انطلقت العروض الجماهيرية اللبنانية لفيلم »الآخر«، الذي حقّقه المخرج المصري يوسف شاهين، أمس الأول الخميس، في صالات »أريسكو بالاس« (الصنايع) و»مونتريال« (الحمرا) و»لاساجيس« (الأشرفية) و»ستارغايت« (زحلة) و»شهرزاد« (صيدا) و»غالاكسي« (بولفار كميل شمعون) و»لاسيتيه« (جونيه) و»لاس ساليناس« (انفه). وكان شاهين، الى جانب نبيلة عبيد ولبلبة وهاني سلامة والمنتج غابي خوري، شاركوا في الحفل الافتتاحي مساء الأربعاء الفائت. يروي الفيلم حكاية حب على الطريقة الشكسبيرية المعروفة التي جسّدها في رائعته »روميو وجولييت«، لكن بالمفهوم الطبقي، حيث أن آدم (سلامة) ابن عائلة ثرية، من أم أميركية (عبيد) وأب مصري (محمود حميدة)، يغرم بصحافية شابة إسمها حنان (حنان ترك)، تنتمي الى طبقة فقيرة وتعيش مع أمها (لبلبة). تحاول العائلة الثرية، بتحالفها مع أحد أقطاب السلطة السياسية المصرية (عزت أبو عوف)، الاحتيال على مجموعة من المموّلين الأجانب، بهدف بناء مجمّع سياحي في شرم الشيخ، هو عبارة عن تجمّع ما للأديان السماوية الثلاثة. لكن الصحافية الشابة تكتشف تفاصيل المؤامرة (من دون أن ندرك كيف) وتفضح الصفقة، وتواجه تحديات من قبل مرغريت الأميركية، قبل أن يشهد الفيلم تدخّل الأصوليين عبر شقيق حنان، الذين ينتهون مع الفيلم ببحر من الدم والجثث. سعى يوسف شاهين، في فيلمه »المهاجر« (1994)، الى إبراز أهمية العلم والمعرفة، في مواجهة الجهل المتمثّل بالأنانية وحب الذات، كدعوة الى اعتبار هذه الثنائية (العلم والمعرفة) طريقا ضرورية الى الانفتاح والتطوّر، من خلال شخصية رام (خالد النبوي)، الذي واجه غطرسة أشقائه وأحقادهم بالتسامح والمغفرة، والذي عزّز مكانته الانسانية والمعرفية في البلاط الفرعوني، بما تمتّع به من حس ثقافي، وطاقة على الحوار والتواصل. وحين قرر إنجاز »المصير« (1997)، لم يجد أمامه سوى شخصية الفيلسوف العربي ابن رشد (نور الشريف)، الذي عانى الأمرّين جرّاء صراعه الثقافي والفكري مع أصوليين متزمّتين ومتمسّكين بتفسيرات دينية وحياتية منغلقة، كي يؤكّد مجدّدا حرصه على تفعيل الوعي والثقافة، كأسلوب حياة وانفتاح؛ وعلى بلورة الحوار الديمقراطي والعقلانية، أساسا لمعنى العلاقات الانسانية، ومدخلا الى التحرّر من ظلامية التخلّف والرجعية. نجح رام في معركته، عبر النقاش والمصالحة مع الآخر، انطلاقا من الذات، والعمل الدؤوب على تحقيق أهدافه. وعرف ابن رشد حصارا رهيبا من قبل المصالح السلطوية، وتعرّض لضغوط عنيفة، ومحاولات تصفية فكرية وحياتية وجسدية، قبل أن تتحوّل مؤلّفاته (المهرّبة من نيران الجهل والقوى الرجعية)، فيما بعد، الى عنوان صارخ لمعنى القراءة النقدية العقلانية في تشريحها العقل العربي والخطاب الاسلامي، بحثا عن تفاصيل مواكبة التحوّلات العصرية. من هنا، يُمكن القول ان ثمة تشابها ما في كون هاتين النهايتين ايجابيتين، مع اختلاف واضح في مصير الشخصيتين. في حين أن العملين السينمائيين، اللذين تميّزا بلغة بصرية شفّافة، الى حد ما، عكسا التزام شاهين بتفاؤل معين، مفاده انتصار (ان لم يكن »ضرورة« انتصار) الوعي والعلم والمعرفة، كثلاثية ثقافية وحياتية وانسانية، قادرة على منح المرء صفتي الانفتاح والنقاش الديمقراطي. »الآخر« وتداعيات العصر مع »الآخر«، بدا يوسف شاهين وكأنه لا يريد الابتعاد كثيرا عن تلك المعادلات، مصوّرا إياها بما يتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في العالم، عشية انبثاق فجر القرن الجديد. فمع سقوط المعسكر الشيوعي، وتفكّك المنظومة الاشتراكية، وانتهاء الحرب الباردة، تصاعدت حدّة النزاعات القومية والاتنية والتيارات الأصولية والعنصرية، في أكثر من منطقة، خصوصا في الدول التي خلّفها »موت« الاتحاد السوفياتي، مما ولّد في المقابل نظريات جديدة، مثل »صدام الحضارات« و»نهاية التاريخ« و»النظام العالمي الجديد« و»العولمة«؛ باختصار: توصّلت الولايات المتحدة الى تزعّم العالم، بمعنى من المعاني، مما أدّى الى نقاش ثقافي وفكري لمفهوم العولمة، كما لبقية المفاهيم الجديدة، وغالبا بحسب مفردات هذا النظام الأميركي العالمي، الذي يسعى الى »غزو« الدول والمناطق، والمجتمعات والأفراد. لا يُمكن إنكار ما يحاول شاهين مناقشته في »الآخر«: العولمة، من خلال سلطة رأس المال الأميركية (المتمثّلة بالسيدة مرغريت) في المجتمع المصري، وقدرة هذه السلطة على التحالف مع التيارات الأصولية (المصوّرة في الفيلم بكثير من العناوين الباهتة) لتنفيذ مآربها. كل ذلك في إطار قصة حب على مستوى »روميو وجولييت« الطبقي، حيث أن الشاب آدم (هاني سلامة) ابن العائلة الثرية (عبيد ومحمود حميدة)، يُغرم بالصحافية الفقيرة حنان (حنان ترك)، ابنة الست بهية (لبلبة). في »الآخر«، يشدّد يوسف شاهين، مرة أخرى، على أهمية العلم والمعرفة، اللذين يسمحان للمرء بالانفتاح والشفافية في التعاطي مع الآخر، أيا يكن هذا الآخر. لكن الجهل والتخلّف يتحوّلان هنا الى مصالح ذاتية لسلطة رأس المال الشبقة، والمستعدة لتحطيم الآخر بهدف الوصول الى غاياتها. سلطة موبوءة، تتحالف مع سلطة سياسية، حيث الفساد والرشوة والمصالح؛ سلطة مشحونة بالصفقات والمؤامرات وإلغاء القيم الانسانية والمبادئ الأساسية؛ سلطة خاضعة لنزوات المال والتسلّط والقمع، حيث التفكّك العائلي فاضح، وحيث التمزّق الداخلي عنيف: الأم مرغريت تنهار تحت وطأة السكر وعدم التوافق مع زوجها خليل، إلاّ تحت غطاء المصلحة المالية؛ ثم نكتشف أن والد آدم قد لا يكون خليل، بل نتيجة علاقة عابرة في أميركا، مع أميركي. أضف الى ذلك، أن النهاية لن تكون على الصورة نفسها لفيلمي »المهاجر« و»المصير«. في هذين الأخيرين، كما سبقت الاشارة، ثمة انتصار ما للوعي والعلم والمعرفة، وان في ظل التباس مفاهيم هذا الانتصار، بين عمل وآخر. في حين أن خاتمة »الآخر« لن تكون أقل من تدمير الذات، وانكسار الحلم المتمثّل بعنصري الشباب والتغيير، أمام ثقل العولمة وهي تخترق كل الحواجز، وتحطّم كل القيم . هناك ملاحظة أخيرة، في هذا المجال: يركّز يوسف شاهين، في أفلامه الثلاثة تلك، على عنصر الشباب، أكان ذلك على مستوى العمر، أم لجهة الحماس والتوقّد والبحث الدائم عن امكانية التغيير والمواجهة. فرام نموذج للشاب المثالي، المثقّف والراغب في تسخير وعيه ومعرفته من أجل إحداث فعل التغيير في المجتمع الزراعي؛ وابن رشد يجسّد نمطا آخر من الشباب، بقدرته على الجدل الثقافي الطامح الى غرس بذور التطوّر والتحوّلات الجذرية في المجتمع الأندلسي العربي والاسلامي، مرتكزا على شعلة الشباب في إعمال الفكر العقلاني في مواجهة التزمّت والأصولية. وآدم وحنان يعكسان طموحات هذا الجيل المثقّف، المصطدم بمتغيرات نهاية القرن العشرين، والساعي الى احتلال موقعه الاجتماعي والثقافي في قلب المعادلات. ثلاثيتا الذات والعام لم تكن هذه الثلاثية، اذاً، شبيهة بثلاثية يوسف شاهين السابقة، التي تناول فيها مقتطفات من سيرته الذاتية، مع قراءته تحوّلات اجتماعية وانسانية وثقافية وسياسية، عرفها المجتمع المصري في مراحل مختلفة من تطوّراته، كما عرفها شاهين نفسه في حياته. هذه الثلاثية هي: »اسكندرية ليه!« (1978)، »حدوتة مصرية« (1982) و»اسكندرية كمان وكمان« (1989). بعض هذه المقتطفات الذاتية، وجدت لنفسها مكانا في »المهاجر« تحديدا؛ لكن الاختلاف واضح بين الثلاثيتين، ان لجهة المضمون الدرامي، حيث تبرز السيرة الذاتية، في الأولى، متداخلة بقوة مع القضايا العامة؛ وان على مستوى الشكل، من خلال ايغال هذه الثلاثية الأولى في لغة سينمائية قاسية ومرتبكة وقلقة ومتوترة ومتحفّزة، لغة سينمائية تطمح الى تفعيل مناخاتها الدرامية، بحثا عن تصاوير مشهدية متوثبة. في حين أن الثلاثية الثانية خفّفت من حدّة الانفعالات، وأعطت مضمونها الفكري والثقافي مكانة بارزة، في ظل تداعيات المشهدية الجمالية المبسّطة في لغتها السينمائية؛ خصوصا أن يوسف شاهين، في »المصير« تحديدا، استعاد النوع الاستعراضي الغنائي، الذي سبق وخاض تجربته الفعلية الأولى مع السيدة فيروز والأخوين الرحباني، في »بيّاع الخواتم« (1965)، الذي يعتبره بعض النقّاد من فئة الأفلام الشاهينية »الهابطة«؛ قبل أن يبلور الحيّز الغنائي في »عودة الابن الضال« (1976)، من دون تنازلات درامية، بل بتكثيف أسلوب الترميز (حيث ترتدي كل شخصية بعدا طبقيا، بل تاريخيا). وفي »الآخر«، كان للأغنية حضور، ان من خلال ماجدة الرومي (بطلة »عودة الابن الضال«، غناء وتمثيلا)، مع »آدم وحنان« (كلمات جمال بخيت وألحان فاروق الشرنوبي)، أو عبر هاني سلامة نفسه، في »بحبها« (كلمات مرسي جميل عزيز، ألحان محمد الموجي). يُعرّف يوسف شاهين الفن بقوله انه مرآة عصره، »ولا يُمكن أبدا أن يكون مجرّد تفسير واع لهذا العصر«. لكن هذا التعريف يحتمل النقاش، كما كتب ابراهيم العريس في »دراسات عربية« (آذار 1979)، مضيفا انه قد »يُقبل دون مساومة، وقد يُرفض ويُرجم«. ويرى العريس، بالتالي، أن أهم ما في التعريف السابق »انه يصوّر حقا جوهر الفن السينمائي كما أبدعه شاهين على الدوام: فن يحاول أن يقول كل، أو معظم ما تختزنه ذاكرة الفنان ووعيه، طوال الأعوام التي تفصل بين إنجاز فيلم وإنجاز آخر، مضافا اليه ذلك القسط الهام من المعرفة الذي يتعلّمه الفنان من كل فيلم يحقّقه«. هذا ما شدّد عليه شاهين، بقوله »ان كل فيلم جديد أُحقّقه، يعلّمني شيئا ما«. من هنا، ربما، يُمكن فهم التداعيات المتنوّعة، والمسارات المختلفة، والمتناقضة أحيانا، في أفلامه التي بلغ عددها، مع »الآخر«، ثمانية وثلاثين فيلما، بينها ستة أعمال وثائقية، بالإضافة الى مسرحية »كاليغولا«، التي حقّقها »للكوميدي فرانسيز«، في العام 1993؛ علما أن أول روائي طويل له كان بعنوان »بابا أمين« (1950). لكن هذا التناقض في المستويين الدرامي والشكلي، يُظهر قلّة أفلام شاهين التي تميّزت عمليا بكونها إحدى أبرز الأعمال السينمائية في تاريخ الفن السينمائي المصري والعربي. لا شك في أن هذه القراءة النقدية المتكاملة، تحتاج الى تحليل مفصّل، كي لا يُساء فهم مقولة التناقض في المسار المهني لشاهين. موت الحلم من السيرة الذاتية والجماعية في العديد من الأفلام التي باتت اليوم احدى ركائز المشروع الثقافي والسياسي والفكري ليوسف شاهين، مغلّفا اياه بنمط سينمائي تميّز به من دون سواه، الى محاولة تحليل المعطيات الآنية، على ضوء التاريخ والمستقبل: في »المهاجر« و»المصير«، استعاد شاهين فصولا من التاريخ، كي يقرأ تداعيات الحاضر، ويسعى الى اكتشاف مؤهّلات هذا الحاضر، في مواجهته المستقبل؛ فاذا به (أي شاهين)، في »الآخر«، يُعلن موت التغيير المطلوب، نتيجة التحالف الدموي بين سلطة رأس المال والتيارات الأصولية والفساد السياسي؛ موت التغيير المطلوب، عبر مقتل الحلم الشاب، الرومنسي والشفاف، الراغب في قلب المعادلات، والتمرّد على هذه السلطات الآفات. لا شك في أن يوسف شاهين يرغب في تحويل »الآخر« الى نقاش ثقافي وفني حول العولمة والغزو الأميركي المتنوّع الجوانب والأساليب، وحول مدى قابلية مجتمعاتنا العربية لمواكبة هذه التحوّلات، وحول التناقضات العنيفة الحاصلة في هذه المجتمعات. لكن العناوين الثقافية والفكرية في هذا الفيلم، لم تستطع أن تنتقل الى المشهد السينمائي، بما تتطلّبه اللغة الفنية من ترابط في السياق الدرامي، وبلورة لتحوّلات الشخصيات، وتفعيل للمناخات النفسية والذاتية، وتطوير للمسارات المتنوعة، على مستويات الأحداث والمواقف والعلاقات. ذلك أن الخطابية تحتل واجهة المشهد، والثقوب الفنية في مجريات الأحداث متعددة، والكليشيهات السياسية والفكرية كثيرة. فهل يؤدي كل هذا الى اعتبار »الآخر« أقل أهمية درامية ومشهدية، من بقية أفلام شاهين؟ غالب الظن أن الجواب الأول سيكون »نعم«. علما أن هذه »النعم« لا تقلّل من أهمية النقاش الذي أراده المخرج حول العناوين العامة، كالعولمة والارهاب والثراء الفاحش والحب المستحيل، والمصالحة المنقوصة بين الأديان السماوية الثلاثة، والصفقات المشبوهة التي توحّد مصالح سياسيين واقتصاديين ورجال أعمال وأصوليين. غير أن كل تفصيل من هذه العناوين يحتاج الى فيلم مستقل بحد ذاته، في حين أن »الآخر« عالجها بتسرّع، في محاولة ما لقراءة تداعيات العولمة والخصخصة في مجتمعنا العربي. لا يُمكن بأي شكل من الأشكال اعتبار »الآخر« من فئة الأعمال السينمائية التي حقّقها يوسف شاهين بلغة فنية قاسية وعنيفة في تعاطيها مع مواضيعها الدرامية، والتي باتت اليوم من أبرز المفاصل الأساسية في تاريخ السينما المصرية والعربية؛ أفلام قليلة، امتلكت حساسية بالغة، وعكست ارتباكات صاحبها وهواجسه وأسئلته، وتحوّلت معه الى مرآة صادمة وشفّافة في آن واحد، لمجتمع وناس وغليان ثقافي وفني وفكري. ن. ج.