وائل عبد الفتاح، كاتب وشاعر مصري مواليد ( 1965) عن علاقته بالقراءة والصحافة والأدب والعلوم والشعر يقول: «سرت اليها كما أسير الى القدر. القراءة كانت ميزتي عن اصدقاء وزملاء أيام طفولتي... هذه الميزة منحني إياها أبي وأمي... لأكون ابنهما المميز عن اطفال الشارع». تخرجت من كلية العلوم بمعجزة. قطعت علاقتي بالعلوم بعد التخرج مباشرة... اخترت الصحافة باعتبارها المهنة الأقرب للكتابة. أحببت الصحافة من مصادر غير مصرية («اليوم السابع» الصادرة في باريس والمستقبل كذلك). عملت اولا في صحف غير مصرية وتنقلت بين صحف المهجر.. الى الصحف اللبنانبة ومن «السفير» الى «المستقبل» عبورا بـ«النهار» وحتى «الاخبار». كانت الصحافة اللبنانية هي حديقتي الخلفية، هي مكان دفاعي الاول عن اسلوبي في الصحافة الذي كانوا ينظرون إليه بغربة كبيرة. عالجت غربتي في الصحافة اللبنانية. عملت أولا في «روز اليوسف» ثم في «اخبار الادب» وبعدها في «صوت الامة» و«الفجر»، واليوم أكتب عمودا يوميا في «الدستور» الى جانب صفحتي الاسبوعية بعنوان «حكايات القاهرة» في «الأخبار اللبنانية». تزوجت من «رجاء» زميلتي في الكلية منذ 1991. ولنا ابنة وحيدة «فرح» تقترب من سنتها السابعة عشرة. « الغرام» أولى مجموعاتك الشعرية، صدرت حديثاً عن «دار النهضة العربية» في بيروت، بعد «كسالى» مجموعة قصائدك التي تنوي إصدارها ورقياً بعد أن بقيت طبعات إلكترونية نُشرت على أكثر من موقع. لماذا الشعر الآن؟ الشعر دائما.. وليس الآن فقط.. ‘كتابة الشعر قبل النشر وأهم منه... كتبت «كسالى» في سنوات طويلة... أحببت كتابة قصائدي القديمة فيه.. كدت أقع في أسرها الى الأبد.. شعرت بالخوف.. وقررت مغادرة التجربة بالقوة لا نشرها.. اختبأت وراء الفضاء الالكتروني... ووضعتها في خزانته المتخيلة... هكذا نشرت القصائد ولم أنشرها.. لعبة عوضت فراقي للقصائد ومنحتني فسحة استغرقت سنتين تقريبا. اكتفيت فيها بمناوشة الشعر مناوشات خفيفة.. ولعبت مع مجالات اخرى هي الصحافة بشكل اساسي الي جانب محاولات لم تكتمل في السينما.. أخذني فيها التجريب في لغات هذه الفنون.. مشحونا بالشعر ومعتمدا علي هداياه الخفية.. وربما ساعيا للهروب منه... واللعب في ملعب السرد الخالص (الصحافي او الدرامي).. في هذه المرحلة شعرت باستقرار ما في علاقتي مع الصحافة... بعدما بدأت بشائر الاعتراف بطريقتي في السرد الصحافي.. في الحقيقة لم يكن اعترافا ولا قبولا بالخروج عن السرب بل الملل من اتهامي بأنني أكتب شعرا لا صحافة.. ومن جهتي هو وصول الى «صيغة» ما تبعد نزوة الشعر قليلا عن الكتابة الصحافية... كنت فخورا بالخروج عن السرب ومتألما من غربتي في مجال الصحافة.. ثم قررت ان أداويه بالذهاب الى مغامرات في كتابة اخرى غير الشعر.. تصورت انني جاهز لكتابة رواية... وفوجئت بأنني أكتب «الغرام».. لم تكن الرواية عن الغرام.. لكن القصائد داهمتني... بخشونة وعنف استسلمت لهما.. راقبت الرغبة الجارفة في الكتابة بهذه الطريقة.. حاولت ترويضها... وسحبها الى عالمي القديمي الذي تعارفت عليه في «كسالى».. لكنني عجزت.. واحببت هذا العجز وهذه المداهمة التي كانت فيها القصائد مثل دفقات شلل يوسع مجرى النهر من الاحجار... في مراقبتي للاجتياح شعرت بالنقصان وبالعجز.. وأحببت ذلك جدا. مجموعتك «غرام» تُطابق عنوانها في اشتغالها على موضوعة الحب، في قصائد تحاول إعادة الاعتبار للعاطفة التي تطّل نادراً في الإصدارات الشعرية الجديدة، التي تنشغل بالجنس بشكل نافر، وبتفاصيل حياتية أخرى. هل هو الحب فعلاً؟ ام رغبتك في السباحة عكس التيار؟ .. تغريني السباحة ضد التيار فعلا.. لكنه لم يخطر على بالي وقت الكتابة.. الغواية كانت في الكتابة المتوترة عن مشاعر الغرام.. كتابة لا تعرف ما تريده.. تسير وراء الحواس وهي على شفا علاقات حب خاطفة.. متطايرة خارج العلاقات العادية.. الحواس في ارتباكها بين خبراتها وبين الوعي الذي يصاحب هروبها من الجاذبية الثقيلة... القصائد مكتوبة في لحظات بين يقظة الوعي وغفوته.. لا تستقي قيمها من أعراف اجتماعية سائدة أو مضادة.. القصائد تعيش في محيط هائل من ذاكرة وصور وخيالات وهواجس وسرد.. كلها في سياقات متضاربة.. متشاحنة.. لا سيطرة كاملة فيها إلا لخشونتها أو لشعريتها الغريبة عن خبراتي السابقة. ربما لو كتبت بخبراتي السابقة أو بانحيازاتي لكنت كتبت قصائد اخرى فيها متسمية الجنس النافر أو الرفض للعواطف والحب.. أو ربما عاندت الرومانتيكية حين فرضت نفسها أو الغنائية حينما تسربت بأقنعة جديدة.. لكنني لعبت هنا بدون قوانين إلا اللعب وتحررت من الخوف بشكل كبير وأعجبني ان السيادة الوحيدة كانت لشيء غامض لم أعرف سره.. شيء لم يستسلم لكل السياقات الجاهزة ولا حتى لانحيازاتي لأشكال أو هجراني لأشكال اخرى. الغرام قصائد عن شبق لا يسعى للتحقق... شبق في لحظة التوتر بين عالمين احدهما ثقيل ومكتمل ومعترف به والآخر خفيف وطائر وينظر له بعين الشك وعدم اليقين... وهذا تقريبا سر اختيارات شعرية لم أشعر معها بالرعب من الغنائية أو الرومانتيكية ولم أقرر فيها مسبقا الكلام عن العاطفة.. ولم أبتعد بقرار عن الايروتيكا التي أحبها احيانا في الاصدارات الشعرية الحديثة. الحكاية في قصائدك بوح مفتوح يُغني القارئ عن التلصص. فيها ما يقترب من السرد، والاهتمام بالتوصيف والاعتناء باللغة. ألا تُغريك القصيدة المُرّمزة اذا صح التعبير، القصيدة ـ البرقية التي تحتفظ بغموضها؟ .. لا أعرف ماذا تقصدين بالبوح؟ ولا اذا كان التلصص فضيلة لم أقترفها؟.. ولكنني فهمت ما تقصدين بإغراء الرمز والاختزال... والحقيقة لا أحب الرمز... أحب الحكاية وأحب اللعب مع الحكاية بأشكال مختلفة.. سرد خالص.. وشعر... و صحافة.. الحكاية لا تعني الوقائع... او التجارب او البحث عن الغرائب.. لا احب من يكتبون الحكايات الغريبة... احب الحكايات الغريبة عندما تحدث.. لكن عندما تكتب كما هي.. فصاحبها ليس كاتبا لكن هاوياً جمع تحف بشرية.. الكتابة تمر على فلاتر متعددة... مشاعر الكاتب وعواطفه.. وتجاربه.. وتأملاته تجاه العالم... «فلاتر» تخص العالم الداخلي... الكتابة هي طريقة في ترتيب الحكايات من وجهة نظر العالم الداخلي.. وفي هذا العالم اسرار ربما لا يعرفها الكاتب نفسه او لا يعيها منطقياً.. وطرق يرتاح اليها.. فيها ايضا شيفرته الخاصة. اصدقاء اعتبروني شجاعا وجريئا كعادة برج الجوزاء.. وآخرون رأوا انني طائش ونزق.. البعض كان اكثر مباشرة واعتبر القصائد اعترافات شخصية واستغرقوا في تخمين وقائع غراميات خرافية... لكن الطريق الى الشعر.. الى تلك المنطقة القادرة على استيعاب السرد والرمز والتأمل والبوح والافكار.. كتابة الشعر مثل الدخول الى الغابة.. وبالطبع لا تكفيك المعرفة ولا الخبرة وتقصي الحياة الغريبة لكي تعبر الغابة. ثمة في «الغرام» قصيدتك الصغيرة المسنودة بالأفكار أيضاً. قصيدة متأملة ومُتفكرة وتطرع معادلات من نوع ما. هل يحتمل الشعر الآن أفكاراً كبيرة في قصائد حداثية؟ وهل يمكن عزل الافكار في حجرة تذهب اليها وحيدا عندما لا تكتب الشعر..؟ اعتقد ان الشعر الآن في لحظة حرية نادرة.. لحظة استراحة من الحروب الايديولوجية... أتاحها له فقدان الامل في الوصول الى «كتالوغ موحد للشعر». في هذه الاستراحة يهرب شعراء منحازون لفرديتهم... ويمارسون ألعابا ذاتية خارج القياسات والمعايير والاحكام المسبقة. لم يعد هناك من يقلق شعراء الصوت الهادر.. وكلاء الامة وانبياءها... ما زالت تقام لهم السرادقات وجوائز الملايين... وينتظرهم جمهور من عشاق الآهات المجاريح... هؤلاء لا تحمل قصائدهم افكارا.. لكنها فكرة في حد ذاتها. قصيدة «ما يطلبه المستمعون» فيها طرافة محفوظة و«افيهات» شعرية لا أفكار، وهدفها جميعا منح طمأنينة لجمهور ممزق من حضور الخطابات العمومية السقيمة ويبحث في مثل هذا الشعر عن ترميم ذاته الجماعية. هذه ليست افكارا في القصيدة كما قلت لك... لكنها افكار عن القصيدة تمنحها النجاح وذيوع الصيت، خاصة عندما يصنعها شعراء اكثر ذكاء وعدوانية على نزوات الشعراء الهاربين الى فرديتهم. رغم النجاح الجماهيري لشعراء الترميم الا انهم يشعرون بالضيق من المغامرات الفردية المسافرة الى عالمها الداخلي... لا تفسير عندي الا انهم بالحدس يعرفون انهم محرومون من مغامرة ممتعة... ويشعرون بالملل من ساديتهم مع جماهير مازوخية... ويشتاقون ربما الى التخلي عن تلك الحمولة الفكرية الضخمة التي تركب قصائدهم وتخرجها من حظائر الدواب. الافكار نزوة.. هكذا أنظر اليها... ليست غريبة.. ولا حملا ثقيلا.. انها جزء من تركيبة طازجة أسعى اليها بدلا من السمك الميت الذي يصطاده شعراء الملايين. اقول هذا ربما تفسيرا لما لاحظته في «الغرام» لكن أريد أن اعلن عن رغبتي الجامحة في كتابة قصيدة خفيفة.. خفة لا تحتمل.. قصيدة أضع فيها لحناً شارداً للساكسفون.. أو زجاجاً مكسوراً عليه بقايا دم طازج.. قلت مرة انني أريد تحطيم ادوات القصيدة.. وأتمنى ألا أكتبها... او بالاحرى لا تحتاج كتابة.. وهذه امنيات غامضة ربما تلخص رغبتي في كتابة قصيدة تلغي المسافة بينها وبين جسدي. فنون أخرى هل أنت قارئ متابع للشعر، من أين تأثراتك الشعرية؟ من هم شعراؤك الأقرب الى ذائقتك من العرب والأجانب؟ هل تتابع الكتابات الشعرية للشباب؟ ثم ما رأيك بالمشهد الشعري العربي، المصري تحديدا؟ أقرأ الشعر وأحيانا يصيبني بالاختناق... هل قلت ان ما أقصده هو شعر الحروب الايديولوجية... وأقصد بها القصائد المكتوبة لإثبات نظريات أو هدمها في الشعر.. أكره الميليشيات الشعرية والاقطاب والمريدين.. الانبياء والصحابة... الضباط والعساكر... في الشعر يسير الشعراء نحوي فرادى.. أصاب بالاختناق الذي حدثتك عنه مع شعر بلا صوت صاحبه.. تسمعين فيه حشرجات اصوات الآخرين وسعادتهم بالدخول في الجوقة... الشعر الآن يسير باتجاه المقامرة الخالصة.. المقامر هو آخر الشعراء... هو القادر على الخسارة ما دام سيستمتع باللعب. افشل دائما في الاجابة عن سؤال التأثر لانني أكون مضطرا الى اختزالات مرهقة.. سأقول اسماء مثل محمود درويش وسعدي يوسف وأنسي الحاج وأمل دنقل وسركون بولص ووديع سعادة.. ومع هؤلاء ان لم أكن قد نسيت اسم أحد مهم من بينهم، رحلة البحث عن الشعر... وكلما تخمرت الذائقة تعقدت العلاقة.. خاصة ان الذائقة تميل الى التأثر بتجارب ليست في الشعر... ولكنها تجارب تثير ذاكرتي وهي ذاكرة بصرية... تتحول فيها التفاصيل الى صور والكلمات الى مشاهد. أميل الآن الى مزاج يجمعني مع اصدقاء من اعمار قريبة مثل ايمان مرسال واحمد يماني وياسر عبد اللطيف، ومؤخرا اسامة الديناصوري. مزاج لا أتفق فيه مع هواهم الشعري ولكن أقترب من اختيارهم للعلاقة بين الشعر والحياة. لا أرى نفسي أسير جيل أو عمر.. صداقاتي من أعمار مختلفة والمعيار ليس السن ولا طول العشرة.. بل القدرة على التخلص من حملات ثقيلة وقمامات يلقيها العالم علينا لنكتشف ما لا نعرفه سويا... وكلما كان الكاتب أو الاديب أقرب الى صعلكة خارج الاسراب (المضبوطة على ايقاع المجتمعات او الكارهة لها).. وطعما طازجا كلما شعرت بمشاعر من يتلقى هدية... في مدينة مزدحمة.