تزداد الأوضاع الداخلية السياسية تعقيدا وتتراجع معها قدرة المراقبين على الالمام بتفاصيلها المتشابكة والمتداخلة، فيما تتسع الهوة بين المواطن وبين حقيقة الامور، فتضيع الطاسة او تكاد، ويزداد الانقسام في الرأي، بين موالاة ومعارضة، وبين جماهير كل منهما، الى حيث تتعمق يوما بعد يوم، حالة من العداء بين اللبناني واللبناني، بين السياسي والسياسي، بين الاعلامي والاعلامي، النقابي والنقابي، وغيرهم. لم يدخل لاعبون جدد الى الساحة، ولكن الادوار هي التي تغيرت، فلبنان هو لبنان، بكل تناقضاته، وعلاقاته بسوريا هي ذاتها على المستوى »الاستراتيجي«، والثوابت هي الثوابت، وحدود اللعبة معروفة تماما كأنظمتها، شديدة الشبَه بأنظمة لعبة الشطرنج، حيث تتصارع الجيوش حفاظا على الملك، وتسقط في سبيله الضحايا، ليبقى.. ولكن اللعبة، تبدأ دائما من جديد، فلا يطرأ أي تغيير عليها، سوى انتقال »الاحجار البيضاء« من لاعب الى آخر، لتنتقل »الاحجار السوداء« من الآخر اليه، فيتحول المهاجم الى مدافع والمدافع الى مهاجم، الى حيث »المات« وسقوط ملك من الاثنين. ومن غريب الصدف، ان هذه »اللعبة« تكاد ان تكون متواصلة في لبنان منذ استقلاله، على الرغم من عدم معرفة الكثيرين من شخصياته السياسية، بقواعدها وأنظمتها، بخلاف الفطرة التي نشأوا عليها، والتي غالبا ما ساعدت الكثيرين على البقاء. إلا أن رقعة الشطرنج اللبنانية، تكاد ان تكون فريدة من نوعها في العالم وعلى مر التاريخ، فالجيشان المتواجهان، ليسا دائما متجانسي الألوان، اذ يقف الملك الابيض والى جانبه وامامه الحاشية والجنود، من »القطع البيض والسود« على السواء، وكذا الملك الاسود وحاشيته. الغلط قائم، ولكن اللعبة مستمرة، يراقبها حكام المباريات بابتسامة مكبوتة، يصفقون حينا للفائز وحينا للخاسر، على السواء، ثم تعطى الاشارة لبدء جولة جديدة، غير محدودة »النقلات«، واحيانا غير محدودة »الوقت« المتعارف عليه نظريا بست سنوات. الوزير، هو الاقوى في لعبة الشطرنج، وكثيرا ما علّمنا التاريخ، انه كان الاقوى في حقبات كثيرة، الا انه في لبنان، يكون دائما في صف الملك، ونادرا ما ينقلب عليه، فإن انقلب ففي اتجاهين: فإما لمصلحة ملك آخر واما الى التهلكة. والوزير الشاطر هو الذي ينقلب ولا يودي بنفسه الى التهلكة. هذه المواصفات تلامس شخصية نائب رئيس الحكومة وزير الداخلية ميشال المر، الذي يكاد ان يكون الاقدر من بين السياسيين، على التنقل بين الجيوش وبين الملوك، ينحني اذ يستشعر العاصفة، ويتعملق اذ يشعر بالقوة وبالامان. وقد ظل يخفي عينيه وراء نظارة سوداء حتى اذا كان الخيار بين الرئيس السابق الياس الهراوي وقائد الجيش، يومها، العماد اميل لحود، قال للاول في العام 1995، »انت عين وهو عين«، ولكنه بعد انتخاب الثاني أواخر 1998، ألقى بنظارتيه بعيدا، وصار »يقرأ الممحي«.. انما لم يعرف الهراوي يومها في اي اتجاه كان ينظر المر من وراء ذلك الزجاج الأسود. نادرا ما مدحت وسائل الاعلام هذا الرجل، وكثيرا ما ظلم نفسه وظلمه الآخرون. والاقتراب من الحقيقة يفترض القول، ان هذه الشخصية اقدر على ظلم نفسها مما قد يظلمها الآخرون. فالمر يتعاطى السياسة باحتراف يقارب العبادة، ولأن العبادة انواع وفنون وطقوس، فالحكم عليها او لها لن يكون قاطعا بالحق، ما بقي البشر واختلفت عقائدهم ومفاهيمهم، و»الكافر« في طقس ما، قد يرى غيره ملحدا، والملحد قد يرى غيره مشركا، والمشرك قد يرى غيره ساذجا، والساذج قد يقال عنه مؤمنا، والمؤمن في بتغرين، ليس كالمؤمن في بيروت، أو في طرابلس، او في الخنشارة. هذا »الاحتراف« سمح لميشال المر بأن يبقى في عالم السياسة على الرغم من ضروب الاستبعاد ومحاولات الاغتيال وتقلب الرجالات على سدة الرئاسة منذ ما يقارب الاربعين عاما، ولذا فهو كان السبّاق الى فهم