ماذا حل في اليمن السعيد؟ هل هو دولة فاشلة في التنمية والإصلاح والتحديث والديموقراطية ؟ أم الوحدة اليمنية عاجزة ومأزومة: في الجنوب خيبة وفي الشمال استئثار وفي البلاد حيرة بين عقبات الوحدة وصعوبات الانفصال؟... ام هي لعنة الجغرافية؟ كثافة سكان اليمن وكثرة موارده وموقعه في منطقة التمزق العربية، وتموضعه في القلب السكاني الأهم لشبه الجزيرة العربية، محشور في زاويتها الجنوبية الغربية الجبلية ... وحدته قوة ترعب جيرانه وتفتيته ضعف وفوضى تخيف محيطه. ام لكل هذه الاسباب تحول اليمن الى يمنين؟ في 29 تشرين الثاني 1967 استقلت «جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية» واعتمدت الاشتراكية نهجاً. عصفت الخلافات داخل قيادتها فأدت الى مذبحة اللجنة المركزية في عدن العام 1986، ما أفسح المجال أمام عودة الوحدة بين شطري اليمن العام 1990. لكن سرعان ما انفجرت الصراعات داخل أطراف الحكم, واشتعلت حرب أهلية في 1994, أدت الى إخراج الحزب الاشتراكي من السلطة. نفي علي سالم البيض الذي كان رئيسا لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية السابقة من 1986 الى 1990, وهو الذي وقع على اتفاق الوحدة مع رئيس الجمهورية العربية المتحدة علي عبد الله صالح. منذ قيام الوحدة, طوقت اليمن مشكلات إقليمية (حرب الخليج, حرب الصومال, حرب اريتريا) وأزمات داخلية (حرب صيف 1994, فقدان الثقة بين المعارضة والسلطة) ومشاكل اقتصادية متفاقمة وسوء إدارة الموارد من قبل الحكومات المتعاقبة ودخول «سلطات الدولة في حالة تحلل» نتيجة حركات التمرد من جهة و«شخصنة السلطة» من جهة أخرى. شكل وصول علي عبد الله صالح الى السلطة في 17 تموز 1978 انتصارا للقبيلة. فالرجل ينحدر من سنحان, وهي إحدى بطون قبيلة حاشد. أقوى القبائل اليمنية وأكثرها تماسكا ونفوذا. وقد تمكن صالح من تشييد حكم أسري يتجسد في سيطرة قبيلته وعشيرته على المؤسسة العسكرية. يمسك بزمام السلطة في اليمن أوليغارشية عسكرية تضم أقرباء الرئيس المتنفذين من أبنائه وإخوانه وأبناء إخوانه وأبرزهم الرباعي: 1 ـ قائد الحرس الجمهوري وهو نجل الرئيس الذي يسيطر على مداخل صنعاء. 2 ـ يليه قائد الفرقة الاولى المدرعة، الجيدة التسليح، ويقودها أخ غير شقيق للرئيس, وقد زج بها في حروب مع جماعة الحوثي. 3ـ قائد وحدات الأمن المركزي وهو ابن أخ الرئيس التي تسيطر على كل المدن اليمنية بما فيها العاصمة صنعاء. 4ـ قائد سلاح الطيران، ويقوده أخ الرئيس, الرابض في كل المطارات اليمنية. ومن أوجه الازمة اليمنية الصراع على الموقع الاستراتيجي. جنوب اليمن كان تاريخيا يقوم بوظيفة استراتيجية في الحقبة الاستعمارية البريطانية ومن ثم في الاستراتيجية الدولية إبان الحرب الباردة في صراع المعسكرين وانحيازه مع الاتحاد السوفياتي. أما اليوم فقد أصبح هذا الجزء الهام الذي يتحكم بأهم الممرات التجارية العالمية, فاقدا لأي وظيفة استراتيجية, فهو فاقد الدور ولا وجود لعراب دولي مؤثر، وقد زاد الطين بلة الخلاف اليمني الأميركي الصريح حول سجناء اليمن في غوانتنامو... وهكذا، الادارة الاميركية غير مرتاحة لموقف الرئيس صالح الذي حذر من التدخل الأطلسي في البحر الأحمر بحجة التصدي للقراصنة، وصالح يرفض تحويل عدن الى قاعدة أميركية مضافة الى قاعدة جيبوتي الفرنسية الأميركية... وعليه, فإن العلاقات بين الطرفين ليست على ما يرام. وفي هذه الأجواء المضطربة تقع التحركات والاضطرابات في اليمن. ومن الاسباب الكامنة الصراع على الموارد الطبيعية. ترددت معلومات أنه سيبدأ قريبا إنتاج وتصدير الغاز في البلاد، وهذا يعد بمصادر مهمة توفر مداخيل ستتيح للرئيس صالح التخلص من الإحباط الجنوبي وترسيخ الوحدة, إلا أن أطرافا عديدة في الداخل والخارج تريد استباق الأمر وتحقيق الانفصال للانفراد بمصدر الطاقة الجديد. ومؤخرا, أعلنت المحافظات الصحراوية وهي شبوة وحضرموت في الجنوب, ومأرب والجوف في الشمال، عما سمته بحراك أبناء الصحراء, وطالبت بنسبة من عائدات النفط, كون هذه المحافظات هي المنتجة للنفط وتعتبر نفسها محرومة من عملية التنمية. وهكذا يواجه اليمن أزمة مركبة لها أبعاد متعددة: من جهة أزمة وطنية تطال وحدة