يعود هيدغر »ليحضر« مؤخرا، في قلب الأحداث الثقافية في فرنسا وألمانيا (لا أقول في قلب الفكر) عبر ثلاثة كتب؛ الأول قيام دار »كلوسترمان« الجامعية الألمانية، بنشر مراسلات هيدغر حنة ارندت، والثاني، الرواية التي كتبتها المؤلفة الفرنسية كاترين كليمان بعنوان »مارتن وحنة« (منشورات كالمان ليفي)، وفيها تقدم رؤيتها للعلاقة التي جمعت بين الفيلسوفين، والثالث كتاب فرانسوا فيدييه »62 صورة فوتوغرافية لمارتن هيدغر« (منشورات غاليمار، سلسلة لانفيني). حول هذه الكتب، المقاربة التالية: تبدو عملية »فتح صناديق« الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، والولوج إلى أعماق »أرشيفه« الخاص محاولة حقيقية لفهم هذه القوة المشتعلة التي وسمت علاقته (أو علاقاته!) الحميمة مع الفيلسوفة حنة أرندت بين عامي 1925 و1930. من هنا تجيء عملية نشر رسائلهما المتبادلة التي امتدت بين عامي 1925 و1975 وكأنها عملية طال انتظارها، إذ انها لا شك، تلقي أضواء حقيقية على تلك العلاقة الملتهبة. بيد ان هذا الكتاب يحمل في طياته لغزا صغيرا، إذ ان غالبية الرسائل الموجودة فيه، هي الرسائل التي كان بعث بها هيدغر. وإذا عرفنا ان أرندت تحتفظ دائما بنسخة من الرسائل التي تكتبها، فإن ثمة سؤالاً يطرح نفسه: هل أخفت ارندت رسائلها الخاصة، هل أضاعتها أم دمرتها؟ على كل، تأتي دراسة رسائل هيدغر، لتخبرنا الكثير عن تطور علاقة الشغف هذا الذي جمع بينهما، في مدينة »ماربورغ« أولاً، ثم في »تلك المسافة« التي فرضها هيدغر، الذي خشية من »افتضاح أمره« طلب من حنة أرندت في العام 1926 أن ترحل وتقيم في مدينة هيدلبرغ. تجيء الرسالة الأولى حيادية نسبيا: »عزيزتي الآنسة أرندت«. هكذا يبدأ هيدغر الرسالة، التي يقول فيها ويؤكد انه سيأتي للقائها لكي »يتحدث إلى قلبها« (قلبك). ويذيل توقيعه في آخر الصفحة »مارتن هيدغر خاصتك«. كان ذلك في 10 شباط 1925. في رسالته الثانية المؤرخة في 21 من الشهر نفسه، نجد أن نبرته قد تبدلت. يقول »عزيزتي حنة« ويوقع »مارتن خاصتك«. أما في 27 منه، فيقول لها: »ثمة شيطان استولى عليّ«، وتجيبه بعد فترة قصيرة عبر نص بعنوان »ظلال« يحمل الكثير من سمات السيرة الذاتية تشرح فيه كآبتها وخوفها الطفولي وقابليتها السريعة للعطب والانثلام. يتحدث الاثنان مطولاً عما بذلاه لإخفاء علاقتهما (كان هيدغر رجلاً متزوجا)، وكانت أرندت تعيش في غرفة للخدم. كانا يلتقيان على مقاعد إحدى الحدائق، يقيمان في فنادق متعددة. إلا أن الشغف بينهما وهو بالمناسبة شغف فلسفي أيضا أدخلهما في غالب الأحيان، في مونولوغات طويلة »سقراطية«، وخاصة حين كانا يتحدثان عن عمله »الكينونة والعدم« (نشر في العام 1927)، إذ كانت ارندت تحيا بشكل مباشر مع فلسفة هيدغر التي كانت تولد لتوها، والتي جعل منها معبودته. الاشتعال حباً في نيسان 1925، يشتعل هيدغر حباً، ويدعو أرندت »محبوبتي«، فيتمنى لها ليلة طيبة، إلا أن توقيعه لم يتبدل. يقول لها في رسالة عائدة الى 13 أيار »أشكرك على حبك«، أما في 14 حزيران، فتصل أرندت