As Safir Logo
المصدر:

نصر حامد أبو زيد ووهم تحرير الدين من الوهم

المؤلف: حرب علي التاريخ: 1999-09-17 رقم العدد:8402

أثناء شهادتي في حلقة »حوار العمر« التي خُصصت لنصر حامد أبو زيد وزوجته ابتهال يونس، لم يكن بالإمكان خلال دقائق معدودة، أن يُبث من كلامي كل ما قلته وتمّ تسجيله. من هنا كان القطع أو البتر الذي تعرضت له مداخلتي. ولعلها مشكلتي أنا الذي أتحدث عن عصر الميدياء المتسارع، في حين انني أتعامل معه بعقلية ما قبله. وإذا كان الإعلام المرئي يحتاج الى الكلام بصورة برقية ومشهدية، فلعل الإعلام المكتوب يتيح لي أن أعرض كل ما قلته أثناء المداخلة أو ما كنت أرغب في قوله ولم أقله، وذلك على سبيل الإيضاح لآرائي حول قضية أبو زيد ومحنته أو حول مهمته ومهنته. شخصياً التقيت بالدكتور نصر في العائم الفائت، أثناء ندوة فكرية عُقدت في غرناطة، وقد وجدته ودوداً وصاحب ظرف. ولا أزال أذكر انه افتتح مداخلته بنكتة مصرية مبتكرة حول معنى الديموقراطية ومآلها، أطلقها أحد المصريين في زمن لطفي السيد، عندما طرح الشعار أول مرة. فكرياً تعود معرفتي به الى مطلع الثمانينيات. فقد لفت نظري كتابه »فلسفة التأويل« حول فكر ابن عربي، إذ وجدت فيه مقاربة جديدة تتجاوز النظرة الاختزالية والسلبية للتراث الصوفي، وكنت يومئذ منهمكاً بإعادة اكتشاف هذه القارة المعرفية التي تعامل معها دعاة العقلانية بصورة غير معقولة. ومن بعدها صرت أتابع أعماله. ولما صدر كتابه »مفهوم النص« الذي استند إليه خصومه في توجيه التهمة له بالارتداد عن الإسلام، كتبت عنه دراسة نقدية نشرتها في كتابي »نقد النص«. وبالطبع كان لي غير مقال، متضامناً أو معلقاً وناقداً، إبان محنته كما تمثلت في محاكمته ونتائجها المعروفة، وأهمها القرار القضائي بفصله عن زوجته واضطراره الى اختيار المنفى، وهو الذي مارس بالرغم من إرادة النفي والإلغاء، وربما بسببها، حضوراً واسعاً ومضاعفاً، إذ ذاع صيته وانتشرت كتبه وتلازمت قضيته مع قضية الحريات في العالم العربي. محنة الحريات لا مُراء ان محنة الدكتور نصر وزوجته شاهد على أزمة حرية التفكير والتعبير التي تتراجع، عندنا، عما كانت عليه أيام طه حسين وإسماعيل أدهم، بل هي تتراجع عما كانت عليه في العصر العباسي، إذ وُجد يومئذ أشخاص أنكروا النبوات وكذبوا الرسل وفضّلوا الفلسفة على الشريعة، من غير أن يتعرضوا للأذى المادي أو المعنوي، كالرازي والمعري والفارابي. وقضية الحريات تتلخص في التعارض بين المحرم والمباح أو بين القوة والحجة أو بين النص والعقل، والأحرى القول بين عبادة الأسماء والأصول من جهة، وبين إرادة الخروج ومنطق المساءلة والمعارضة من جهة أخرى. هذه المشكلة لا يخلو منها مجتمع قديم أو حديث. والشاهد ما حدث لغارودي في فرنسا في العام الفائت، إذ منع من إعادة النظر في مسألة »المحرقة« اليهودية، التي أقفل الفرنسيون ملفها واعتبروها من المحرمات التي لا يجوز الكلام فيها بصورة من الصور، تحت طائلة المحاكمة والعقوبة. وأبلغ من عبّر عن هذه المشكلة الأزلية، هو مؤرخ العقائد الشهرستاني الذي قال بأن أول شبهة وقعت في الخليقة، كانت شبهة إبليس الذي استكبر على الأمر الإلهي بقياس العقل. ومعنى القول ان مشكلة المعارض الأول تجسدت في تشغيله عقله. ولعل هذه مشكلة أبو زيد: انه أخضع النص والأمر للسؤال النقدي والفحص العقلاني أو التحليل التاريخي. إذن هو واجه الأمر والمنع، بالمساءلة والشك والنقد، فيما المطلوب هو السكوت والرضوخ، وإلا المحاكمة أو الطرد والنفي خارج اليقين ومعسكراته الدغمائية أو خارج الوطن وجماعاته الأصولية. وبالطبع هذه هي مشكلة كل الذين يستخدمون عقولهم بجرأة وحرية في التعامل مع ثوابت الهوية والعقيدة. تمويه المشكلة من هنا ليست القضية مجرد خلاف في الاجتهاد، كما جرى اختزالها وتمويهها، من جانب معظم المثقفين والكتّاب العرب. فليس الدكتور نصر فقيهاً يختلف مع زملائه في فهم النصوص وتفسيرها، كما يحاول هو أن يوحي في أحيان كثيرة على سبيل التقية والمداورة، ولا هو لاهوتي أو عالم كلام يدافع عن العقيدة أو يشتغل بحراسة الديانة من الشبه والانحرافات. وإنما هو مشكك معترض، حاول كشف الغطاء وتمزيق رداء القداسة، بقدر ما تعامل مع النص القرآني كخطاب بشري أو كنتاج ثقافي، وبصورة تنسف أساسه اللاهوتي أو نظامه الديني. من هنا ليس ثمة داعٍ لأن يغضب الدكتور نصر أو أن يلبس لبوس الإيمان، عند مساءلته عن حقيقة موقفه من ظاهرة الوحي، ما دام هو يدخل على هذه الظاهرة من مدخل عقلي لا من مدخل إيماني، وذلك انسجاماً مع موقفه الأصلي: ممارسته حريته الفكرية في التعامل مع هويته التراثية وحرصه على استقلاليته تجاه القوى التي تمارس الوصاية على الإيمان والعقيدة أو على العقل والحقيقة. بالطبع إن العلماء قد تعاملوا، في الماضي، مع النص القرآني كما يتعاملون مع النصوص الأخرى، ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، إذ إن فهم النص وتأويل آياته أو تدبر معانيه وتطبيق أحكامه، كلها أفعال بشرية، أي هي دنيوية محايثة وأبعد ما تكون عن صفة الألوهية والتعالي. بهذا المعنى كل تعاطٍ مع النص هو إعادة إنتاج للمعنى، على سبيل الزحزحة والإحالة أو الصرف والتحويل أو التشريح والتفكيك. وهذا شأن النصوص عند خضوعها للقراءة، أياً كان مصدرها. وإذا كان هذا ما فعله القدامى، فإنهم لم يصرحوا بأقوال تشكك بألوهية الظاهرة المتمثلة في الوحي، أي لم يقولوا قول أبو زيد بأن النص عينه هو نتاج بشري، أو قول أركون بأن القرآن هو ذو بنية خرافية، وسوى ذلك من المواقف المعرفية التي أثارت، بجرأتها، ردات الفعل السلبية أو العدائية في الأوساط الدينية الإسلامية. ومع ذلك لا أقول بأن أبو زيد هو أقل إسلاماً من الذين أخرجوه من الإسلام، أو حتى من غارودي الذي تبنّى الدين الإسلامي كعقيدة ومشروع خلاص. فهو بالرغم من اتهامه بالردة، ينتمي إلى الإسلام كعالم رمزي وفضاء حضاري. وإذا كان يتعارض، في أفكاره ومباحثه، مع الإسلام بوصفه مجموعة مقررات عقائدية أو أحكام فقهية تتعالى على الحياة اليومية والوجود المعيش، فإن نقده للنص والتراث دليل على حيوية التفكير وديناميكية العقل، بقدر ما يسفر عن إنتاج معرفة جديدة بالنص والواقع. مثل هذا العمل النقدي هو أكثر أهمية وفائدة للمجتمعات الإسلامية والثقافة العربية من دخول فيلسوف غربي كروجيه غارودي الى الدين الإسلامي. فالإسلام يستمد مصداقيته لا من دخول شخص إليه، مهما علا شأنه، بل من قدرة أهله على إيجاد صيغة حضارية تجعلهم، على الأقل، يتقبلون بعضهم بعضاً، من غير استبعاد متبادل أو من غير اتهام بالردة والكفر. بهذا المعنى ان دخول غارودي الى الإسلام يعزز النرجسية الدينية والعقائدية لدى المسلمين. أما إخضاع النصوص للتحليل العقلي أو للتشريح المعرفي، فإنه بقدر ما يجسد حرية البحث والتفكير من غير مصادرة، قد يفتح باباً للمعرفة أو يفضي الى اجتراح أداة مفهومية أو ينجح في استحداث أفق للتجديد