تحتل القضية الفلسطينية برمزيتها مكانة متميزة في أفئدة العرب، لذلك فإن عالماً اجتماعياً وفيلسوفاً فرنسياً معاصراً، مثل إدغار موران (مواليد 8 تموز 1921) لم يعرفه القراء العرب، بل لم يسمع به العديد من مثقفيهم، إلا عقب نشره مقالة في جريدة «اللوموند»الفرنسية (4 حزيران 2002) بالاشتراك مع سامي نائير ودانيال ساليناف، بعنوان «إسرائيل ـ فلسطين: السرطان»، وقد أثار هذا العنوان حفيظة اليهود في فرنسا وأوروبا، وقوبلت المقالة بعاصفة من النقد، واتهم موران باللاسامية. لكنه لم يتراجع عن موقفه امام الضغوط، بل وسّع إطار هذا الموضوع فيما بعد، فأصدر كتابه: «العالم الحديث والمسألة اليهودية» متوقّعاً أن تنزلق إسرائيل نحو حافة الهاوية أو الكارثة، إذا لم تغيّر منطقها السياسي، وأسلوبها في التعامل مع الفلسطينيين. وكيهودي فرنسي، نبّه ادغار موران إلى أن أخطر ما يهدد فرنسا حالياً، ليس معاداة السامية، وإنما العنصرية المتنامية ضد العرب والسود والمسلمين. بيد أن عمل موران لا يتجلى في مواقفه السياسية الآنية. بل ينطلق من منظومة فكرية، بناها باسم «الفكر المركّب» التي تعارض المنظومة التبسيطية الأحادية السائدة. ففي سياق قراءته للحقل الفلسفي والعلمي والإبستيمولوجي المعاصر، يقر ادغار موران بهيمنة المنظومة اليقينية التبسيطية التي تختزل العالم الى كيانات وجواهر مغلقة وثابتة وخالدة، لا تعرف التناقض أو الاختلال. وهي تشكل خلفية الفكر الغربي وتحكم نظرياته وخطاباته. وينجم عن هذه المنظومة حجز الكون والمجتمع في مقولات مغلقة مثل: الأصل، والهوية، واليقين، والنهاية، والتطور الحتمي. في حين ان العالم الفيزيائي والاجتماعي متعدد الأبعاد، وتهيمن عليه قوى لا يمكن التكهن بتأثيرها، والتنبؤ بمسارها. فالتطور او التقدم متقلب الوجوه، ولا يتبع مساراً وحيداً، بل ينحرف ويتشتت ويتحول ويقفز ويرتد. ولا يرى موران الديالكتيك ماشياً على قدميه، او على رأسه، انما يدور في حركة أزلية من التأثر والتأثير. وما فعلته فلسفة الأنوار وإيديولوجية العقل، أنها قد بنت على أنقاض العناية الإلهية فكرة التقدم، وعملت على أقنمتها في صورة القوانين والضرورات. الفكر المركب وتسعى اطروحة «الفكر المركّب» البديلة الى تغيير نظرتنا الى العالم، تلك النظرة التي ارتكزت طويــلاً على منجزات العلم الكلاسيكي والإبستــيمولوجية التقليــدية، وهــي تــراهن علـــــى قلــب اســس التفــكير بهــذا الكـون. فالفكر المركب يؤمن بإمكانية توحيد المتعدد، وغايته ضم هذه الأبعاد في أفق مركب يمثل الوجه الجديد للعالم. والفكر المركب فكر يتوتر دائماً بين التطلع الى معرفة مكتملة ناجزة مستمرة، وبين الإقرار بنقصان كل معرفة، وبعدم اكتمالها. وعن ذلك يقول موران في كتابه: «الفكر والمستقبل ـ مدخل الى الفكر المركب» حرّك هذا التوتر حياتي، لم أستطع أن استسلم أبداً للمعرفة المجزأة، ولا أن اعزل موضوعاً للبحث عن سياقه ومقوماته وصيرورته. تطلعت دائماً الى فكر متعدد الأبعاد، شعرت دوماً أن حقائق عميقة ينافس بعضها البعض، كانت بالنسبة لي متكاملة، دون أن تتوقف عن أن تكون متصارعة. التعقيد في نظر موران، نسيج من الأحداث والأفعال والتفاعلات والارتدادات والتحديدات والمصادفات التي تشكل عالمنا، وتحمل بشكل مقلق سمات الخليط غير القابل للفصل والاختلال والغموض. فقد افضى العلم الفيزيائي الحديث إلى الكشف عن تعقيد الواقع. وبدلاً من البساطة الفيزيائية والمنطقية المفترضة، اكتشف التعقيد الميكروفيزيائي في أقصى حدوده. فالذرة ليست النواة الأولى، بل هي تجميع لمكونات عديدة معقدة، وغير قابلة للتمثّل. كما أن الكون بأجمعه سيرورة في طور التفكك والتنظيم في آن واحد. ويضع موران الذات والموضوع في علاقة تبادل وثيق، إذ لا وجود لموضوع إلا بالموازاة مع ذات، تلاحظ وتعزل وتعرف وتفكّر. فالذات والموضوع متعالقان. إنما النظرة التبسيطية هي التي تفرق بينهما، ولا ترى أن الواحد قد يكون في الوقت ذاته متعدداً. الميل الى الوهم يرى إدغار موران في كتابه»الى اين يسير العالم؟» المترجم الى العربية حديثاً ـ ناشرون ـ (وهو مقتطع من كتابه: من اجل الخروج من القرن العشرين) ضرورة الانطلاق من السؤال الأساسي، وهو كيف نعرّف المعرفة. او حسب عبارته:»كيف نتقن التفكير في تفكيرنا» لأن فعل المعرفة، هو ترجمة معينة لواقع خارجي وإعادة بناء له. لذا فإننا نبقى معرضين لاحتمال ان ما يشبّه لنا على أنه الواقع، ليس هو في أحيان كثيرة، إلا مجرد وهم. وإذا اقتنعنا بأن الأفكار والنظريات والتصورات هي ترجمات وتأويلات، فإننا عندئذ نعترف بأننا نواجه مشكلة كبيرة، هي ميلنا الطبيعي الى الوهم. وعلينا أن نربي أنفسنا، على غربلة ومراجعة التأثيرات الثقافية التي تؤثر في إدراكنا. والإقرار بأن الأفكار ليست مجرد أدوات يستحوذ المرء عليها لمعرفة الواقع، بل هي في أحيان كثيرة تستحوذ عليه، كما هي الحال في سيطرة الإيديولوجيات الكبرى، على فكره وتحصيله المعرفي. يسعى موران في كتابه هذا، وفي معظم مؤلفاته التي تتماثل في خطوطها العامة العريضة، لا سيما سلسلة «المنهج» الى تظهير فكرته عن اللايقين واللاحتمية، وفي هذا الصدد يسأل: كيف ندرس اليقين، ولا ندرس اللايقين والمحتمل والمفاجئ واللاحتمي. وجواباً على ذلك، يميّز بين علوم الفيزياء في القرن التاسع عشر، وفيزياء القرن العشرين. في الأولى كانت العلوم حتميات مطلقة، وفي الثانية حملت الفيزياء الكوانتية مفاهيم اللاحتمية والكاوسية، حيث لا يمكن التنبؤ بحركة الأشياء إلا على وجه الاحتمال. وهذا ما قاد الإنسان الى الشك في كل نتيجة تعتبر نهائية ومطلقة. بل ان تاريخ البشرية نفسه، تاريخ لا يحكمه قانون صارم وحتمي. فهو تاريخ لأحداث مفاجئة وغير متوقعة. لذا يدعو موران إلى تدريس اللايقين والمحتمل لمواجهتهما. ويقف عند ما يسميه «ايكولوجية الفعل» ويعني به أنه عندما يبدأ فعل، سواء أكان في وسط اجتماعي أم في وسط طبيعي، فإن ذلك الفعل يفلت تدريجياً من إرادة الفاعل الأول، ليدخل في سيرورة تفاعل قد تبدّل اتجاهه أو مساره. وإزاء انحراف الفعل عن هدفه أو قصده الأول، يدعو الى خطة مرنة لإدماج المعلومات والمعطيات بحسب الشروط والتوقعات والأحداث الطارئة. إن مغامرة البشرية تسير دائماً باتجاه المجهول، وليس لنا سوى المراهنة عليها. ويسمي عصرنا العصر الكوكبي. وهو قد بدأ مع نهاية القرن الخامس عشر، متزامناً مع الاكتشافات الجغرافية الكبرى، وقد تأكدت هذه الوحدة المعولمة، حينما قطع داء السفليس المحيط الأطلسي لينتشر في أنحاء أوروبا. ثم شقّ طريقه نحو الصين عبر القوافل التجارية. وقد بات هذا الجرم الأرضي الكبير منسوجاً ومعاد النسيج، بفعل مليارات التواصلات والترابطات والتأثيرات المتبادلة والارتجاعية . وانطلاقاً من هذا لم تعد الإنسانية فكرة مثالية، بل اصبحت قدراً مشتركاً، دون ان يمنع تآلف البشرية من ان تحافظ على تنوعها. إن الأمر يتعلق في رأي موران، بمراقبة التطور اللامراقب لعصرنا الكوكبي، وبناء عليه، فإننا بحاجة الى معرفة حاضرنا معرفة أحسن وأشمل، لا لكي نعرف مستقبلنا معرفة أفضل، بل لمحاولة إدراك ما سيحدث. علماً بأننا نعرف أن ما يحدث لا يكون مرتقباً، بل غالباً ما يكون غير متوقع. ويحضنا موران على مراعاة العمل المشترك، لأن قدرنا ومصيرنا سيتحددان جماعياً على هذا الكوكب الأرضي الذي تزداد مخاطره، والذي بدأ ينقلب علينا، بعد أن انقلبنا عليه، وأسأنا اليه. وإذا ما ارتاب أحد بنهج موران، ومقارباته غير المألوفة. فإنه يصف نفسه بأنه عقلاني، وعقلاني عميق. وهو ينطلق من فكرة مؤداها: أن العقل تطوري، ويحمل في داخله خصمه اللدود، أي التبرير العقلاني الذي قد يخنق العقل نفسه. فالعقل ليس معطى ثابتاً، ولا يتحرك فوق طريق محددة المعالم، بل بإمكـــان العقل أن يدمّر ذاته، عبر سيرورات داخلية، هي التبرير العقلاني. وبالنسبة لموران، يتحدد العقل بنوع الحوار الذي يقيمه مع العالم الخارجي. فالعقلانية الحقيقية، هي التي تعترف باللاعقلانية، وبالحوار مع غير القابل للعقلنة. لهذه الأسباب كلها، يعتقد موران أننا على أهبة الدخول في مغامرة كبرى، لأن للإنسانية عدة بدايات، كما سبق له القـــول في كتابه « المنظومة المفقودة». فالإنسانية لم تولد مرة واحدة، بل هي في مخاضات متتالية، وهو ينتمي الى اولئك الناس الذين يؤمنون بها، ويتحسبون لخياراتها المستقبلية المتناقــضة والمجهــولة، والتي تتراوح بين لهيب كرة النــار المتدحـــرجة على هذا الكوكب، وآفاق التحــرر والسلم بين الشعوب.