رسالة من هيدغر يقول فيها »ما من شيء يقف حائلاً بيني وبينك«. بينما تبدو رسالة 26 منه، وكأنها البداية لطريقة جديدة في التراسل الذي استمر بعد رحيلها الى هيدلبرغ، إذ يوعز الفيلسوف الى حبيبته بالمجيء الى مواعيد يحددها هو نفسه: »أطلب منك أن تأتي لرؤيتي نهار الأحد في 28 حزيران، بعد الساعة التاسعة... ألوف القبل«. يبدو الفيلسوف وكأنه يعقلن بطريقة ما، هذه العلاقة. على المنوال نفسه، تأتي رسالة 17 تموز 1926، إذ يكتب: »تعالي لرؤيتي مساء الأحد (في 19 تموز).. أصبحت أعيش من الآن، الفرح الذي تسببه تلك الساعات«. في 18 تشرين الأول يرسل لها بالبريد »قبلة حب«. ثمة دعوة أخرى في 10 كانون الأول: »محبوبتي، تعالي، أرجوك غداً (الجمعة) نحو الثامنة و15 دقيقة، مساءً، الى مقعدنا.. أشعر بالسرور منذ الآن«. ولم تضعف هذه النبرة المليئة بالشغف على مر السنين. صحيح ان ثمة كيلومترات تباعد بينهما، إلا أن هيدغر يكتب لها قائلاً: »أحيا دائما في حضورك«. في 1928، يستل ريشته، وهو في كوخه الواقع في الغابة السوداء، في تودنبورغ، ليكتب »أمسك بيديك المعشوقتين بين يديّ وأقبلك من كل قلبي«. في إحدى هذه الرسائل النادرة العائدة لحنة أرندت والموجودة في هذا الكتاب، هناك واحدة تعود إلى العام 1929، تقول له فيها: »أقبل جبينك وعينيك... حنة خاصتك«، لا تترك لنا نبرة هذه الرسائل أي شك: لقد عاش العاشقان شغفا حارقا. كانت ارندت ترغب في ان تكون امرأة حياته، مثلما ترغب أيضا في أن يصبح رجل حياتها. لم تطلب أبدا من الفيلسوف، ان يطلق زوجته، إذ انها في الواقع، انتظرت ان يقوم هو بالمبادرة من تلقاء نفسه، بيد ان ذلك لم يحدث قط. والمدهش في ذلك الأمر، ان العديد من أصدقاء أرندت (من دون أن نعرف حقيقة علاقتها بهم) استمروا في تحذيرها من هذه النبرة المعادية للسامية، المتصاعدة، عند هيدغر. استمر ذلك حتى العام 1930، من دون أن تشعر أرندت بأنها أهينت لحظة، من جراء هذا البغض الموجود عند الفيلسوف، إذ بقيت متعلقة به. في العام 1933، شاهدت أرندت، هيدغر، وهو ينتسب الى الحزب النازي، الذي بقي فيه حتى سقوطه، بينما اختارت هي المنفى الباريسي، الذي بقيت فيه حتى العام 1941 قبل أن تغادر الى الولايات المتحدة. بالتأكيد تعرفت الى فحوى مضمون خطابه الشهير، يوم ترأس الجامعة (كان الفيلسوف يدرس حينذاك في فريبورغ) الذي يظهر فيه ولاءه للنازية. وبالتأكيد أيضا، عرفت ان هيدغر لم يذهب أبدا، العام 1938، لحضور مراسم دفن »أستاذه« إدمون هوسرل، لأنه يهودي. ومع ذلك علينا أن نعرف انه في تلك الأثناء، وبدءا من 1936 1937، بدأ هيدغر (زوجته إلفريد كانت هتلرية متعصبة ومناضلة) بالابتعاد عن النازيين، وصرف جل وقته للفلسفة. والمدهش أكثر انه ما ان انتهت عملية ابتعاد هيدغر عن النازية (وقد ترجم ذلك عبر منعه عن التعليم لمدة 5 سنوات) حتى سافرت أرندت الى ألمانيا (1950) لتلتقي بهيدغر مجددا، ولتعود وتسقط في تلك النار مجددا. عادا ليصبحا صديقين مقربين من جديد، وهذا ما تشير إليه المراسلات. كانت مقتنعة تماما بأن هيدغر لم يكن نازيا، وألحت على ذلك بشدة، حتى ان ذلك كان السبب الرئيسي في نشر أعماله في الولايات المتحدة. لقد جاهدت في »غسل« كل الاتهامات التي وجهت إليه. ما ذلك كله، إلا لأن ذكرى ذاك الشغف كانت تسكن حنة أرندت في أعمق أعماق قلبها. تقول إن كتابها »شرط الإنسان المعاصر« مدين »بكل شيء تقريبا، وبجميع وجوهه« الى فكر هيدغر. في العام 1974 أي قبل سنة من موتها (وقبل سنتين من موت عشيقها القديم) كتبت له قائلة: »ما من شخص يستطيع إلقاء محاضرة كما تفعل، وما من أحد كان جديرا بالقيام بذلك قبلاً«. كان هيدغر، وبشكل متعاقب، يشكل بالنسبة الى أرندت، أستاذها وحاميها وصديقها. حين التقيا في ماربورغ العام 1925، حيث كان الفيلسوف يدرِّس بدءاً من 1922، كان كل شيء يجعلهما متناقضين. كانت في الثامنة عشرة، أما هو فكان في الخامسة والثلاثين، على قدر من الشهرة، إذ أطلق عليه اسم »ساحر مسكيرش الصغير« (مسقط رأسه). كان كاثوليكيا، أما هي فتتحدر من عائلة يهودية. ألماني من الجنوب، بينما هي من مدينة كنط الشمالية، مدينة كونغسبرغ. هو رجل هادئ، أما هي فامرأة مضطربة منذ وفاة والدها، لما كانت في السابعة من عمرها. امرأة جاهلة في أمور الحب، إذ كان هيدغر حبها الأول، بينما هو يدهش جميع طلابه ويسحرهم. كانت امرأة شغوفا، علّمت هيدغر كيف يحب بقسوة. بالرغم من أن الكثيرين كانوا على علم بهذه العلاقة بدءاً من العام 1949، أي حين أفشت ارندت بها الى كارل ياسبرز، كما تحدثت عنها في رسائلها الى ماري ماكارثي، إلا أن كتاب المراسلات هذا، مهم جدا. فإصدار رسائل هيدغر قد يغيّر المنظور الذي نعرفه عن ذلك الذي رغب دوماً في أن يكون كبير فلاسفة الكينونة، كما أن حنة ارندت، كبيرة فلاسفة السياسة والتاريخ المدينة بذلك، كما تقول، الى صديقها القديم. جاء الإصدار هذا، ليكون حدثا كبيرا في ألمانيا مؤخرا. الصحافة بأسرها خصصت مقالات طويلة عنه، حتى أن بعض الصحف أفردت له صفحات خاصة. على كل، ربما حل مكان هذا التمثال الرخامي الذي يمثل هيدغر، رجل أقل انفصالا عن جسده، مما نعتقده حين نقرأ أعماله. تعارف جسداهما أسرع من فكرهما من هنا، نخال قبل الدخول الى كتاب كاترين كليمان »مارتن وحنة« الى اننا سنكتشف أكثر، هذا الرجل غير المنفصل عن جسده، بيد ان الكاتبة توقعنا في خيبة أمل كبيرة. فحين تجعل الكاتبة من قصة الحب هذه التي وسمت حياة أكبر فيلسوفين في القرن العشرين، رواية شعبية اتفاقية، تسقط كليمان في معاصرة بائسة، فتتكلم عن »الشغف الحقير« والرغبة في جعلنا نعتقد بأن الأمر، ما أن يتعلق بالعواطف، حتى يصبح الجميع متساوين، ويقعوا داخل تلك التصرفات الطائشة عينها، وداخل وقاحة الروح نفسها. حتى وإن كان المسار الثقافي لأبطال الرواية مارتن وحنة يستدعى بشكل متواصل، إلا أن عمق القضية ليس هنا، ليس في هذا المثلث القديم الذي يشكل زوايا »الفودفيل«: الزوج، المرأة الشرعية والعشيقة. تسبب الزيارة الأخيرة التي قامت بها العشيقة القديمة حنة، الى عشيقها القديم مارتن، مواجهة أخيرة مع الزوجة إلفريد، التي تبدو كأنها، ربما، الشخصية الرئيسية للرواية، حتى وإن كان اسمها لا يظهر في العنوان. ربما أعجب هذا الأمر القارئات اللواتي يتماهين مع دور المرأة الخفية. إذ اننا في الكتاب، أمام صراع نساء حول رجل، أمام غيظ متعاقب، أمام عنف متواطئ سريع الزوال. ربما كان ذلك هو السبب في دفع السأم الى قلوب الذين لا يحبون هذا النوع الأدائي، وربما كان أيضا قليل التسلية لمن يتذوقون هذا النوع. إلا أن ما لا تقوله كليمان في ما وراء الحكاية نفسها يبدو أكثر انشغالاً لبالنا، إذ تعتقد الكاتبة ان ثمة تساويا في البلاهة والغباوة أمام الحب والجنس، أكنا من المفكرين أم لا، وإلا فمن المستحيل ان نجعل كلاً من مارتن وحنة يتحدثان على النحو التالي: »في تلك اللحظة، تعرف جسداهما على بعضهما، أسرع مما تعرف فكرهما على بعضهما، تعارف أكثر حيوية من الحرب، من الدهشة نفسها...« أو »مارتن، لا تغرق مجددا. لم ينته عملك بعد. أنت أكبر فيلسوف في القرن العشرين. ما السبب في جعل نفسك داخل هذه الحفرة الرهيبة؟ أخرج من هنا فورا! في الماضي كتبت رسائل عن يدي، ألا تشعر بحرارتهما؟«. على كل، تأتي خيبتنا حين نرى ان كاترين كليمان، تستولي على موضوع مدهش، ومن أكثر من زاوية. فتشكل الكاتبة الثقافي، كان ليسمح لها بأن تقود تأملاً متناسقاً (ثمة مقاطع عديدة من الرواية تظهر ذلك) حول وجه هيدغر وفهم ليس فقط فكر أرندت وإنما أيضا فهم تلك الشخصية الغريبة التي كانت عليها، أي تلك الشخصية الشجاعة التي واجهت جميع الاتهامات. قد يتساءل المرء كيف ان تلك الشابة الجميلة المدهشة، التي كانت عليها في العشرينيات من عمرها، أصبحت تلك المرأة العجوز، قبل أوانها والتي تصفها كليمان جيدا والتي ماتت نتيجة أزمة قلبية عن عمر 69 سنة. على كل، حتى وإن افترضنا الذهاب الى أبعد نقطة ممكنة، في الاتجاه الذي تذهب فيه كليمان، لقول ان الأرواح الكبيرة تافهة أحيانا في وجودها اليومي، فإننا لا نستطيع أن ننسى انهما تركا خلفهما أعمالاً كبيرة، مما سيجنبنا التساؤل حول عواطفهما، أي كان من المفترض أن نكون أمام »رواية سوداء« وليس أمام رواية زهرية. صُوَر كتاب فرانسوا فيدييه ليس كتاب فلسفة. فهو لا يحمل في طياته سوى 62 صورة كان التقطها فيدييه لهيدغر بين 1958 (تاريخ محاضرته في جامعة اكس ان بروفانس) وأيلول 1969. اننا قبل أي شيء آخر، أمام إنسان، في مواقفه العامة، أو في العمل أو ببساطة وهو يتنزه فوق دروب الريف. في جزء من هذه الكليشيهات، نكتشف طبيعة تودنبرغ في الغابة السوداء، حيث كان الفيلسوف يقيم غالبا. أما الصور الأخرى فتظهره في »تلك البلاد التي كان يحبها« أو الى جانب رينيه شار الذي دعاه للإقامة عنده، حيث كان يجتمع تلامذته. وكما يشير فيدييه، ان هيدغر لم يكن ينزعج من عدسة الكاميرا، إذ لم تظهر على وجهه أبدا، تلك »العبسة« التي تصاحب الشخص المُصوَّر. كان طبيعيا دائما، ولم يبحث عن أخذ »وضعيات« ما، مثل أي »موديل«. لكن ما »يصدم« أكثر في هذه الصور هو حضور هيدغر المفاجئ، حضوره البسيط غير الساحق، العادي. إسكندر حبش