الفكري، بالإضافة الى كونه يسهم في إعادة تشكيل الهوية الثقافية والمجتمعية بصورة أغنى وأقوى، حتى لا تحولها المؤسسات الإيديولوجية والحراسة العقائدية الى مجرد أسماء جامدة أو ترسبات تراثية أو بقايا تاريخية، لا فعل لها سوى إعاقة سيرورة النمو والازدهار أو شل إرادة الخلق والابتكار. الحاجة إلى الحرية حرية التفكير، بالاستناد الى كشوفات البحث العلمي أو النظر الفلسفي، من المناهج والنظريات، أو من الأدوات والمعلومات، يحتاج إليها الكل، بمن فيهم أعداؤها والذين يعملون على مصادرتها، كما أثبتت الأحداث والتجارب. وما حدث لعبد الصبور شاهين الذي وجّه التهمة لنصر حامد أبو زيد منذ سنوات، لكي يُتهم بمثلها منذ شهور على اجتهاداته حول أصل آدم، هو أبلغ شاهد على أن مواقف الانغلاق والتطرف والاستبعاد للغير، قد ترتد على صاحبها. ولعل عبد الصبور شاهين تماهى مع ضحيته الذي امتُدح لجرأته العقلية، والذي جعلت منه محنته نجما ثقافيا عربيا وعالميا، فأراد أن يلعب اللعبة نفسها، وأخضع النص القرآني لتفسيرات، رآها علمية، فكان ان ارتدت عليه بتهمة الارتداد. وحسناً فعل الدكتور نصر بدفاعه عن حق الشيخ عبد الصبور في حرية التفكير، بعد أن وقع في نفس الفخ الذي نصبه له. مثل هذا المأزق يدعو الى إلغاء قاعدة الارتداد، كي لا يبقى الكلام على حقوق الإنسان في الإسلام أقرب إلى التبجح أو من قبيل الزيف والتضليل. ولكن ذلك لا يعني ان الجدال بين أبو زيد وخصومه، على ساحة الفكر، في ما هم مختلفون فيه، هو مجرد صراع بين علمانيين وإسلاميين. فحرية التفكير هي أوسع وأخطر من أن تختزل على هذا النحو الإيديولوجي، لأن مصائر الحريات مع الأدلوجات والأحزاب والأنظمة العلمانية، لم تكن أفضل من مصائرها مع العقائد والحركات الدينية أو الأصولية، بعد أن تحول التنوير الى لاهوت حديث، وبعد أن تكشفت مشاريع التحرر والتقدم والتنوير عن استبدادها وتراجعها وظلماتها. إنها أزمة ثقافة تنتج طغاة ومستبدين في السياسة، ومثقفين، نرجسيين نخبويين، يستبعد بعضهم بعضاً عبر مداركهم الكلامية وحروبهم الرمزية، مما يشهد على ان اهتمام المثقف بقضية الحرية هو مجرد مهنة كلامية يمتهنها ويعتاش منها، إذ هو ليس أقدر من سواه على ممارسة الحريات. بهذا المعنى يبدو العلماني والأصولي وجهين لعملة إيديولوجية واحدة، مفرداتها الفكر الأحادي والعقل التبسيطي، إرادة السيطرة وعقلية الإدانة، استراتيجية الرفض المتبادل وخوض الصراعات لا من أجل جماهير الأمة، بل عليها، كما تجسد ذلك في محاولات المثقفين، على تعارض اتجاهاتهم، احتكار القيم العامة، أو ادعاء القبض على واقع المجتمع، أو مصادرة الوعي القومي والديني، من خلال تهويماتهم المثالية ومشاريعهم الطوباوية المستحيلة. وهذا هو المسكوت عنه في الخطاب الإيديولوجي: رغبة أصحابه في القبض على أحلام الناس والسيطرة الرمزية عليهم، بوصفهم قوى قاصرة تحتاج إلى من يفكر لها أو عنها. وهذه المهمة الفاشلة أنتجت الفضائح التي تمثلت في عقليات المثقفين الاستبدادية، كما أنتجت الكوارث، إذ عادت بالبلاد والعباد الى الوراء في غير بلد من البلدان التي ازدهرت فيها مهنة الدعاة والمثقفين، قدماء ومحدثين. من هنا نحن نتجاوز الآن ثنائية الدين والعلمانية، بعد انهيار المشروعات الإيديولوجية القومية والماركسية والدينية، نحو سياسة فكرية نتوقف معها عن ادعاء امتلاك الحقيقة والوصاية على الحرية والأمة، لكي نتعامل مع الأفكار والهويات بصورة حرة ومفتوحة، غنية