As Safir Logo
المصدر:

«اسـمه الغـرام» روايـة علويـة صبـح نشــيد للحــب وللحيــاة

المؤلف: البستاني صبحي التاريخ: 2009-08-21 رقم العدد:11375

على غرار الروايتين السابقتين: «مريم الحكايا» و«دنيا»، تلج علوية صبح في روايتها الجديدة: «اسمه الغرام» عالم المرأة أو بالأحرى عالم جسد المرأة الذي كان ولزمن طويل منطقة منسية إن لم نقل محرمة على المرأة نفسها. يقتصر الحكي في هذه الرواية على المرأة التي تتولى هي بنفسها مواجهة جسدها والكشف عن مكنوناته. الجسد في هذه الرواية لا يشبه مطلقاً ذلك الجسد النمطي النموذجي الذي كان يخلقه الرجل ليتغنى به وإنما هو الجسد الحي الذي يتفاعل مع الواقع ومع الزمن ليبرز في كل دقائقه عندما يشارف المنحدر الثاني من العمر، عندما يبلغ الخمسين ويزيد. تتولد الحكايات في عالم قوامه الأساسي خمس نساء: نهلا وسعاد وعزيزة وهدى وناديــن تجمعهن الصداقة والتقارب في العمر ولقسم منهن مسارح الطــفولة والدراسة. وهنّ يمثلن من خلال مهنهن النخـــبة المثقـــفة في المجتمع اللبناني. فمنهن الشــاعرة والكاتبــة والاستاذة الجامعية والمتخصصة في أدارة الأعمال... والانفتاح على الرجل وعالمه في الرواية يكون بمقدار ما يتيح للمرأة أن تكتشف انفعالات جسدها وتستوضح صــورته وكيانه. وعالم الرجل هذا، ينتمي هو أيضاً إلى النخبة المثقفة في المجتمع. تترك علوية صبح قارئها ومنذ الجملة الأولى في عالم متأرجح بين الحلم واليقين:»خُيّل إليّ أني غاطسة في النوم»، تقول الراوية التي تلعب دور الكاتبة في الحكي (ص. 5)، ثم ما تلبث أن تستدرك: «كنت متأكدة من أني لست غافية» (ص. 6). وبالرغم من ذلك فإن الالتباس يستمر سيد الموقف إذ تعترف أن الأشياء التبست عليها، وباتت لا تدري إن هي تكتب قصة «نهلا» بطلة الرواية أم أنها تتخيّل «حياة امرأة أخرى» (ص8.). وتنتهي الرواية على الوتيرة نفسها من الشك:»فعدت أتساءل بيني وبين نفسي: هل رأيت نهلا، أم أن الأمر يتهيّأ لي؟ « (ص. 336). وهي في كل ذلك تدخلنا في لعبة «التناصّ الداخلي» من حيث استحضار «دنيا» بطلة رواية علوية صبح السابقة والتي تحمل العنوان نفسه، ومقاربه مصيرها بمصير نهلا بطلة الرواية الحالية: «أعرف أنك غيّرت مصير «دنيا» في رواية «دنيا». لا، أنا أريد قصتي كما هي، تقول نهلا (ص. 17). إنه تناص يربك القارئ من جهة إذ كيف للشخصية الروائية المتخيّلة أن تكون على بينة من نتاج المؤلفة ومن اسمها؟ وهو من جهة ثانية يقرّب النص مما يعرف «بالتخييل الذاني» autofiction، حسب تسمية Serge Doubrovsky من حيث الاشتراك في الاسم بين علوية الشخصية الروائية التي تلعب دور الكاتبة كما أشرنا وعلوية الاسم الحقيقي للمؤلفة. تقع الرواية في سبعة عشر فصلاً تتولى علوية الشخصية الكاتبة الحكي في الفصلين الأول والأخير بينما تتولى نهلا الحكي في الفصول الباقية. وهي إن حكت فعلى أمل أن تجسد الكتابة ما يدور في الذاكرة وتتغلب بذلك على ما قد يمحوه النسيان. فقد طلبت من الكاتبة «علوية» أن تكتب قصتها وحكاية عشقها الأبدي لهاني. ستروي لها «هذا الحب كله». وليس من باب الصدف أن تبدأ الحكاية مع حرب تموز 2006 المدمّرة إذ لا سبيل لمقاومة الموت إلا بالكتابة وكم بالحري إن كانت الكتابة لتقص حياة نهلا المليئة بالحب والحياة. نهلا، مسلمة من الجنوب، شاعرة ومتزوجة من سليم منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولها أولاد وأحفاد تحكي عن ذاتها من خلال علاقتها بهاني المسيحي المتزوج أيضاً والأب لعدة أولاد، «هو ليس حبيبي وحسب، تقول نهلا، بل رفيقي وعشير روحي، وابني، وشيء آخر، شيء لا أعرف له اسماً ولا صفة سوى أنّ اسمه الغرام» (ص,20). إن كانت الرواية تذكّر بعلاقة نهلا بهاني قبل زواجهما، عندما كانا طالبين في الجامعة، ثم بلقائهما في محطات مختلفة من عمريهما فإن كثافة السرد ينطلق من لحظة استرداد كما تقول «في منتصف خمسينيات عمرها. تسرد «ليحكي سيرة جسدها في الحب والأمومة في كل أعمارها». لقد حاربت نهلا الخوف من جسدها وعزلته عنها طوال حياتها ثم عقدت مصالحة معه راح الحب يشد أواصرها، ويضفي جمالاً على أدقّ تفاصيله، «كان هاني أول من عرّفني إلى جسمي، وجعلني أكتشف كل تفصيل فيه»، تقول نهلا (ص27.). فقد صالحها الحب مثلاً مع «مؤخرتها الهابطة قليلاً وفخذيها الممتلئين...» ثقافة الفرح رواية «اسمه الغرام» لعلوية صبح هي احتفاء بثقافة الفرح ونشيدٌ للحياة وللحب الأزلي. فالعالم هو، في عيني نهلا، أجمل من أن تعاديه وتختبئ منه،فكيف لها أن تقابله بالعبوس وهو يضحك لها؟ الحياة كلها كانت تشدها لتعيشها بملء جوارحها ولتكتشف المزيد (ص. 83). فأين، والحالة هذه، لنرجسية الجسد أن تخبوً؟ من هذا المنطلق دخلت المرآة ولعبة المرايا تقنية السرد في الرواية. فالمرآة حاضرة في مختلف مراحل القص لتعكس، في شكل لا يخلو من الإعجاب، جمالية الجسد، الذي لا ينال العمر منه بشيء إن تسلح بالحب والفرح. لذا، عندما استعادت نهلا علاقتها بهاني في منتصف العمر وقفت أمام المرآة عاريةً لتتفحص جسدها قبل أن تخرج للقائه. فقد شعرت أمام المرآة بأن عيني هاني تريان جسمها العاري. وبالرغم من الوصف المفصل والدقيق لكل التحولات التي طرأت على جسدها من رأسها حتى «الإصبع الطويل بين أصابع رجليها الذي كان يعشقه هاني ويقبّله»، فإنها كانت تحسب دائماً أن جسدها ما زال محافظاً على جماله. في تصرّف لا يخلو بدوره من النرجسية، وكي لا يفوتها التأمل في أي جزء من جغرافية جسدها أتت بمرآة صغيرة لتتفقد عضوها. فهي وإن ارتعدت لرؤية «شعرة بيضاء في عانتها»، ثم لإدراكها أن «عضلات المشفرين أصيبت بالارتخاء أيضاً. وحين لمست بظرها شعرت بأنه فقد شيئاً من صلابته، وأنه صار في مكان أكثر انخفاضاً»، وبالرغم من كل ذلك فإن «شعورها بأنوثتها وجسدها الآن هو أقوى بكثير من أيام الشباب» (ص. 44). فالجسد الذي ينبض بالرغبة والحياة يكتشف بالحب أحاسيس لا تني تتجدد خصوصاً وأن التقاء جسدي نهلا وهاني لم يتم مطلقاً ولو لمرة واحدة في العتمة. فالمرآة والضوء يخرجان الجسد من العتمة إلى النور ومن الخفاء إلى الظهور ومن موروث الخوف و«العيب» إلى واقع التآلف واللذة. وقلما وجدنا في الرواية العربية وصفاًً لعضو المرأة في نشوته يجمع إلى الجرأة في التعببر الفنَ والشعرية والجمال ويمنحه دوره الطبيعي في الحياة والوجود كما هو الحال في هذه الرواية. فهو ليس عبءً على المرأة أو موطنَ خجلها إنما هو كائن بذاته تجاوز سلبيته وما لحق به خلال أجيال من أوهام ومن شعور بالذنب، وبات «يعانق ويقبل، كما أنه حنون مثل اليدين، يحضن مثلهما» (ص. 45).ً «إنه مصدر الضوء والدفء والمشاعر». لعبة المرايا وتستمر لعبة المرايا أو لعبة الظل في تلك الازدواجية وذاك التكامل بين شخصيتي كلّ من نهلا وسعاد. فهما من دون شك وجهان لشخصية واحدة. فسعاد، كما تقول نهلا، هي «جزئي الثاني المستقل عني والمستعد دائماً لأن يمد يده ليريحني» (ص. 129). وعندما كانت نهلا تحكي عن رغباتها وجسدها ومشاعرها، كانت تشعر من نظرات سعاد إليها بأنها تحكي كلاما طواه داخل هذه الأخيرة المبلوع (ص. 243). وكانت سعاد بدورها تتساءل إن كانت تحقق رغباتها بواسطة نهلا، «وفي لحظات كثيرة، كما لو أنها كانت في شكّ من أمرها، تنظر إلى المرآة، وتقول إن هذا الجسم جسمي، وليس جسم نهلا، وتأوّهاتي ليست تأوهاتها، وجرأتي ليست مثل جرأتها» (ص. 315). كذلك عندما كانت سعاد في غرفة نهلا بعد إصابة هذه الأخيرة بمرض الألزهايمر واختفائها، راحت تنظر إلى صورة نهلا ولكنها لم تعد تعرف «إن كان وجه نهلا في الصورة حاضراً أم مختفياً، كما لم تعد تعرف أين هي: هل هي في غرفة نهلا، أم في غرفتها؟ هل الوجه الذي تراه في الصورة هو وجهها قبل اختفاء نهلا، أم وجه نهلا بعد غيابها؟ هل تسألها نهلا في الصورة إن كان قد صار لها وجه بغيابها، أم أنها تسألها عن وجهها أيضاً الذي اختفى؟» (ص. 318). وجاء في الفصل السادس عشر موت سعاد وهي في سرير نهلا المختفية (ص. 325) ليؤكد على وحدة شخصيتهما. إن الصورة التي أعطتها الراوية لسعاد هي على نقيض شخصية نهلا. إذ كان الفراغ ينتشر في ضلوعها، في الليل في السرير وتخبو الشهوة عندها وتتحول إلى مومياءات تحت جلدها المتبقّع (ص,161). وتكثر في الرواية الإشارات الدالة على اختــفاء أثر الجــمال فيها وخصوصاً إلى قبح بشرتها إثر المــرض الذي أصابــها. فأين تكمن إذاً الوظيفة الشعرية لهذه الازدواجــية؟ وما دورها في الحكي؟ يبدو لنا أن سعاد هي الشق الضروري لتجسيد الواقع وإظهار عمق الصراع في الحياة، وأن انتصار الحب والحياة والفرح المتمثل في شخصية نهلا لا يكتسب رو نقه إلا بقدر ما يعاني في تجاوز الموت وقهره والتــغلب عليه. فمعركة نهلا مع جسدها لم تخرج منها منتصرة إلا بالمكابدة والتحدي المستمرين. ولا يخفى على المؤلفة ما يشوب عالمنا ومجتمعنا السياسي والاجتماعي من صعوبات تقف حاجزاً أمام التحرر، والتحرر الجسدي بشكل خاص. فسعاد إذاً هي الوجه المتأصل أيضاً في ذات نهلا والتي تسعى، دون هــوادة، إلى تجــاوزه إن لم تســتطع محوه. لقد بت أميل، بعد قراءة هذه الرواية، إلى اعتبارها الحلقة الثالثة من ثلاثية جزآها الأولان هما روايتا «مريم الحكايا» و«دنيا». فوفق تقنية سردية متشابهة وفي أداء أسلوبيّ فنيّ وشعري تزيده الجرأة حيوية وجمالاً، تكشف علوية صبح أسرار جسد المرأة في شبابه (مريم الحكايا)، وفي المرحلة الأولى من الزواج (دنيا)، وأخيراً في الخمسينيات من العمر (اسمه الغرام). وهي في كل حلقة من هذه الحلقات تأخذ القارئ من خلال تنوع حيوات أشخاصها إلى سبر أعماق الذات الانسانية وإبراز دور الجسد في تحقيق هذه الذات وفي عيشها الفعلي . فعزيزة، إحدى أشخاص الرواية الأخيرة، لا تبرح، على شاكلة نهلا، تتأمل جسدها العاري في المرآة، وتحس بعطشه ليدي رجل يعشقه وليس ليديها. فهي التي كانت عذرية في حبها في بداية حياتها، قادتها الحياة بعد أن تزوجت وترملت أو طلقت أكثر من مرة إلى أن تكتشف مع فادي الذي يصغرها بعشر سنوات جسدها «ولذة الجنس والمتعة» (ص. 187). ثم أصبحت علاقاتها بالرجال، وهم كثر، أقرب إلى البغاء منه إلى الحب. أما نادين التي تفتحت ميولها السحاقية وهي على مقاعد الدراسة ـ (علاقتها مع لبنى، مدرّسة الجغرافية)ـ راحت تعيش فيما بعد رغباتها بحرية بعد أن كانت قد «مارست الجنس مع رفاق النضال» (ص. 103) وبعد أن تزوجت وطلّقت. فبات طبيعيا،ً في وضع «الصديقات» هذا، أن تبدو حياة هدى التي تحب زوجها طارق شواذاً وأن تثير تساؤلات نهلا واستغرابها في آن، فقد التقــت بها مــراراً لتتعلم منها كيف تحب زوجها وكيف تحلم بأن يشيخا معاً؟ (ص. 245). لا أخفي أخيراً شعوراً خاصاً انتابني وأنا أقرأ هذه الرواية عندما أعادتنا الكاتبة في نهايتها إلى أجواء كلية التربية وبهجة صخب الكافيتيــريا فيها، حيث كنا نلقي على فيروز وأغانيها مهمة التعبير عما يختلج في صدورنا. فهل يا ترى تتولى فعــلاً علويـــــة صبح في روايتها هذه مسؤولية كتابة قصة نهلا أم انها تتولى مسؤولية كتابة قصة جيل بأكمله؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة