ليس بالأمر اليسير أن يترك المرء منزله، أو أن يضطر للتوقف عن عمله، نتيجة مشكلة لا تمت إليه بصلة. المشكلة، بقدر ما هي بعيدة عن المتضرر، إلا أنها تلامس الأدبيات و«العادات» التي حتمت عليه التواري عن الأنظار، والتي تعود جذورها الى مفهوم الثأر. فيصبح الحرام مباحاً، وتكون «العصبيات» سيدة الموقف. لنخوض في تفاصيل الخبر: وقع إشكال فردي، يوم الثلاثاء الماضي، بين عائلتين في الرمل العالي، وسرعان ما تطور، ليوقع قتيلاً وجريحتين. الخبر قد يكون عادياً في هذا البلد. تناول المشكلة في الجريدة، وفقاً لإجماع الطرفين، قد يؤثر على المفاوضات، بشكل حسن أو سيئ. وعليه، سيكون السرد مبطناً وحذراً نوعاً ما. «الفرار» المحترم قرر ناصر، وهو اسم مستعار للشاب الذي فضل عدم نشر اسمه، إقفال ملحمته التي يعتاش منها ما إن عرف بالمشكلة التي وقعت بين عائلته (العزير) وعائلة القتيل (المولى). الشاب من «جبّ» هيثم، الذي أطلق النار على فؤاد المولى. للتوضيح، فإن مصطلح «جبّ» يعني أن فلانا وعلتانا من عائلة واحد، لكن الأول من «جبّ» حسن، والثاني من جبّ علي، أي أن القرابة بعيدة، إلى حد ما. يقول ناصر: «قررنا، نحن أفراد العائلة، أن نتوجه من بيروت الى شمسطار (القرية). وذلك احتراماً للعائلة التي فقدت قريبها. نحن ندرك أن هناك فورة دم، مع العلم بأن هيثم (عنصر في قوى الأمن الداخلي) قد سلّم نفسه للدولة. بالاضافة الى ان الرواية الحقيقية هي غير تلك التي ينقلها بعض الناس». يسهب ناصر في سرد القصة التي وقعت قبل إطلاق النار بيوم، اثر التباس بين شقيق هيثم وسيدة (من عائلة لا تمت للثنائية بصلة) ادعت بأنه «يبصبص» عليها من النافذة. لكن، بحسب آل العزير، فإن شقيق هيثم كان يتفحص الكهرباء. صرخت السيدة بوجهه ونادت أقرباءها وأشقاءها الذين بدورهم توجهوا الى منزل م. ع.، شقيق هيثم، وانهالوا عليه بالضرب المبرح. في اليوم الثاني، عندما نزل هيثم العزير وبعض الأقارب، لإجراء مصالحة بين العائلتين، «صار فيه تلاسن وتطور لمشكل قوي»، يردف الشاب. وفي هذه اللحظات، تتوجه مجموعة الى المنزل وتنهال بالضرب على والدة هيثم: «تخيل شخصا يرى والدته مرمية أرضاً، والدم يتدفق من رأسها. اعتقد هيثم أنها فارقت الحياة. ماذا تفعل لو كنت مكانه؟»، يسأل ناصر. ثم يجيب: «بعد هذا المشهد، فقد هيثم، وهو أب لستة أولاد، أعصابه وشهر مسدسه في الشارع وراح يطلق النار بشكل غير منتظم. يعني هوي ومش واعي. ثم فجأة، يصيب فؤاد المولى، الرجل المسن الذي ليست له علاقة بالمشكلة أصلاً. آل المولى يجزمون بأن هيثم قتل المرحوم فؤاد عمداً. وهذا ليس صحيحاً». رواية هذا الشاب ستتكرر على ألسنة جميع المقربين من آل العزير. وهي القصة نفسها التي يرويها بعض الأقرباء من آل المولى، مع التباسين: الأول حول ما إذا كان شقيق هيثم «يبصبص» على السيدة. والثاني، وهو الأهم، يطال هيثم، عندما أطلق النار على المرحوم فؤاد المولى، «أصابه في رأسه، وأكمل إطلاق النار على سيدتين، أيضاً من العائلة ذاتها!»