ومركبة، مرنة وتحويلية. في هذا الصدد أنا لا أخشى، مثلاً، أن يحكمني أناس يتعاملون مع عقائدهم وتراثاتهم بصورة نقدية أو بشكل مفتوح على الآخر والحدث، كالشيخ الرئيس محمد خاتمي، أو كالأب غريغوار حداد، أو كاللاهوتي الكبير، الراحل، تيلار دي شاردان. ولكني أخشى أن يحكمني الشيخ المقيم في قم أو في الأزهر، والذي يكفر من يخالفه الاجتهاد، حتى في مسائل هامشية كنبوة آدم، هي أشبه بالجدل البيزنطي حول جنس الملائكة. كذلك أخشى أن يحكمني الشاعر الذي يقول لا أرى شعراء حولي، أو القومي العلماني الذي يطالب بالوحدة العربية ولو فني نصف العرب، أو اليساري التقدمي الذي يفكر بحسم مسألة الوحدة الوطنية في لبنان ولو قُتل مليون لبناني. في ضوء ذلك تبدو الأولوية معكوسة الآن، أي أنها تتمثل في تحرر المجتمعات العربية من وصاية المثقفين حول الحقيقة والحرية والهوية. ولعل هذا ما تفعله الآن الشعوب العربية، بقطاعاتها الفاعلة، إذ هي تدير ظهرها للمثقفين، ولم تعد تثق بدعاويهم وطروحاتهم ومشروعاتهم، التي كان لها أثمان باهظة على حياة الناس ومصائرهم. مهمة مستحيلة بقيت نقطة أخيرة وهامة، تتعلق بالنتاج الفكري لأبو زيد، وهو نتاج تتداخل فيه الجدة المعرفية والجرأة المعرفية. وذلك بقدر ما يتردد صاحبه بين مهنة الباحث المحلل ومهمة الداعية المناضل. والجدة المعرفية تجسدت في تحليلات أبو زيد للنص القرآني، للكشف عما حجبه أو سكت عنه، سواء من حيث قواعد تشكله وانبنائه، أو من حيث استراتيجيته في إظهار تفوقه وتمايزه، أو من حيث آلياته في تثبيت سلطته وفرض قوته. ولا مراء أن قارئ أبو زيد يقف على هذا الصعيد على الجديد المعرفي، وإن كان تحليلاته، في هذا الخصوص، أقل تعرية وغوراً أو أقل جدة وأصالة من تفكيكات الأستاذ أركون. غير أن الجدة المعرفية لم تستلفت نظر خصومه، لأن الذين استأثر باهتمامهم وأثار سخطهم، هو الجرأة المعرفية، كإنكار وجود الجان، وسوى ذلك من منتجات العقل الديني أو الخيال الأسطوري. وتلك هي ورطة أبو زيد: فقد عُومل كداعية يسعى الى تحرير العقول من الأوهام والخرافات أكثر مما عومل كباحث محلل يسعى الى فهم الظاهرات وعقلنة الممارسات. ولعله أسهم في تقديم هذه الصورة عن نفسه، شأنه بذلك شأن معظم المثقفين العرب الذين تغلبت عندهم مهمة الداعية والمناضل على مهنة الباحث والمفكر. ومهنة الدعاة منسوجة من المفارقات والفضائح، لأن الداعية يتلاعب بالعقول فيما هو يدعي النطق بالحقيقة، ويؤسس للتمايز والاصطفاء فيما هو يطالب بالعدالة والمساواة، ويمارس الاستبداد والإرهاب فيما هو يدعو الى التنوير والتحرير. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بتحرير الدين من الأوهام والأساطير على ما هو مطلب أبو زيد؟! عندها تصبح المهمة مستحيلة، لأن الدين يضرب بجذوره في أقاليم اللامعقول، ولأن الجماعات البشرية هي مصانع رمزية لإنتاج السحر والخرافات والعبادات أو الطقوس. ولعل هذا شأن الفرد، أكان يشتغل بالأفكار والعلوم أم بسواها: انه يحيا وسط اللامعقول، ويقيم في بحر هواماته وأطيافه، الأمر الذي يجعل من كل دعوى مطلقة، أكانت الحاكمية باسم الله أو الأمة، أو أي اسم وحيد أوحد، دعوى مفخخة بالوساوس والهواجس منسوجة من النوايا العدوانية، توكيداً لمقولة: اهبطوا بعضكم لبعض عدو، وإلا كيف نفهم النزاع والاقتتال بين أهل الدعوة بدءاً من عصر السقيفة الى ساحات الاختلافات الوحشية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة؟! الدعوة