كيف يمكن القول إلى اللواتي يبكين موت سهام صالح عبد الرازق، إنها رحلت لترتاح؟ هن لم يعتدن المشرفة على روضة الأطفال في «مؤسسة غسان كنفاني» في مخيّم البرج إلا حاضرة وناشطة بينهن، في أي وقت وفي أي مكان. أمس، كانت الوجوه في «المركز العربي» في المخيم ثكلى من هول صدمة الحيل المفاجئ الذي وقع في 24 الجاري بسبب مرض لم يتم تحديده وإنما سبّب الوفاة. وجوه غاضبة من موت تغلّب على من تنبعث منها الحياة بكل قوة، واستقوى على ضحكة لا تفارق محيّاها، حتى في صورتها الأخيرة. تلك الصورة التي ارتفعت فوق مسرح «قاعة فلسطين» في المركز، وحولها إكليل من الزهر الأحمر والأصفر والأبيض. في مقدّمة الحضور، كانت الناشطة آني كنفاني وإلى جانبها ابنتها ليلى، تبكيان سهام. قالت ليلى: «فرحنا حين قصدت المستشفى لتلقي العلاج، بعد آلام في الصدر. كانت تقول إنها حساسية، كلما نصحناها بزيارة الطبيب. وإذ بها تدخل المستشفى لتغيب...». كانت آني تحمل صورا لسهام في حقيبتها. تبرهن الصور عن شخصية ابنة الثمانية وأربعين عاما التي رسمتها المشاركات في تأبينها أمس. في الصورة، كانت ترتدي الأصفر الداكن، وتبدو ضاحكة ومتفاجئة. قالت ليلى: «التقطت الصورة حين أعلنا عن تكريمها وتقديم هدية رمزية لها»، وأضافت: «الكلام الجميل الذي يقال عنها، يعبّر فعليا عنها. وهذا ليس كلام ما بعد الموت الذي تعوّدنا على سماعه». إلى جانب ليلى، كانت آني تمسح دموعها محاولة الاستقواء عليها بمحرمة لم تعد تتسع للدموع. يتقطّع كلامها كلما تذكرت سهام بموقف... وبصوت يرتجف، قالت: «كانت إنسانة رائعة، عملت معنا طوال ثمانية وعشرين عاما بتفان... لا يمكن أن نتقبّل ما حدث معها... كانت دائما هنا وبيننا... كانت تعمل حتى آخر أسبوع من حياتها». اختارت آني في وصف سهام كلمة «فدائية»، معتبرة أنها خسارة لكل المخيّم. وقد تذكرت كيف نقلت سهام الروضة إلى منزلها حين اضطرت المؤسسة إلى إيقاف التدريس فيها بسبب أعمال في البناء. ولعلّ في ما سبق ذكرى من عشرات الذكريات التي يحفظها أهل المخيم عن سهام وقد عملت معهم ولأجلهم في مختلف المراحل الصعبة، من الحرب الأهلية إلى الاجتياح... وآخرها كان في أثناء حرب تموز وحرب مخيمّ نهر البارد. في القاعة التي ملأها أحباؤها من أهل وأقرباء وطلاب وزميلات، اتفق الجميع على الكلام نفسه في وصف سهام: هي صاحبة الوجه الضاحك، المرأة المتفانية في عملها والموجودة دائما للجميع. وكان ذلك خلال التأبين الذي أرادته لها «مؤسسة غسان كنفاني» تأبين الأحباء لرفيقة غابت. وذكّر مدير المؤسسة فاروق غندور بقول للراحل غسان كنفاني: «ليس المشكل في من يرحل، بل إن المشكل يكمن لدى من بقي»، معتبراّ أن سهام «ربما ارتاحت من المعاناة لكنّها جرح عميق في نفوس من عرفوها، جرح أصابهم في وقت غير متوقّع». وفي كلمتها، استعادت هيفا جمال، باسم مديرة جمعية المساعدات الشعبية النروجية في لبنان وفاء اليسير، كيف كانت سهام تسهب في شرحها أمام زوّار المخيم عن الأوضاع الصعبة التي يعيشها الأهل وعن مهاراتهم: «ثم تدعوهم إلى التمعّن برسومات الأطفال». هيفا كانت تنتظر من سهام تقريرا في ذاك اليوم. في التأبين أيضاً، تحدّثت ليلى الجشّي باسم المؤسسات التربوية وقد اعتبرت سهام نموذجا يقتدى به في العمل التربوي والإنساني. أما جميلة مصطفى التي عرفتها منذ عشرين عاما زميلة ومسؤولة في المؤسسة، فذكّرت بحماسة سهام «لانجاح العمل ومتابعتها الدؤوبة لكل صغيرة وكبيرة في الشأن التربوي. بالإضافة إلى العلاقة الوطيدة التي كانت تربطها بأهل الأطفال». في ختام التأبين، تحدّث باسم عائلة الفقيدة المهندس فادي دباجة. فروى بالدمع الأسى الذي يعيشه أقارب سهام ومن عرفه. «سهام»، ناداها مرارا وهو واثق من أنها تسمعه. بعد الكلمات المجبولة بالدمع، توجّه الجميع إلى حيث «تنام» سهام... قرأوا الفاتحة وتمتموا بعضاً مما يختلجه القلب من حزن وأسى.