشرة اعضاء (7 دروز و3 مسيحيين) وحاليا يضم ستة اعضاء دروز فقط بعد وفاة العضو السابع. وهجرت البلدية كما ابناء البلدة في العام 1983 ثم عادت في العام 1984، وقد تركز عملها على رفع انقاض المنازل المهدمة وتنظيف البلدة وصيانة طرقاتها وتأمين المياه والكهرباء للاهالي وذلك بفضل المساعدات المادية والتقنية التي قدمها »اتحاد غوث الاولاد«، والحزب التقدمي الاشتراكي والادارة المدنية انذاك. البلدية واليوم تعتبر بلدية كفرمتى من انشط البلديات القائمة في المنطقة نظرا للمشاريع التي تقوم بها وفي هذا الاطار، اوضح رئيس البلدية فؤاد خداج انه لولا الدعم الذي نتلقاه من بلدية »مارتنيانو« لما حظيت بلدتنا بالمشاريع الحيوية التي نفذ قسم كبير منها ومن بين هذه المشاريع بناء قاعة عامة للبلدة لاقامة الافراح والاتراح سيتم افتتاحها رسميا في وقت قريب (مساحتها 500م2 تتألف من طبقتين) وقد اطلق عليها اسم »قاعة كفرمتى مارتنيانو« اضافة الى مكتبة عامة ومستوصف للبلدة بدعم من المجموعة الاوروبية وبإشراف مؤسسة CTM الايطالية. كما تم انجاز مشروع مجاز كفرمتى اي الشارع الرئيسي للبلدة وانارته بعد ان كان متوقفا منذ 35 عاما وذلك بالتعاون مع وزارة الاشغال العامة في العام المنصرم. كذلك قامت البلدية بتنفيذ مشروع جر مياه الشفة من البئر الارتوازية الواقعة في اعالي البلدة، عبر خط انابيب طوله 200 متر، يصل الى العين الحديثة التي انشأتها البلدية مؤخرا في ساحة البلدة وذلك لتأمين مياه الشفة للاهالي لا سيما ان الكميات التي تصلنا من مياه الباروك مرتين في الاسبوع لا تكفي. ولفت خداج الى ان مياه العين لا تستفيد منها كفرمتى فحسب وانما كل ابناء المنطقة وعابري السبيل. وايضا، عملت البلدية على شق الطرقات الزراعية بالتعاون مع »جمعية انماء كفرمتى« وشق الطريق الذي يربط بين كفرمتى وجسر القاضي وتعبيدها (يصل بين عاليه والشوف). وحاليا وبعد ان حصلت على 40 مليون ليرة من الصندوق البلدي المستقل كدفعة اولى من اصل 132 مليون ليرة تقوم البلدية ببناء جدران دعم على جوانب الطرق، اضافة الى اقنية للري واخرى لتصريف مياه الشتاء. المشاريع المستقبلية وحول المشاريع المستقبلية، اعلن خداج انه سيتم انشاء معصرة زيت في البلدة على الطراز الحديث وذات مواصفات عالمية بتمويل من الاتحاد الاوروبي وبلدية »مارتنيانو« ووزارة الخارجية الايطالية، وتمت الموافقة على دراسة هذا المشروع مؤخرا من قبل الجهات الممولة وقد زار كفرمتى وفد من موظفي الخارجية الايطالية للاطلاع على الموقع المناسب في البلدة لاقامة المعصرة عليه. ولفت خداج النظر الى اهمية انجاز مشروع المعصرة لما فيه من فائدة مباشرة لابناء المنطقة عموما على الصعيد الاقتصادي والانتاجي وتشغيل اليد العاملة والمساهمة في تنشيط العجلة الاقتصادية. وعن البنية التحتية، قال خداج: »تعيش كفرمتى اليوم حالة اكتفاء ذاتي على صعيد الكهرباء والمياه والهاتف الذي وصل الينا متأخرا (منذ بضعة اشهر) لكن المشكلة الاساسية التي نعاني منها هي افتقارنا الى شبكة الصرف الصحي حيث ما نزال نعتمد على »الجور غير الصحية« مطالبا المعنيين بالعمل على تأمين هذه الشبكة بأسرع وقت ممكن. العودة؟ ولدى استطلاع رأي الاهالي المقيمين في كرمتى حول اداء البلدية واحتياجاتهم برز شبه اجماع بين مختلف العائلات على ان بلدية كفرمتى هي من افضل وانشط البلديات في المنطقة وتقوم بواجباتها ضمن امكانياتها المتاحة. ورأى الاهالي في هذا الموضوع مدخلا للتعبير عن موقفهم من قضية العودة ودفع التعويضات فبرز شبه اجماع آخر على رفض مبدأ عودة المشاركين في مجزرة كفرمتى وعلى المطالبة بدفع التعويضات والمستحقات المادية لابناء البلدة. } حسيب الغريب قال: نحن لسنا ضد المسيحيين بشكل عام ولكن ضد عودة ابناء كفرمتى الذين شاركوا بارتكاب المجازر بحق اهلنا وابنائنا. وأضاف: »انا لا استطيع ان اتعايش مجددا مع من قتل 12 فردا من عائتي ومهما بلغت قيمة التعويضات المالية التي ستدفع لاهالي الشهداء فنحن ضد العودة بأي شكل من الاشكال«. } سهيل ابي عمار (30 سنة)، صاحب ميني ماركت، اعتبر ان البلدية تقوم بواجباتها ضمن امكانياتها المتوفرة مطالبا وزارة الاشغال العامة بتزفيت طرقات البلدة وبمد شبكة للصرف الصحي. واعرب ابي عمار عن رفضه للعودة معتبرا ان ما حصل في كفرمتى من مجازر ليس من السهل ان ننساه ونحن ضد العودة مهما بلغت قيمة التعويضات المادية لعائلات الشهداء وللمتضررين. } محمد الغريب، رأى بأن عودة المهجرين الى كفرمتى هي »قنبلة موقوتة ولا يمكن للدولة ان تلزم المواطنين بالمصالحة لان ذلك سينعكس سلبا على مسيرة الامن الداخلي والامن الاجتماعي«. } وأكد سامي اللحام (65 سنة) بأن البلدية تقوم بواجباتها على اكمل وجه وربط مسألة العودة بقرار الاكثرية في البلدة. } وشدد فواز ابو هنا على ضرورة دفع التعويضات المالية للاهالي عمموما وعدم ربط هذا الموضوع بقضية عودة المسيحيين. } اما عزت اللحام فرأى انه لا مانع من عودة المسيحيين ولكن ضمن شروط معينة واهمها التوافق السياسي مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ودفع التعويضات المحقة والعادلة لابناء كفرمتى. } سامي الديب، طالب الدولة ووزارة الصحة العامة بدعم مستشفى الشحار الحكومي في قبر شمون كونه المستشفى الوحيد في المنطقة، كما طالب باعفاء الاهالي من دفع رسوم الكهرباء والمياه، لان البلدة كانت منكوبة ومدمرة وقد أمنّا الخدمات الضرورية كالكهرباء والمياه بجهد خاص ومن اموالنا الخاصة. أما رئيس البلدية فأكد ان البلدية تؤمن بالعيش المشترك، رغم المآسي التي حصلت في كفرمتى، ورأى ان قرار عودة المسيحيين اليها يبقى رهنا بالقرار السياسي وبموافقة الاهالي على اجراء المصالحة مشيرا الى ان هذا الموضوع حساس جدا ويلزمه معالجة هادئة ودقيقة. وطالب خداج بدفع التعويضات العادلة لكل البلدات في الشحار وبأن يشملها الانماء المتوازن. بدوره طالب مختار كفرمتى الشيخ خليل الغريب المسؤولين في الدولة بأن يولوا منطقة الشحار الرعاية اللازمة وتأمين مستلزمات ومقومات الحياة الضرورية لابنائه وخصوصا البنى التحتية »فلا يعتبروا هذه البقعة من الوطن في سلة المهملات«. واشار الغريب الى ان الاهالي بشكل عام لا يرغبون بالمصالحة »فهناك اشخاص لا يمكن القبول بهم نظرا لارتكاباتهم الاجرامية متمنيا على الدولة ان تأخذ بعين الاعتبار هذا الجانب الانساني الحساس«. تحقيق: رانيا غرز الدين