مقتل الفكر في ضوء ذلك ليست المهمة تحرير الدين من الوهم، بل تحرر المرء من أوهامه الدينية وغير الدينية، فلسفية كانت أو علمية. وهذه مهمة لا تتوقف. وتلك هي المفارقة: فالبشر لا ينفكون، عبر اجتماعهم، عن إنتاج الوهم والخرافة والسحر، كما تشهد تصرفاتم في هذا الزمن الألكتروني، وفي أكثر المجتمعات تقدماً على الصعيد العلمي والتقني. ولذا فقدرهم أن يُخضعوا للتشريح والتحليل مفاهيمهم ومعاييرهم أو أدواتهم ومؤسساتهم، للخروج من واقع العجز والفقر الى واقع الخلق والاقتدار، أو لفهم ما تفاجئهم به الأحداث والتجارب والأعمال من الممارسات البربرية والمنازع الاستبدادية. وهذا العمل يكتسب أهميته الفائقة، خاصة عند بلوغ الأزمات الحضارية أو الوقوع في المآزق الوجودية، كما هي حال المجتمعات العربية. بهذا المعنى ليس المهم الآن الانتصار لهذه الدعوة على تلك ولا للجدل الماورائي حول ألوهية الخطاب الديني. فنحن لا نملك في النهاية سوى النص وعقلنا الذي نُعمله به كي نتجدّد أو نتغير فكراً وهوية أو فعلاً وممارسة. ولذا فالمهم هو ما ننتجه حول النص والخطاب أو حول الواقع والعالم، من الحقول والمناهج أو من النظريات والمدارس، أي ما به نغني ثقافتنا أو نوسع الرأسمال العقلي للمجتمع البشري. لقد أتخمنا دعاة ومناضلين فاشلين، من الطراز المنقرض الذي يكرر على مسامعنا عشقه الكاذب للحرية التي طالما أسهم في تقليص مساحاتها أو في تخريب أجوائها. من هنا فالمجدي الآن هو إخضاع الدعوات والمشاريع التي تحترق على أرض الواقع اليومي، الى عمل النقد والتفكيك، لكي نفهم كيف تنقلب الدعوة الى الوحدة فرقة أو كيف تنتج الحرية استبداداً؟ هذه هي مهمة العاملين في حقول المعرفة وميادين الفكر كما أفهمها وأمارسها، بعد ان باتت المهام النضالية مقتل المفكر والعالم والفيلسوف: أن يحارب أحدنا، في عقله، الداعية أو الرسول أو المناضل، وسوى ذلك من الشواغل والهواجس، التي تصادر حرية التفكير بقدر ما تخنق طاقة المرء على إنتاج الأفكار الخصبة أو المفاهيم الخارقة أو المبادرات الخلاقة. وإلا كيف نفهم أننا حتى الآن نكرر شعار الحرية من دون القدرة على إغناء المفهوم وتجديده؟ بل كيف نفهم انه بعد مئة عام على إطلاق الدعوة الى تحرير المرأة في مصر، تتعرض المرأة المصرية بالذات الى الاضطهاد والعنف، من جانب الرجل الحداثي والتراثي على السواء، كما تعترف هيئات الدفاع عن المرأة، وكما اعترفت ابتهال يونس زوجة نصر حامد أبو زيد في الحواء المتلفز الذي أجري معهما؟ مثل هذا السؤال يفتح نار النقد على مفهومنا للحرية، إذ هو مكمن العلة ومنتج المأزق، أي هو الذي يعيد إنتاج الاستبداد بقدر ما تستبد بأصحابه هوامات الحرية وتهويماتها الايديولوجية. إن الممكن هو إعادة النظر والتفكير في مسألة الحرية، في ضوء علاقتها بالمعنى والقيمة أو بالسلطة والقوة أو بالمعرفة والثروة، وبصورة تجدد المفهوم وتشكل فسحة تنويرية، بقدر ما تفتح إمكاناً جديداً لتشكيل معايير وعلاقات نتحرر بها من بعض القيود التي نصنعها بأنفسنا. ولذا أراني أختم مداخلتي التي طالت بتوجيه التحية الى الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي حضر من منفاه الى بيروت في زيارة شكلت حقاً فسحة تنويرية، باللقاءات الفكرية الحية التي أتاحتها، والمناقشات الخصبة التي دارت خلالها حول قضايا ومسائل هامة وأساسية في الثقافة العربية. علي حرب

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة