تختلف سنة البكالوريا عن اي فترة اخرى يمر بها الشاب، فهي السنة التي تحدد المستقبل وتقرر بقية حياته. هي سنة الانعزال عن الحياة والانهماك الكامل في الدراسة، وبالتالي، هي سنة الخوف والتوتر والاضطراب العصبي والنفسي التي تنتهي بنهاية الامتحان لتأتي النتائج التي تفرح البعض وتصدم الآخر (بناء على هذه النتائج يمكن دخول الكلية. فحسب مجموع علامات البكالوريا يقبل الطالب في الجامعة، وصاحب المجموع الأعلى يملك جميع الخيارات التي تتناقص مع تناقص المجموع وهكذا...). وتأتي في كل عام معدلات القبول في الجامعات مطابقة للمنزلة الاجتماعية الممنوحة لهذا الفرع او ذاك. ويمثل الطب البشري أعلى السلم الاجتماعي وكذلك يحتاج الى علامات عالية في البكالوريا لدخوله، يليه طب الاسنان والصيدلة ثم الهندسة بفروعها. التحضيرات السنوية تبدأ الاستعدادات لهذا العام من الصين حيث تنشط الدورات التعليمية الخاصة والدروس الخصوصية. ولبعض الاساتذة أساليب متميزة وناجحة في اقتناص الطلاب جاءت نتيجة خبرة طويلة في وظيفة التدريس بمعاشها المحدود والتي مكنتهم من معرفة الحالة النفسية للطالب وخوفه من الفحص واستغلال صعوبة الامتحان الاخير وخطورته. فكثيرا ما ترى الاستاذ يدرّس في المدرسة بطريقة، وفي المنزل بطريقة اخرى مختلفة تماما. فتراه يتأفف ويتذمر من ضيق الوقت وعدم كفايته لاعطاء المعلومات كاملة ملمحا الى اهمية الدروس الخصوصية. وقد ساهم هذا الى حد كبير في حصر العلامات بين ايدي القادرين على الدفع. فتقول مهى وهي من حلب: »اضطر ابي ان يسافر للعمل في السعودية كي يغطي نفقات تعليمي لهذا العام، فأنا ادفع للاساتذة والدورات شهريا 000،60 ليرة سورية اي ما يعادل 1200 دولار اميركي«. يبدأ آلاف الطلاب عامهم الدراسي بطريقة دراسة تختلف عن الطريقة التي اعتادوا عليها. فيقول وائل: »كنت افهم الدرس وأناقشه ثم احفظه كما فهمته. اما الآن، فعليّ ان احفظه مثلما هو عن ظهر قلب فالعلامات توزع على الكلمات، والفهم غير مهم«، ويضيف اياد: »وقت الامتحان لا يكفي إلا للكتابة وليس لديّ وقت لافكر في المسألة. ففي الرياضيات مثلا، يجب ان اعرف كل احتمالات الاسئلة والمسائل واحفظ طرق حلها، فوقت الامتحان لا يكفيني كي أفكر، فهم لا يريدونني ان افكر بالحل بل ان اعرفه«. حسم الصراع وهكذا يصبح العام الدراسي معركة دراسية يخوضها الشباب بدافع الرغبة في تحقيق احلام المستقبل. هذه الرغبة التي يلعب فيها العامل المادي دوراً اساسياً وهاماً في الاختيار، وكذلك اللقب، ومن هنا جاء تفضيل الشباب لدراسة الطب والهندسة والصيدلة. فبالاضافة الى الاسم الذي ينالونه، تلتزم الدولة بتأمين وظائف لجميع المتخرجين منها. وهناك أيضا اقبال كبير على دراسة التجارة وهندسة الكومبيوتر وكلية المعلوماتية ومعهد الكومبيوتر، فسوق العمل مفتوح لخريجيها. التفكير بالمستقبل والامان المالي واللقب الاجتماعي بالاضافة الى ميول الشخص وحبه لهذا الفرع او ذاك تشكل ما يسمى الرغبة في دراسة فرع معيّن. وقد يقع الطالب في صراع بين الامان وبين ميوله »التي لا تطعم خبزا«، كما تقول هلا عن الفنون الجميلة، لكن كثيرا ما تحسم النتيجة لصالح رغيف الخبز. والبعض لا يشكو من اي صراع اصلا اوليس لديه مرض يسمى الهدف، يقول زياد: »لم افكر بشيء قبل البكالوريا ولا فرق عندي