As Safir Logo
المصدر:

كيف يتلقّى السينمائي اللبناني النقد في نظر المسمار ورضا وحبشيان يعتبره الناقد طفيلياً ويقبل منه ما يحابيه... لا وطن للسينما لكن الفيلم اللبناني رجل مريض

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2009-09-19 رقم العدد:11400

لا يزال سؤال العلاقة السينمائية الملتبسة بين المخرج والناقد، في لبنان والعالم العربي، مطروحاً للنقاش، لأن العلاقة نفسها مرتبكة وغير واضحة المعالم، طالما أن الأول يرفض النقد إذا لم يُعجبه، وطالما أن الثاني متمسّك بحقّه في تقديم قراءته الخاصّة بنتاج الأول، مهما كان نوع العلاقة الشخصية بينهما. لكن، ليست هناك صناعة سينمائية لبنانية وعربية (خارج مصر) متكاملة، تستطيع، أو بالأحرى تساهم في «خلق» نصّ نقدي سينمائي يتابع الإنتاجات ويعاين مضامينها وأشكالها، ويطرح مسائل متعلّقة بارتباطها ببيئتها ولغتها ونمطها البصري وتأثّراتها وتأثيراتها، ويذهب إلى ما هو أبعد من الفيلم بحدّ ذاته، أي إلى القضايا الجمالية والفكرية والتقنية وغيرها، وإلى إجراء حوار دائم بينه وبين السينمائي. لكن الحالة اللبنانية والعربية مصابة بوهن الإبداع، على الرغم من الاختبارات الفردية المهمّة جداً، التي يصنعها مخرجون متمكّنون من أدوات التعبير، في مقابل سجال نقدي سليم ومتواضع، يسعى إلى إشاعة مناخ صحي مرتكز، أساساً، على نقاش ووعي معرفي والتزام مطلق بأولوية هذا الحوار وأهميته. والحالة المذكورة ليست حكراً على صناعة الفيلم، لأنها منسحبة على صناعة النصّ النقدي أيضاً، خصوصاً أن الكتابة النقدية العربية الجدّية نادرةٌ. علاقة معقّدة في بيروت، لا يوجد حوار دائم بين السينمائي والناقد، لانعدام حركة صناعية سينمائية متكاملة، (مع التنبّه إلى طغيان المستوى العادي أو ما هو دونه على الجدّي)، تتيح للناقد إمكانية صوغ نصّ نقدي يتعدّى المتابعة الآنيّة لإنجاز فيلم أو تنظيم مهرجان؛ ولغياب شبه مطلق لفعل النقد، في مقابل تكاثر الكتبة الفنيين الذين يظنّون أن متابعاتهم الصحافية والإعلامية تجعلهم نقّاداً. لا مكان لصورة كهذه، لأن مخرجين سينمائيين كثيرين يتعاملون مع النقّاد القليلين بمنطق الصداقة أو التبعية، إذ يرون في الصداقة طريقاً إلى المديح الدائم، ويجدون في التبعية ركيزة علاقة سوية، خصوصاً أن المخرج يضع الناقد في خانة «الملحق الإعلامي»، لأن هناك صحافيين وإعلاميين فنيين كثيرين يلعبون هذا الدور، بترويجهم «البضاعة» بعيداً عن أي سجال نقدي ممكن. ولأن الأمور محدّدة بهذا الإطار، تقع خلافات «شخصية»، ويُصبح الناقد في نظر مخرجين عديدين «عديم الفهم» و»مدّعياً» و»حاقداً»، لأنه غربل الصنيع، ووضعه في خانة التشريح السينمائي؛ ولأنه رفض الخضوع لأي ابتزاز، ووضع الصداقة جانباً، بل جعل الصداقة درباً إلى نقاش حقيقي، يجد صداه، لحسن الحظّ، عند سينمائيين قليلين. لا يتمتّع المخرجون السينمائيون اللبنانيون والعرب جميعهم بروح منفتحة ومتجاوبة مع الرأي النقدي الآخر. بل على العكس من ذلك، تعادي غالبيتهم الساحقة ناقداً عبّر عن رأيه بحرية وصراحة وموضوعية، لأن رأيه هذا يتناقض ورغبة هؤلاء في الاطراء والمديح، ظنّاً منهم أن أعمالهم البصرية خارج الاعتبار النقدي، وفوق المحاسبة. المسألة معلّقة، والأمور مرتبكة، لأن التفاهم الثقافي بين الطرفين معدومٌ، أي القدرة الثقافية السوية على نقاش نقدي سليم وموضوعي بين الناقد والسينمائي، لا يتزلّف، ولا يبغي صداماً عشوائياً أو مديحاً كاذباً، ولا يسعى إلى إلغاء الآخر. «العلاقة بالمخرج اللبناني والعربي معقّدة جداً»، كما حدّدها هوفيك حبشيان (النهار)، «إذ يتداخل فيها المهني بالأخلاقي، والفني بالشخصي». ذلك أن «عدم تقبّل المخرج للنقد في نهاية الأمر شيء يستمدّه من أخلاقيات المجتمع، الذي يرفض أن يضع الموروثات كلّها في إطار البحث والمعاينة والتدقيق». فالمسألة بحسب حبشيان «مسألة تربية وأخلاق وتقاليد». من جهتها، رأت ريما المسمار (جريدة «المستقبل») أن «من مفارقات الكتابة النقدية في منطقتنا الشعور بحرية أكبر في انتقاد غودار مثلاً، مقارنة بالكتابة عن فيلم لمخرج عربي يقضي معظم أوقاته في ملاحقة النقاد والردّ عليهم»، معتبرة أن «المخرج اللبناني يُصاب بالمرارة والاحباط بسبب أي نقد لا يصبّ في مصلحة عمله، الذي استغرق أعواماً طويلة لإنجازه، كتابة وتحضيراً وإنتاجاً»، ومشبّهةً الأمر «بعيادة نفسية كبيرة نحيا فيها، والناقد ليس في موقع أفضل». بالنسبة إليها، «إذا كان الناقد الغربي مطالب بالدفاع عن رؤيته النقدية في وسط نقدي كبير ومكرَّس، فالناقد اللبناني أو العربي يُصاب بدوره بالاحباط إزاء مواجهة ما بينه وبين المخرج بسبب نصّ نقدي، لأن ذلك يعني إقصاءه والتهديد بمكانته التي يشكّ فيها هو أحياناً، بسبب طبيعة عمله غير المكرّسة وغير المقدّرة تماماً، في بلد يعاني خللاً ثقافياً وفنياً، فما بالك بالنقد». في الإطار نفسه، شدّد محمد رضا (صحف عربية عدّة) على ضرورة «حيادية الناقد» في تعامله مع الأفلام اللبنانية، معتبراً أن عليه (الناقد) «أن يكون فوق الشبهات»، ومشيراً إلى أن المخرجين اللبنانيين في الآونة الأخيرة منقسمون إلى فئتين «أو ربما إلى طبيعتين: فئة تدّعي عدم الاكتراث بما يُكتب، وهي قليلة؛ وفئة تتواصل مع الناقد لتناقشه، أو كي تشكره. هناك فئة ثالثة أيضاً تعادي المادة النقدية». أعطى رضا أمثلة عن مخرجين منتمين إلى الفئة الثانية، كمي المصري وفيليب عرقتنجي وبهيج حجيج، لكنه أكّد أن «عدداً ممن يتواصلون مع الناقد لشكره على مقالته، يفعلون ذلك إذا كانت المقالة لصالحهم»، واصفاً العلاقة بين الطرفين بأنها «غريبة»، ومشيراً إلى أن «الناقد يعتبر نفسه دائماً جزءاً من بنية الثقافة السينمائية، لكن غالبية المخرجين يعتبرونه خارج الصناعة السينمائية بأسرها. يعتبرونه عشباً فطرياً نما إلى جانب «جدار» الفيلم وترعرع هناك، كونه لم يُشارك في العملية الإبداعية منذ البداية». هذا ما قاله حبشيان أيضاً، محدّداً ثلاثة أنواع من السينمائيين: «من لا يقرأ النقد، من يقرأ ولا يعيره أهمية، ومن يقرأ ويغضب وتكون ردوده قاسية»، معتبراً أن المخرج الفذّ «هو الذي لا يغضب بسبب نقد سلبي، لأنه يعرف أن هذا ليس آخر فيلم يُنجزه، وأن الناقد المحترم يعود عن رأيه عندما يُخرج فيلماً يستحق التقدير». جنسية الفيلم لكن، كيف يتعامل الناقد اللبناني مع الفيلم اللبناني: هل يُقيم وزناً للانتماء الجغرافي أو للجنسية، أو للظروف الصعبة التي تحول دون قيام صناعة سينمائية لبنانية؟ «الفيلم اللبناني ليس بالضرورة أقرب إليّ من أي فيلم آخر، لمجرّد أنه وليد بيئة أو واقع مشتركين، بل إن ذلك قد يكون أحياناً مصدر نقد أكبر، لأن مشاهدة عمل يُفترض به أنه يُعبّر عن «ثقافتي ومجتمعي ومحيطي» يخلق علاقة أعقد وأكثر تركيباً بين الناقد والعمل الفني»، كما قالت المسمار، مشيرةً إلى أن أفلاماً لبنانية كثيرة «لاقت التهليل في الأوساط النقدية العربية والغربية، في حين أنها لبنانياً، بالنسبة إليّ على الأقلّ، لم تكن تستحق هذا المديح كلّه». ذلك لأن التباين في الرأي «بقدر ما هو طبيعي، نتيجة اختلاف زاوية الرؤية، إلاّ أن أساسه كامنٌ في «التفاصيل»، كالسيناريو والإخراج والمعالجة العامة، التي نعرفها نحن تماماً بحكم انتمائنا إلى هذا المكان، الذي ينتمي إليه العمل ومخرجه. بينما لا يفتقد المشاهد والناقد الغربيين هذه «التفاصيل»، التي لا تؤثّر على عملية المشاهدة الكلّية للعمل». بالنسبة إلى رضا، فإن «جنسية الفيلم ليست في الصف الأول من اهتماماتي عندما أكتب عن فيلم»، وإن وجد نفسه مضطراً إلى ذكرها لأسباب متعلّقة بسرد معلومات عن الإنتاج والدول المنتجة مثلاً: «لا آخذ الظروف الصعبة بعين الاعتبار. يبقى المخرج مسؤولاً في الحالات كلّها، فهو بات بإمكانه الاستعانة بكاميرا ديجيتال لمواجهة تلك الظروف مثلاً، لكنه مطالب بتقديم فيلم جيّد، أو فيلم يُمكن الدفاع عنه على الأقلّ. لا يُمكن للناقد إرجاع التقصير إلى الظروف. هذا يشبه تماماً مطالبة البعض بمراعاة مسألة أن هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، كأن هذا الاعتبار يُغيّر شيئاً. فمن كثرة «المراعاة» و»الاعتبارات» في السابق، ضاعت قيم كثيرة، علماً أن معظم المخرجين الذين أصيبت أفلامهم الأولى بمشاكل عدّة، لم يتخلّصوا من هذه المشاكل في أفلامهم اللاحقة». إلى ذلك، يؤمن حبشيان بأن «لا وطن للسينما»، لأن «السينما هي بحدّ ذاتها الوطن والشارع والقرية والديانة والعائلة». واعتبر أن «الناقد الأصيل، الذي يحمل همّ السينما في داخله، يصطدم دائماً بالفكر الشوفيني الرخيص الذي يريد منه أن يكتب عن سينما بلاده ما هو إيجابي، معتماً على الهنات والثغرات والعيوب، بحجة بائسة تتكرّر دائماً: «ولو، هذه صناعة وطنية!». بالنسبة إليّ، الوطنية عدو السينما. هذه الحجة مرفوضة عندي. لا تُبنى السينما هكذا، ولا تتطوّر. المسايرة العمياء لا قيمة لها إلاّ عند الذين يريدون للسينما أن تبقى رهينة «المهرّجين» والوصوليين. لا أريد التعميم. لكن كثراً منهم يتحدّثون هكذا». وهذا ما ذهب إليه رضا، بقوله إن «استخدام هوية البلد للإشادة بالسينما الوطنية أو النيل منها بمناسبة فيلم ما، غير واردة لدى نقّاد يهتمّون بأمور أهمّ من السؤال عمّا إذا كانت السينما اللبنانية بخير أو لا، وعمّا إذا كان يجب دعمها أو لا». معايير غير أن للمسمار رأياً آخر، إذ اعتبرت أن الفيلم اللبناني يخضع لمعايير «أكثر صرامة وتعقيداً خلال عملية تقييمه، لا سيما أن السينما اللبنانية أو الفيلم اللبناني ليس منفصلاً عن حركة سينمائية عالمية، هي بمثابة المرجعية القريبة أو البعيدة، المباشرة أو غير المباشرة، بالنسبة إلى المخرج والمشاهد والناقد على حدّ سواء»، مضيفةً أنه يتمّ التعامل مع الفيلم اللبناني «بوعي أو من دون وعي، على أساس أنه رجل مريض، أي أنه في نهاية المطاف محدود القدرات. فإذا تميّز عمل رفعناه إلى مصاف العالمية، وإذا فشل آخر قلنا «هذه قدرات السينما عندنا». إن «المشكلة» كامنةٌ في أننا على دراية كاملة بظروف إنتاج أي فيلم لبناني، وأننا في معظم الأحيان على معرفة قريبة بمخرجه. هذه عوامل لا تنفصل عن الكتابة النقدية. لكن، لا يعني هذا عدم القدرة على الحكم على الفيلم بصرف النظر عن التفاصيل الخارجية هذه. اعتبر أن كل فيلم، مهما علا