، يقول أحد الشبان من آل المغدور. «زملاء» ناصر كثر. أي أولئك الذين فضلوا الرحيل عن المنطقة التي يقطنون فيها، والتي يسكن فيها أيضاً ناس من آل المولى. إلا أن الأسباب تتفاوت بين شخص مقتنع بما يفعله، كناصر الذي توجه مع عائلته الى قريته احتراماً لمشاعر العائلة التي قد ترتد سلباً وتؤدي الى نتائج لا تحمد عقباها، وبين أشخاص يعتبرون أن القصة، إلى حد ما، قد انتهت. خصوصاً أن هيثم قد سلم نفسه الى القضاء، واعترف بأنه لم يكن «واعياً» عندما رأى والدته شبه قتيلة: «يا زلمي، نحن ما خصنا بالعيلة، نحن من جبّ تاني. بس سكرنا مصلحتنا (مقهى)، أحسن ما يغلطوا معنا بيت المولى». هؤلاء الذين لا تربطهم صلة وثيقة بهيثم سوى أنهم من عائلته، توجهوا الى القرية و«أغلقنا مصالحنا. لكن ابن عمي لديه مطعم، قال لي بأنه تفاوض مع أحد الوجهاء من آل المولى، وتوصل معه الى حل يقضي بفتح المطعم. ذلك أنه لا قرابة بينه وبين هيثم. لكننا نستبعد أن تكون النتيجة عينها في التفاوض مع عائلة هيثم وأقربائه المباشرين. أقله في هذه الأيام. ما زالت القصة في أولها»، يقول أحد الشبان من آل العزير، في اتصال مع «السفير». تكتيكات أمنية.. لصاحب الدكان يتذكر صاحب الدكان حالة شبيهة ألمّت بعائلته (العزير) مع احدى العائلات البقاعية أيضا منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. تلك الحالة أصبحت من الماضي، لكنها حتمت عليهم ظروفاً قاسية في تلك الأيام، واستمرت لسنوات. يلفت الرجل، وهو أب لثلاثة أولاد، إلى أنه في اليوم الأول للحادثة، اضطر الى إغلاق محل السمانة الذي يملكه. هو أيضاً لا تربطه صلة وثيقة بالقاتل. ولم يكتفِ صاحب الدكان بتلك الخطوة، بل طلب من عائلته الانتقال الى مكان آخر. لماذا؟ «احتياطات أمنية»، ويضيف: «يوم أمس، فتحت الدكان. لكن لا أخفي عليك أنني اتبعت تكتيكات أمنية أثناء ذهابي إلى الدكان وإيابي منه. يا أخي، فيه قتيل بالدق. يعني فيه دم». .. ولآل المولى رأيهم في الضفة المقابلة، بين المقربين من المرحوم فؤاد المولى، ترقد مشاعر وأحاسيس مشتعلة. والحديث بينهم يدور عن: «ماذا ستفعلون؟». السؤال بحد ذاته استفزازي، أقلها عندما يصل آذان المقربين جداً. لأن أي كلمة ـ كجواب ـ ستكون مغلفة بأحقاد والارتجالات الشخصية المرتبطة بتلك اللغة: الثأر. لكن، يشرح البعض من آل المولى أن ما حصل هو فعل متعمد، ما «سيؤكده تقرير الطبيب الشرعي. هيثم أطلق النار عمداً على فؤاد والنسوة»، يقولون. لكن، ما ذنب أولئك الذين لا علاقة لهم بالموضوع، لا من قريب أو بعيد؟ يجيبون بحنق: «انها أمور عادية. هم، أي آل العزير، المتهمون منهم والأبرياء، يعلمون بأن أقرباء فؤاد، ونحن، قد نرتكب أي رد فعل عقب ما حدث. وفي حالات شبيهة، فإن رد الفعل قد يكون شبيهاً بما فعله هيثم. انهم يقولون إنه «عمي على قلبه»، ونحن يمكن أن يعمى على قلوبنا أيضاً!». ثم يهدئ أحدهم من اللهجة: «لكن يا أخي، فيه ناس ما خصها وعندها مصالح. عم يتفاوضوا معنا لنخليهن يفتحوا محلاتن. يمكن نقبل. ما بتعرف، بس القصة بعدها حميانة». الى ذلك، يجزم رئيس بلدية حربتا جعفر المولى ل«السفير» بأن «نحن لا نقبل إلا الحكم العادل من القضاء. الرجل، أي هيثم، أصبح في يد الدولة. ونحن نطالبها باتخاذ العقوبة اللازمة». يضيف المولى، وهو الموكل إليهم التفاوض مع آل العزير بصفته رئيس البلدية، وأحد أهم وجهاء العائلة (بالاضافة إلى أن المرحوم يكون عمه): «نحن لا نقبل بشريعة الغاب. ونعود الى شرع الله. لذلك، لا علاقة لنا بآل العزير الذي هم من خارج منزل هيثم. والدولة هي التي تأخذ حقنا. لكنّ هناك قتيلا. لذلك يتوجب توخي الحذر».