إن كنت سأصبح طبيبا او مهندسا، في النهاية الكل يعمل بالتجارة«. اما الحواجز التي تفصل الشاب عن حلمه فيشترك معظم الطلاب باثنين منها. الحاجز الاول: حصوله على علامات كافية في البكالوريا، ويستوجب هذا دراسة مواد يحبها ولا يحبها ومعرفة جيدة للحيل والالاعيب التي تطرح بها اسئلة الامتحان والتي تتطلب احيانا من الطالب صناعة المعجزات داخل قاعة الامتحان. والحاجز الثاني عدم تعارض رغبته مع رغبة الاهل... فيقول حسام: »كنت احتاج لعلامتين كي ادرس هندسة العمارة التي احببتها كثيراً، ونجحت في امتحان قبولها. كان يمكن ان احصل على العلامتين من مادة الكيمياء أو اللغة العربية او... الخ«. اما شادية فتقول: »اعدت دراسة البكالوريا ثلاث مرات، ورسبت مرتين، لا اعرف ماذا يحدث لي في الامتحان الاخير، اخاف كثيرا ثم لا استطيع قراءة الاسئلة، فأصاب بإغماء واصحو بعد ساعتين لاجد نفسي في غرفة الاسعاف مع انني كنت مجتهدة طوال حياتي الدراسية، واسمي كان دائما على لائحة المتفوقين في المدرسة، أنا الآن ادرس الحقوق لكني طالما حلمت بالصيدلة«. اما سوسن، فتراها تركض بين كلية الطب ومعهد الموسيقى، فتقول: »أبي الطبيب ارادني ان اكون طبيبة، وأمي عازفة البيانو ارادتني ان ادرس الموسيقى، فدرست الاثنين معا حتى لا يغضب اي منهما. اتعذب كثيرا بين الدراسة للجامعة وساعات التمرين في المعهد«. ويقول باسم: »ارادني ابي ان اصبح طبيبا منذ ان كنت صغيرا. وكان يسميني في المنزل »دكتور باسم«، وكنت أنا احب الرياضيات والفيزياء كثيرا، واردت ان ادرس هندسة ميكانيك، لكن أبي رفض بشدة فدرست الطب ونجحت به. وفي السنة الرابعة لم اعد قادرا على الاستمرار وبقي حلم الميكانيك في رأسي، فتركت الطب وبدأت بدراسة الميكانيك. فاكتشفت ان هذه الجامعة ليست ما أريده، وهذا الميكانيك ليس ميكانيكا والاساتذة ليسوا كما توقعت، بالاضافة الى اني كنت اكبر سنا من رفاقي فشعرت انني تأخرت وتركت الكلية، وسافرت للعمل بالتجارة لاكسب ما تبقى من مستقبلي. الآن، بعد هذه الفترة الطويلة، استطيع ان اقول ان ابي قد قتل حياتي«. البحث عن مخرج ومن الحلول الدارجة بين الشباب استبدال الفرع بفرع آخر يشبهه. فكثيرا ما ترى الراغبين بدراسة الفنون الجميلة يدرسون هندسة العمارة، فهي »تدخل في مجال الرسم وهي ايضا هندسة« يقول حميد. او يدخلون معهد التعويضات الفنية بدلا من طب الاسنان في حال عدم الحصول على العلامات الكافية والمعهد المخبري بدلا من الصيدلة... الخ. ومن الحلول ايضا السفر للدراسة في الخارج اذا كان الاهل قادرين على تحمل النفقات، والمثال على ذلك جامعة (L.A.U.) في بيروت. اما فراس، فقد درس ست عشرة ساعة يوميا لمدة اربعة اشهر وثماني ساعات بالاضافة الى دوام المدرسة بقية العام الدراسي، حتى استطاع ان يحقق رغبته في دراسة البحوث العلمية من دون الحاجة الى الدروس الخصوصية. ومن المتعارف عليه وجود كليات تفضلها البنات واخرى للذكور، مثل هندسة الميكانيك والكهرباء التي تجد عليها اقبالا كبيرا من الذكور. اما الصيدلة والآداب، وخاصة الادب الفرنسي، فتكاد تكون كلية الفتيات. وهناك ايضا فروع غير محببة عند الاهل مثل التمثيل والموسيقى والصحافة والفنون الجميلة، فتجد معارضة الاهل لاولادهم الراغبين في دخولها تنجح غالبا وتفشل احيانا... ر.ت. (دمشق)