شأنه أو صغر، تجربة تمتلك مفاتيحها الخاصّة وأبوابها التي تمنحنا زاوية النظر إليها ودخول عوالمها. أعتبر تلك المفاتيح أساسية في تقييم الفيلم، وكلّما كانت مفاتيحه فنية ومن داخل عالمه، كان أقرب إلى السينما. وكلما ابتعدت مفاتيحه عن عالمه الداخلي وتركّزت «حوله» وليس «فيه»، ابتعد عن السينما. في الحالتين، أتعاطى معه كتجربة، قد يكون أجمل ما فيها كواليسها أو قصتها أو أسلوبها أو موقعها في مسيرة صاحبها. وإذا امتزجت العناصر كلّها بعضها بالبعض الآخر، بخصوصياتها وهفواتها أحياناً، اقتربت التجربة أكثر من السينما». «يتوقّع السينمائيون منا مواكبة عملية إطلاق أفلامهم في الصالات، أو الاحتفاء بعرضها في المهرجانات. يعتبر بعضهم دورنا مشابه لدور الملحق الصحافي، مع فرق بسيط، هو أننا لا نكلّفهم مقابلاً مادياً»، هذا ما قاله هوفيك حبشيان. أما ريما المسمار، فرأت أن المشكلة «تمسّ صميم مهنة كل واحد منهما (المخرج والناقد)، وتضرب على وتر إحساس كلٍّ منهما بالغبن، في مكان ما». من جهته، رأى محمد رضا أن للّبناني واحدة من ردّتي فعل: «إما أنه يتفهّم منطلقك كناقد، أو إنه يُظهر لك أنه متفهّم، بينما هو في داخله لا يكترث. لكن، مع التنبّه إلى أننا شعبٌ لا يعرف المنطق غالباً، فإن ردود فعل كثيرة تكون رافضة لما تكتبه إذا كانت الكتابة أقلّ من الإعجاب الكامل». ترى المسمار أن المخرج «يرفع الناقد الذي يمدحه أو يمدح أعماله (لاستحقاق المخرج وعمله هذا المديح، أو للمجاملة) إلى مصاف الناقد الكبير العالِم بأمور السينما وشجونها. والمخرج نفسه ينعت الناقد بالجاهل والمتحامل والظالم، إثر نشره مقالة نقدية سلبية»، ولا يتردّد عن القول أحياناً إن الناقد يستخدم النقد «للنيل من المخرج»، وهذا «أفظع» ما يحصل، لأنه «ينسف مصداقية الناقد ومهنيته». أما حبشيان، فرأى أن السينمائيين يثبتون أنهم أبناء هذا المجتمع في سلبياته أكثر من إيجابياته: «قد لا نكون وحدنا في هذه المنطقة من العالم من يعتبر النقد السلبي لفيلم سبّة أو عداوة. لكن نحن من المجتمعات القليلة التي تعتبر هذا النقد إهانة لصاحب الفيلم، في منطقة تحوّل فيها كل شيء إلى مسألة شرف وأخلاق وكرامة شخصية. هذه الأشياء متأتية من رفض الخاسر الاعتراف بخسارته»، وتساءل عن سبب عدم اعتراف السينمائي العربي بالناقد شريكاً له: «ربما لأنه يعتقد أن ذكوريته موضوعة على المحك، إذا قال له أحدهم إن نتاج أفكاره محتاج إلى بعض الترتيب. حتى أننا نسمع البعض يربط النقد السلبي بإحساس الحقد. يقولون إن فلاناً يحقد على فلان، لهذا كتب ما كتبه. هذا انحطاط وتقليل من قيمة النقد». لا يتغاضى حبشيان عن مسألة لا تقلّ أهمية. فهو، بتأكيده على أن السينما لا يمكن أن تتبلور وتستمر من دون نقد ونقاد، رأى أن «عدم وجود تراث نقدي عريق، كما في فرنسا مثلاً، يجعل النقد يبدو كأنه تهجّم على السينمائي، أو كأنه شيء ثانوي». ورأى أن الغرب «بطبيعة تكوينه، لا يسمح لأي كان أن يكتب نقداً، ما لم تكن في جعبته ثقافة سينمائية معرفية وموسوعية»، متوقّفاً عند الواقع اللبناني والعربي: «أي كاتب هنا شاهد ثلاثة أفلام في حياته يطرح نفسه ناقداً». وانتهى إلى القول إنه «للإنصاف» يُعطي الحقّ أحياناً لبعض السينمائيين «الذين يتذمّرون من المستوى الهابط لبعض النقّاد الذين يكتبون انشاءات أخلاقية بليدة، لا علاقة لها بالسينما».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة