أفرد الكاتب والناقد السينمائيّ الروسيّ أ. أ. حسينوف كتاباً خاصّاً بتجربة السينمائيّ التركيّ يلماز غوني (1937- 1984)، الذي احتل اسمه المكان الأبرز في تاريخ السينما التركية، إذ تكاد حياته الاستثنائية أن تكون فيلماً مأسوَيّاً طويلاً. وُلد يلماز غوني في قرية ينيدجة بالقرب من أدَنة، تحدّرت أصول والده من أكراد زازا من أهالي مدينة «سيورك» في تركيا، التي قصدها صغيراً هرباً من الخلافات العشائريّة. بدأ نشاطه تلميذاً ميكانيكياً سينمائياً، ثمّ أصبح ميكانيكيّاً. في العام 1956، نشر أوّل وأهمّ قصّة له بعنوان «الموت يناديني»، وتدرّج في عمله، إلى أن أصبح مبرمجاً سينمائيّاً، مثّل بعدها أوّل أدواره السينمائية في «الأيل الأحمر» و»أبناء هذا الوطن»، كاتباً لهما السيناريو بالاشتراك مع السينمائيّ عاطف يلماز. توالت أدواره، وتضاعفت الملاحقات والاتّهامات والسجون. كان يفوق هذا كلّه الإبداع الذي قدّمه، إذ إنه لم يتوقّف عن العطاء حتّى في أسوأ الظروف. كان يتغلّب على القهر والظلم بالإبداع. حازت إبداعاته إعجاب المتابعين، وكان الممثّل الذي كسر قاعدة النجم الوسيم، فلُقِّب بـ «ملك الشاشة القبيح» (مدح عن طريق الذمّ). ساعدته في مفاصل حياته كلّها، الغنيّة والمعقّدة، قوّةُ شخصيّته، وعنادُه الجبليّ، وإيمانه الراسخ برسالة الفنّ والأدب، في مواجهة آلة الحرب، فكان الفنّ رسالته العظمى، معرّياً به الممارسات المشينة التي ارتكبت بحقّ مواطني بلاده، لا سيّما أنّ الحكم كان متأرجحاً، حيث تنتقل موازين القوى، بحسب «لعبة» الأواني المستطرقة، بين الأقطاب، مع الانقلابات العسكريّة التي كانت تجتاح البلاد. قال المخرج والفنّان السينمائيّ الأبخازيّ يوسف دانيلوف عن هذا الكتاب، الذي مهّد له، إنّه «يعمّق كثيراً من تصوّراتنا عن الفنّ السينمائيّ والأدب التركيّين، في العصر الراهن، وعن الحياة الاجتماعيّة في تركيا بشكل عام» (ص11.). وحاول المؤلّف، الذي زار يلماز في سجنه، تسليط الضوء على حياته وفنّه، معتمداً على أعمال المؤلّفين السينمائيّين الأتراك، التي خصّصت به وعنه، والمقالات والآراء المنشورة عن أفلامه ومؤلّفاته الأدبيّة، وعلى تصريحاته للصحف التركيّة والأجنبيّة. عاش غوني 47 عاماً، قضى 11 عاماً منها في السجون، عدا عن منفاه وتشرّده أكثر من ثلاثة أعوام، ما خدم الجيش سنتين: «منحه القدر وقتاً قصيراً للإبداع، لكنّه قام بمأثرة وطنيّة» (ص. 13). كتب سيناريوهات 53 فيلماً، ومثّل في 110 أفلام، أخرج 17 منها، وأصدر عدداً من الروايات، حظيت كلّها بشهرة واسعة، واهتمام ومتابعة كبيرين: «ماتوا ورؤوسهم محنيّة»، «صالبا»، «المتّهم»، «زنزانتي» و»رسائل من سليميّة». وظهر التوثيق غير مدقّق فيه بعض الشيء: من ذلك قوله في الصفحة 13 إنّ غوني أصدر أربع روايات، ثمّ دوّن أهمّ معطيات حياته وفنّه في الصفحتين 113 و114 ذاكراً فيهما خمس روايات. وجب التدقيق من قبل المؤلّف والمترجمة والمدقّقين. نصير الفقراء أحبّ الناس يلماز غوني، لأنّهم رأوا فيه تجسيداً لآمالهم. طغى صدقه وعفويته على ما يُفترَض بالممثل أن يتحلّى به من وسامة. بقي تأثير طفولته نافذاً في مجمل أعماله، ولم تكن حياته الفنّية بمنأى عن تبدّلات حياته العاصفة. حافظ في الظروف كلّها على ثوابته، التي أضاف عليها ثوابت أخرى بحكم التجربة والخبرة. بدأ نصيراً للفقراء ضدّ الظلم المحلول عليهم، واستمرّ في نضاله، ما جرّ عليه غضب السلطات التركيّة التي كانت ولا تزال متحالفة مع الولايات المتّحدة الأميركية في حربها الباردة ضدّ الاتحاد السوفياتي حينها. كان شيوعيّاً، أي مناوئاً للدولة وسياساتها، أي عدوّاً داخليّاً يجب تطهير الدولة منه ومن أمثاله، يقول المؤلّف: «إن الحياة الفنية ليلماز غوني تبدأ من الرواية البدائيّة التي كتبها عن الفلاّح الفقير، أيّام دراسته، وتنتهي بالنداء إلى النضال الثوريّ. ويمكننا القول إنّ أبطاله أيضاً قطعوا هذا الشوط معه؛ فقد ازدادوا مروءة على يديه. ومثل هذه التغييرات لا يغفرها المجتمع الرأسماليّ» (ص. 78). سرد الكتاب مواقف غوني الثابتة وطريقة عيشه، إذ إنه، على الرغم من نيله جوائز وتكريمات كثيرة، ظلّ مجروحَ الفؤاد جرّاء تلك الممارسات التي ارتُكبت بحقّه، والتي لم تثنه عن الإبداع، بل كانت حافزاً إضافيّاً له للعمل بطاقاته كلّها، لأنّه كان في هروب مستمرّ، يدفعه إلى عدم التأجيل. لم يأمن على نفسه قطّ من الاعتقال أو النفي، في مسيرته الحافلة بالإنجازات المؤملة والسجون والمنافي المؤلمة. كان، في كل مرّة يخرج فيها من السجن، يزداد عناداً وإصراراً على استكمال مسيرته، لأنّه كان يعتبر إقامته في السجن رغماً عنه جزءاً من نضاله الاجتماعيّ، وكتب فيه روائعه، وأخرج بعض أفلامه. قد يبدو الحديث عن بعض جوانب النضال الثوريّ مَجلبة للتندّر من قبل البعض في أيّامنا هذه، أو ضرباً من «الترَف الفكريّ»، لكنّه يبقى مفخرة تسجّل ليلماز غوني، عندما ننظر إليه في ظرفه وشرطه التاريخيّين، وما تعرّض له من موبقات يفسّر جانباً من ضياع وتضييع ذوي المبادئ والقيم في بحر الصراعِ المزمنِ. «يلماز غوني.. الحياة المأثرة»، تأليف: أ. أ. حسينوف، ترجمة عن الروسيّة: لمعان إبراهيم، مراجعة وتدقيق: صلاح برواري، إصدارات «دار سبيريز للطباعة والنشر»، دهوك. 145 صفحة من القطع الوسط. 2009 (صدر الكتاب في طبعة خاصّة في سوريا، سابقاً).