قواعد اللعبة الى المستوى الذي اعتقد انه يسمح له بالتغيير فيها. والحقيقة ان المر نجح في ذلك، لكن النجاح لا يكون من دون ثمن عادة، وقد دفع المر هذا الثمن بأن ظلم نفسه فسجنها في صورة القادر المقتدر، القبضاي، المتفوق، فاستثار غالبا، تواضع الآخرين، وبراءة البعض، كما استثار مَن كان يتركهم في كل مرة منتقلا الى موقع آخر. ولأنه صاحب طموح كبير، فقد اقتنص كل فرصة لاطلاق ذلك الطموح الى الحدود التي تخطّى فيها ما يسمح به انتماؤه كأرثوذكسي في داخل لعبة الطوائف اللبنانية، فأمسك بالعصا من وسطها ووقف في عرين »حزب الكتائب«، المتن الشمالي، صارخا: أنا حليف سوريا.. ولكن الصدى في أودية اخرى كان يردد: كما كنت حليف الهراوي والحريري، وكما كنت حليف بشير الجميل، كما كنت حليف كميل شمعون، وغير ذلك. لا يخفي ميشال المر تاريخه، فهو عندما كان حليفا لبشير الجميل، لم ينقلب عليه، إلا بعد اغتياله، ولولا الخصومة مع امين الجميل لما وقف ضده. وهو عندما حالف الياس الهراوي صدق معه حتى ما قبل الانتخابات الرئاسية بشهرين او بثلاثة. لكل ما تقدم قصص تُروى، أما الرواية الاكثر تشويقا وإثارة، فهي التي تتحدث عن علاقة المر برئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. من السابق لأوانه الكشف عن الفصول الكاملة لتلك الرواية، ولكن صفحات منها كافية، لتكوين فكرة واضحة عن عالم السياسة والسياسيين والعلاقات الشخصية وتأثيرها، وعن الاحتراف السياسي والفارق بينه وبين الالتزام، في عالم، البقاء فيه للأقوى وللأدهى، وللأكثر حنكة. واليوم، إذ يرى البعض ان المر محاصر بين نيران غزيرة تكاد ان ترديه، يقول بقليل من التوتر: هذه النيران لا تستهدفني لشخصي، انهم يطلقونها في اتجاهي ولكنهم يستهدفون الرئيس اميل لحود. في تشخصيه لهذا الواقع، لا يبتعد المر عن صوابية الفكرة، ولكنه فقط يميل الى المبالغة في تقدير قوته وحجمه »القادر على حماية العهد والذود عنه«. ومن دون الانحياز الى صحة تقديراته او الادعاء بصحة استهدافات المعارضة، يفترض الاعتراف بأن المر يكاد ان يكون »ديوجين« العهد، والحكومة على حد سواء. في الحكومات السابقة، لم يكن ممكنا، للمر ولا لغيره، ان يقارب حجم الحريري وقدراته، ولكن المر استطاع ان يتكافأ مع امهر الوزراء في مجالاتهم. فهو في مجاله، كان الاكفأ، كما فؤاد السنيورة في المالية، كما بهيج طباره في العدل، وغيرهم. اما في هذه الحكومة وفي غياب الحريري، فإن المر صار هو الوزير، ولولا ان »الوزير الاول« تعني رئيس الحكومة، لأمكن القول بأنه الوزير الاول، او الاول بين الوزراء، صعودا الى مرتبة هي بين رئاسة الجمهورية وبين رئاسة الحكومة. ليس هذا الكلام سياسيا، فذلك طبعا سيكون »مخالفا للدستور«، والمر حريص على الدستور حتى وان تسرع في بعض الاحيان بأفكار بدت ضعيفة الصياغة ما اوحى برغبته في تعديل الدستور، سواء في ما قاله عن ان السلطة هي لمجلس الوزراء »بدعة«، او في تكراره شعار »الرئيس القائد« الممتلك »لمشروع اقتصادي سيعيد الرخاء للبنان في العام ألفين«. في صعوده كالشهب، بعد تولي الرئيس لحود، لم يتحلَّ المر بالتواضع، والثقة الكبيرة التي اولاه اياها رئيس الجمهورية جعلته يندفع في حروب وعلى جبهات متعددة، بحيث تكتل كثيرون ضده، وألّب عليه معظم وسائل الاعلام، فاقترب من ان يصير »أسير نظرية المؤامرة«. ليس هناك من مؤامرة ولا من متآمرين، والمر يجب ان يعرف، وهو السياسي المحنك، ان السياسة »يوم لك ويوم عليك«، وفي السياسة ليس من خصوم الى الابد او من اصدقاء الى الابد، وهو يجب ان يقتنع بحرية الآخرين في المناورة السياسية كما مارسها بنفسه في أوقات سابقة ومتعددة، خصوصا انه في السلطة الآن، والآخرين في المعارضة. لا يعني ذلك ان المر بات أسيرا بالفعل ل»نظرية المؤامرة«، فهو حين يتحدث عن أبعاد المستجدات الجارية اليوم، يطل من عينيه ذكاء، ومن كلماته مفردات لماحة: »قامت القيامة في موضوع التنصت، واعتقد كثيرون، ان الرئيس سليم الحص كان يستهدفني، وانا اجبت عن رسالته التي لم تصلني، بل سمعتها عبر الاذاعات، واوضحت، ان ليس هناك اي تباين في هذا الامر، وقلت ان هناك حالات تنصت محدودة ومرتبطة بحالات جرمية وقضائية، وهي لا تمارَس إلا بعد استئذان النيابة العامة التمييزية«. صحيح. هذا ما اعلنه المر، ولكن ذلك لا يمنع من القول، ان اسلوب الرئيس الحص لا يريح المر، والعكس صحيح؛ فالمر الممتلئ ثقة بنفسه لن يرضى بأن يتبلغ توجيهات رئاسة الحكومة من الزميل عماد جودية، الخبير في »تفكيك توتر الرئيس الحص«، والمنقطع عن اصدقائه بخلاف الرئيس لحود وبعض الوزراء. والمر الممتلى طموحا، يرتكز على قدرات يعترف بها اخصامه، قبل اصدقائه، وهو سيتقبل بامتعاض ان يرد عليه الرئيس الحص من نيويورك محتجا على ما قاله »ان الرئيس القائد اميل لحود يمتلك خطة اقتصادية ستعيد الرخاء للبنان في العام ألفين«. ذلك الخلل بينه وبين الحص، الذي كانت بدايته مذ قال سياسيون ان الرئيس الحص لا يطّلع على كل شيء ووزير الداخلية يخفي عنه معلومات، حاول المر ان يعالجه فصار يزور الحص اسبوعيا، ولكن المشكلة لم تنته. استطاعت المعارضة، في اعتقاد المر، ان تتسرب من ثقب الخلل القائم بينه وبين الحص، فقامت الضجة على موضوع التنصت »وهل من بلد في العالم ليس فيه اي تنصت؟«. يقول »نحن نسعى الى قوننة هذا التنصت، والرئيس نبيه بري يساعد في هذا الاتجاه، والمعارضة تخطئ اذ تعتقد انها ستنال من الحكومة عبر هذا الموضوع، وعلى المعارضين ان يعرفوا ان الملف الامني في لبنان، لا ينفصل عن الملف السوري، والتنسيق قائم ومستمر، فأمن لبنان من امن سوريا، وامن سوريا من امن لبنان. وان كانت هناك حالات تنصت امنية فهي لمصلحة البلدين، خاصة في هذه الظروف، حيث تتكشف باستمرار شبكات تجسس وشبكات اجرامية، ونحن نريد ان نقونن هذا التنصت«. اما في موضوع »الصراخ القائم« حول مشروع اللامركزية الادارية، فيقول المر »ان هذا المشروع اعدته الحكومة السابقة وكان المجلس قد صوّت على بنود عشرة منه، ثم استعادته الحكومة واجرت عليه تعديلات طفيفة«. ويضيف »اليوم هو في المجلس، والمجلس نفسه، فليناقش المشروع وليكن ما يكون، داخل المجلس، فأنا لا ناقة لي ولا جمل، ولكن لا يزايدنَّ احد عليّ في هذا«. يكرر المر ان هذا المشروع لا يخفي خلفية انتخابية، ولكن البعض يتوجس منه، وهو يلمح بأن كثيرين اتصلوا به وحاولوا اقناعه بتعديل التقسيم الاداري بما يتوافق مع مصالحهم الانتخابية، فرفض. وهو سيرفض دائما ذلك! وتأتي القضية الكبرى.. الحصانة النيابية وموضوع النائب حبيب حكيم. »حبيب، فليساعده الله. كنت أنوي مساعدته سابقا، ولكني اليوم عاجز عن ذلك«. يشير المر الى ملفات عدة موضوعة في درج مكتبه »الوثائق والمعلومات هنا، وانا لن استبق الامور، ولن اسبق حكم القضاء. وعلى كل حال، الموضوع الآن في مجلس النواب، فإن قرر رفع الحصانة كان به، وان لم يقرر ذلك فالمسألة تبقى في يد القضاء، والقضاء سيتابع هذا الامر بعد الانتخابات النيابية، في ما يتعلق بحبيب حكيم أو في ما يتعلق بغيره من النواب المتهمين بهدر المال العام«. في بعض الأحيان، يبدي رئيس الجمهورية استغرابا من هدوء اعصاب المر، ولكن المر »طيب القلب« كما يقول الرئيس، ينام وعيناه مفتوحتان، وهو اذ يتنقل دائما بين بيروت وعنجر ودمشق، بات اقرب الى سلوك طريق الاعتدال والتهدئة »فذلك مطلوب من الجميع، حيث الظروف دقيقة للغاية والمفاوضات ربما تكون على الابواب فيما تلوّح اسرائيل بالانسحاب من الجنوب«. شخصية إشكالية هو ميشال المر، والحديث معه وعنه لا ينتهي. كانت هذه صفحات، وهناك مثلها يوم غد. فيصل سلمان