الدولة والمجتمع، وتواجه حركات تمرد وانفصال وانعزال، في جو انعدام الثقة بين الشمال والجنوب. ومن جهة اخرى أزمة اقتصادية اجتماعية تشمل انهيار الاقتصاد وفشل التنمية وعجز الحكم وسيطرة البنية القبلية التقليدية والانقسامات العشائرية وتنامي الحركات المذهبية والتكفيرية المتعصبة. من جهة أزمة داخلية تشارك فيها السلطة والمعارضة والعشائر والقبائل و... ومن جهة اخرى قوى الجوار والاقليم تترقب وتتخوف. هذه الازمة المركبة تدفع نحو لبننة اليمن بالشكل السيئ، أي التفتيت الى كانتونات، كما كانت الحالة إبان الحرب الاهلية، أو لبننة ايجابية ولدت تسوية توافقية أدخلت البلاد في سلم أهلي . واليمن اليوم على مفترق إما يتجه الى المشاركة والاصلاح وإلا يتجه اليمن نحو التجزئة على أسس مناطقية ومذهبية وعشائرية / قبلية. حالة الفوضى الخلاقة في اليمن باتت تثير مخاوف جواره، لا سيما السعودية، وهي الجارة التي تستضيف عشرات الآلاف من اليمنيين العمال, الساعين لزيادة دخلهم. وبينهم معارضون, يجمعون تبرعات لدعم الاحتجاجات. وتسعى السلطة في اليمن الى كسب استثمارات السعودية, ومنع وصول الأموال الى الانفصاليين, والحصول على مساعدات في مجال المخابرات والدعم السياسي والمالي, لدعم الاستقرار في أقاليمها المضطربة. كما أن السعودية, تتخوف من أن يؤدي انعدام الاستقرار في اليمن الى تحوله لنقطة انطلاق للقاعدة, كما سبق وحصل بين عامي 2003ـ2006 لزعزعة الحكم في السعودية. وتتخوف الرياض من عودة التحركات الى منطقة نجران النائية على الحدود مع اليمن التي كانت مسرحا لاشتباكات عنيفة بين الشرطة، وأتباع الطائفة الاسماعيلية في العام 2000. ويأتي الانزعاج السعودي لأن لديها حدودا تمتد 800 كلم مع اليمن. رغم هذا الحذر, يعتقد بعض المحللين أن أطرافا في المملكة لا تريد لليمن وحدة قوية تخشاها, بل هي تستفيد من الانفصال رغم مخاطره وتمدده. فالسعودية في حيرة وتردد، وقد أظهرت وسائل الإعلام السعودية تعاطفها مع قوى الجنوب وحراكه, ثم أبدت الخشية على مستقبل اليمن ومنه, وبدأت تنظر الى ما يحدث في اليمن على أنه شأن داخلي. وتشير السعودية الى تبعات انفصال الجنوب عن الشمال ستكون كزلزال هائل على المنطقة كلها, محذرة من دور إقليمي لإيران التي أصبحت لاعبا في الداخل اليمني. بلقنة اليمن اذا نجحت ستكون خسارة فادحة لدول الخليج برمتها. وهي تحد كبير لقوى الوحدة والتغيير في العالم العربي. ان فشل القيادة السياسية في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية وإصلاح النظام السياسي يفسح المجال أمام تنامي الدعوات للانفصال والفدرلة، علما بأن مطالب الديموقراطية والتغيير لا يمكن أن نفصلها عن وحدة المجتمع وألا تصبح الأهداف غير ديموقراطية لأنها تستثني جزءاً من المجتمع ذاته. يجب التمييز بين قوى التغيير والقوى الانعزالية والتفتيتية, الواقعة في شبكة المخططات الأجنبية، خاصة أن الاستبداد يحاول التخفي أحيانا بشعارات الوحدة والتغيير. كما أن دعوات تفتيت المجتمع تختبئ أحيانا تحت شعارات ديموقراطية. وهكذا نرى أن مطالب العدالة والديموقراطية التي تنادي بها جماهير الشعب اليمني تسخر من القوى الانفصالية لحرفها عن أهدافها الحقيقية وتحويلها الى مجرد مطالب تفتيت وتدمير للنسيج الاجتماعي والثقافي لليمن، والعودة به الى العصور الحجرية. ومن مفارقات الوضع في اليمن، انزلاق الحزب الاشتراكي في الدعوة إلى الانفصال، فقد دعا نائب الرئيس الأسبق علي سالم البيض الى العصيان المدني في عموم المحافظات الجنوبية، والالتحاق بـ«مسيرة التحرير والاستقلال واستعادة دولة الجنوب، وفك الارتباط بين جنوب اليمن وشماله». كما أن القاعدة وهي «نتاج ردة» لا تاريخية ومعها أخواتها من الحركات السلفية الجهادية أعلنوا عن تأييدهم لما يسمى بالحراك الجنوبي (الانفصالي) بزعامة الحزب الاشتراكي اليمني (العلماني). واذ تنتقل القاعدة الى دعم الانفصال فذلك لسببين: الأول, أن لها نفوذاً معهم في المحافظات الجنوبية, والثاني، أن القاعدة لا تنتعش ويتعاظم دورها إلا في مناخات الفوضى والصراعات الأهلية وضعف الدولة المركزية. وتحول النظام في اليمن الى دولة فاشلة. ([) كاتب من لبنان