As Safir Logo
المصدر:

اشكال سيناريوهات وعوالم

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2009-08-26 رقم العدد:11379

«على أطراف الأصابع» (يوميات) للروائي والكاتب المصري مصطفى زكري، إصدار 2009 عن دار العين للنشر قرأته في الألفة التّامة معه. أحسب أن لقاءاتنا النادرة، قليلة الكلام، لم تعفني من إلحاح قراءة زكري. صمته، عزلته، صراعه مع الخارج، صراعه مع الداخل، هواجسه، كتاباته النسيجية التفصيلية، الأنا النافية المتجاذبة بين الكتابة الخاصة والشرط الثقافي، وذلك المحيط الساقط بأغلبه، الذي هو في أحيان استسهال الكتابة وطعنها في معناها. عند زكري الكتابة امتلاء، وإدارة الظهر للبناء الكلاسيكي والدأب، كما تعتمد الضربات السريعة في الانسجام الجمالي لقراءات زكري نفسه. ثمة الخيانة الدائمة عند زكري للشكل الفني، وحرية التجريب، وتفضيله المكوث على هامش قناعاته الجمالية التي نراها تهتز فعلاً في عمل له وآخر، ووقت وآخر. لمصطفى زكري على سبيل التذكير نتاجات لاقت إصغاءً منها: «مرآة 202» و«هراء متاهة قوطية» و«الرسائل» تراوحت بحسب قناعاته وقت كتابتها بين التأمل الفلسفي وبين التسجيل المرهف ليوميات تحمل وزراً وجودياً، كما عمل الكاتب سيناريست لفيلمين مميزين في السينما المصرية: «عفاريت الإسفلت» و«جنة الشياطين». لست أحصر اختيار الكتابة النخبوية (إذا صح التعبير) بمصطفى زكري وحده. لكنه في جديده «على أطراف الأصابع» يذهب بعيداً في اقترافاته الجميلة! يجترح سيناريوهات وعوالم، وحتى دقائق تمّد الكتابة بالغريب والنادر. الإحالات الى هذا الكاتب وذاك، (كافكا، بيسوا، نيتشه ...) غير استعراضية، بل مُحاججة في قلب الفكرة وتداعياتها. الأرجح أن الكتابة عند زكري بهذا الأسلوب أو على هذه الشاكلة، ملاذ ايضاً من منغصات ثقافية عربية كثيرة، وثوابت تابوتية وآراء بُليت منذ زمن بعيد. القليل والضروري الكافي للكتابة، وللكاتب أولاً، ثم للقارئ المهتم أو لمحبي النوع على ما يقول أهل السينما. كتابة وسط حقيقة مراوغة، وكتابة تتجنّب التزويق، ذكية، واثقة كما لو تقدّم تحقيقات ميدانية مباشرة عن عيش قليل لا مجال في قلّته للتأمل في الحواشي أو غير الضروري. كتابة تُشبه الشعر، تسبقه هنا أو تتخلّف عنه هناك، لكنها صلبة كالنواة وإن لها طعم الغثيان من فكرة العيش نفسه. كتابة لزكري بهذا المقدار وبهذه الصفة، ولا تعقد مراهنات على جمهورغفير وعديد قراء، بل هي تترجى حتى، النجاة من كثرتهم، لغاية فكرتها الأساس، فكرة التصالح مع نفسها ومع كاتبها طبعاً. ما أريد أن أقوله هو أنني أحبّ قراءة زكري واختياراته، وأوثر كتابته القوية، كاملة بلا توصيفات أو أشكال جاهزة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة