As Safir Logo
المصدر:

بدءاً من حقوق الزواج وصولاً إلى المسائل المالية التمييز ضد الدبلوماسيات في الخارجية

المؤلف: عيسى سامية م التاريخ: 1999-08-14 رقم العدد:8373

يجري الحديث في اوساط وزارة الخارجية والمغتربين حول التمييز الممارس ضد الموظفات في السلك الدبلوماسي الذي تنص عليه قوانين العمل في الوزارة. وتشتد نزعة الاحتجاج لدى موظفات السلك الدبلوماسي، لا سيما بعد تزايد أعدادهن في السنوات الاخيرة بشكل لافت. فبحسب مصادر في وزارة الخارجية والمغتربين يبلغ عدد الدبلوماسيات الحالي سبعا وأربعين دبلوماسية مقابل مئتين وسبعين دبلوماسيا. وفي حين تبلغ النسبة الحالية للدبلوماسيات 82،14 في المئة من مجمل موظفي السلك الدبلوماسي، فإنها لم تكن تتجاوز حتى العام 1995 ال 41،12 في المئة بحسب دراسة اجرتها الباحثتان فاديا كيوان وفهمية شرف الدين*. واذ ترى الباحثتان ان »وجود المرأة في السلك الدبلوماسي قد بدأ يتطور على نحو ايجابي... فهو لا يزال على مستوى اتخاذ القرار ضعيفا جدا«. اذ لم ترتق الى رتبة سفيرة حتى الآن سوى سفيرتان هما ميرنا الضاهر سفيرة لبنان في قبرص وعائشة انصاف سلطان، المديرة الحالية لمؤسسة المحفوظات في وزارة الخارجية. وحتى على مستوى المستشارين فلا تزال هذه النسبة ضعيفة في حدود 4،9 في المئة مقابل 21 في المئة برتبة ملحق**. فمع ان العمل في السلك الدبلوماسي يتطلب كفاءات عالية ومهارات خاصة تتميز بها النساء الدبلوماسيات، فإن التمييز المدعوم بسلطة النصوص القانونية يضع في وجه تقدمهن شتى العراقيل ويحد من تبووئهن مراكز ارفع شأنا وأكثر اهمية مما يحصلن عليه. فمن اين تستقي العقلية التمييزية مصدر قوتها؟ وما هي القوانين التي تنتقص من حقوق الدبلوماسية في وزارة الخارجية وتجعلها عرضة للانتهاك الدائم: تارة باسم القانون وأخرى لاجتهاد المسؤولين في غياب القوانين الصريحة؟ شرط العزوبية لعل القانون الاشد تمييزا بحق الدبلوماسية يظهر في المادة 12 الفقرة الرابعة (المرسوم 1306 بتاريخ 18 حزيران 1971) الذي يشترط على المرشحات لوظائف الفئة الثالثة في السلك الدبلوماسي »ان تكون المرشحة عزباء«. فمبجرد ان تفكر امرأة متزوجة بالعمل في هذه الفئة يقف القانون حائلا بينها وبين السلك الدبلوماسي، بغض النظر عن شهادتها او كفاءتها العلمية فيما لا يجد الرجل المتزوج اي عائق امامه. يبرر مصدر مسؤول في وزارة الخارجية والمغتربين هذا القانون بأن »النص مبني بالاساس على قانون الجنسية اللبناني الذي يمنع على المرأة اللبنانية منح الجنسية لزوجها الاجنبي. وتلافيا لضم نساء متزوجات من اجانب للسلك الدبلوماسي، وضع هذا القانون الذي يعود لحوالى الثلاثين سنة الى الوراء«. وتتساءل ناشطة في مجال حقوق المرأة، لماذا في هذه الحالة، لم يستثن القانون فقط النساء المتزوجات من اجانب وليس المتزوجات عموما؟ الزواج من أجنبي تواظب قوانين وزارة الخارجية والمغتربين على الانتقاص من حقوق الموظفة في السلك الدبلوماسي حين تمنع عليها الزواج من اجنبي بموجب المادة 39 الفقرة الثانية تحت طائلة الفصل من السلك الدبلوماسي و»النقل الى السلك الاداري في مدة لا تتجاوز الثلاثة اشهر من تاريخ زواجها...« على الرغم من ان زواج الدبلوماسيين من الرجال من اجنبيات مُسلّم به. تؤكد ميشلين ابي سمرا مديرة مركز الاستشارات القانونية والابحاث والتوثيق في وزارة الخارجية »ان الفقرة الثانية من هذه المادة ألغيت بموجب المرسوم الرقم 1306 بالقانون الرقم 376 الصادر بتاريخ 4/11/1994«. ولأن الفقرة الاولى من المادة نفسها، تنص على »وجوب اخذ اذن مسبق للزواج من وزير الخارجية والمغتربين، يعطى الاذن بعد استطلاع رأي اللجنة الادارية. ويعتبر مستقيلا من لا يتقيد بأحكام هذه المادة«، تتخذ هذه الفقرة وسيلة قانونية لعرقلة زيجات الدبلوماسيات من اجانب، يصل حدود المنع عبر عدم منحهن الاذن بالزواج من الاساس. وبالفعل، يروى في اوساط وزارة الخارجية عن دبلوماسية قدمت طلبا للزواج من ايطالي، الا انها لم تمنح الاذن بالزواج حتى هذه اللحظة. تعتقد بعض زميلات هذه الدبلوماسية ان »العقلية التي تتحكم في ادارة شؤون الوزارة هي عقلية ذكورية متعصبة وليدة المجتمع اللبناني التقليدي الذي يحط من شأن المرأة، ويعتبرها غير مؤهلة في ادارة شؤون حياتها بدون وصي عليها. لذا يلجأ القيمون على الوزارة للمراوغة، عبر منع الدبلوماسيات من الزواج من اجنبي باستخدام الفقرة الاولى من المادة 39. ويدعم هذه العقلية التمييزية ضد الدبلوماسيات نص المادة 12 الفقرة الرابعة، الذي يشترط على المرشحة ان تكون عزباء، بينما لا يشترط العزوبية على الرجل. مما يعني ان اخذ الاذن المسبق بالزواج قانون يقيد الدبلوماسية اكثر مما يقيد الدبلوماسي الذي يستطيع ان يترشح للوظيفة حتى لو كان متزوجا بالاساس«. يستغرب السفير المتقاعد نديم دمشقية ان تمنع الدبلوماسية من الزواج من اجنبي علما ان دمشقية متزوج من سيدة بريطانية حين كان سفيرا للبنان في لندن منذ بدايات الاستقلال. لكن لا يلبث دمشقية ان يرى في القانون الذي كان يجهله تماما بعض المنطق »اذ حين تتزوج الدبلوماسية اللبنانية من اجنبي من عائلة »دوروفسكي« على سبيل المثال، فسيصبح اسمها »مدام دوروفسكي« وهو اسم ليس لبنانيا وسيسبب الالتباس عند تمثيلها لبنان في الخارج«. ومن المعلوم ان مسألة انتساب المرأة الى عائلة زوجها بالاساس يعتبر من فصيلة القوانين التي تميز ضد المرأة في جميع انحاء العالم تقريبا. لذا، يقترح دمشقية ايجاد صيغة قانونية تسمح للدبلوماسية اللبنانية من »الاحتفاظ باسم عائلتها عوض منعها من الزواج من اجنبي«. سفير لبناني متقاعد آخر طلب عدم ذكر اسمه برر هذا القانون بوجود »دواع امنية لمنع زواج الدبلوماسية من اجنبي خوفا من احتمال تسرب معلومات عن السياسة الخارجية لبلد الزوج الاجنبي«. لكن حين سألناه عن امكانية تسرب المعلومات لبلد زوجة الدبلوماسي الاجنبية، اجاب: »الوضع مختلف. انه الرجل، وزوجته تتبع له وتحت سلطته، اما الدبلوماسية فلا تستطيع ذلك لأن زوجها يحكمها. ولأنها امرأة، فإن قوة الغرائز لديها تحد من قدرتها على كتمان الأسرار عن زوجها...«. يرفض المصدر المسؤول في وزارة الخارجية التعليق على قول السفير المتقاعد ويقول »لا اشجع الزواج من اجانب بالاساس، لكن اعتقد ان المنع يجب ان يسري على الدبلوماسيين والدبلوماسيات على السواء«، معتبرا ان »اختلاف التقاليد والعادات ستؤثر دائما على طريقة تعاطي الزوجة الاجنبية او الزوج الاجنبي مع ضيوف الازواج الدبلوماسيين. لطالما لمست هذ الاختلاف في طريقة استقبال زوجات الدبلوماسيين لضيوف أزواجهن من سفارات دول اخرى. وقد تتخذ الزوجة الاجنبية مواقف متشجنة من ضيوف دبلوماسيين علاقات دولهم مع وطنها الأم متوترة او في حالة حرب«. لكن يبدو ان تجربة السفير دمشقية تختلف عما يراه المصدر المسؤول »فزوجتي تصرفت منذ البداية كلبنانية بل كعربية في أحيان كثيرة. وهي التي لم يكن لها اهتمامات سياسية بالأساس، تبنت مواقف الحكومة اللبنانية في الخارج وعملت دائما على »تبييض وجه لبنان«. جواز السفر الدبلوماسي لا يتوقف التمييز ضد المرأة في السلك الدبلوماسي عند حدود منعها من الزواج من أجنبي، بل يصل الى مصادرة حقها بمنح جواز السفر الدبلوماسي لزوجها (اللبناني) اسوة بزميلها الدبلوماسي الذي يمنحه لزوجته وأولاده. لكن هذا الانتهاك لا يأتي من وزارة الخارجية نفسها. فبحسب ميشلين ابي سمرا »لا يوجد نص صريح في نظام وزارة الخارجية يمنع على الدبلوماسية منح زوجها جواز السفر الدبلوماسي، بل يأتي المنع من المرسوم الرقم 4780 الصادر في 22 تموز 1960 المادة الثانية المتعلقة »بإعطاء وتجديد جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة«. ويشمل هذا المرسوم تحديد من لديهم الحق بالحصول على هذه الجوازات في كافة المراكز الرسمية«. تنص الفقرة 13 من هذه المادة على منح جواز السفر الدبلوماسي والخاص الى »زوجات الاشخاص المذكورين في الفقرات السابقة وأولادهم القصّر وبناتهم العازبات اذا كن في عيالتهم«. وتعتقد ميشلين أبي سمرا ان عدم منح جواز السفر الدبلوماسي لزوج الدبلوماسية سببه »الصبغة الذكورية التي طغت على لغة النص مما سمح بتفسيره عند التنفيذ في غير مصلحة الدبلوماسيات »فالقانون يقول »أزواج« وليس »أزواج وزوجات«. لكن حين نعلم ان أولاد الدبلوماسية يمنحون جواز السفر الدبلوماسي، يسقط السبب اللغوي للنص ويبدو القيمون على تنفيذ القانون انتقائيون باستثنائهم الزوج عند التفسير والتنفيذ، والا فما الذي يبرر منح الجواز الدبلوماسي لزوجة الدبلوماسي فيما يحرم منه زوج الدبلوماسية؟ واذ يؤكد المصدر المسؤول في وزارة الخارجية ان هذا الحرمان يستند الى مرسوم لا علاقة للوزارة به »فان الوزارة تسمح في بعض الحالات الاستثنائية بمنح زوج الدبلوماسية الجواز الدبلوماسي، طبعا يقدم الطلب الى الوزير لكنه هو من يقرر. وبالفعل مُنح زوج السفيرة ميرنا الضاهر جوازا دبلوماسيا بقرار من الوزير، لكنه قرار استثنائي ولا يمكن وضعه في النص. فالمحاذير حقيقية. اذ لا نستطيع ان نضمن سوء استخدام جواز السفر الدبلوماسي من قبل زوج الدبلوماسية لمصالح خاصة تتعلق بعمله. فقد يكون تاجرا او رجل اعمال مما يدفعه للتنصل من التزاماته كمواطن عادي تجاه القانون ومصلحة الجمارك وخلافه«. لكن ألا يوجد ما يدفع زوجة الدبلوماسي الى إساءة استخدام جواز السفر الدبلوماسي في غير محله ايضا؟ يجيب المصدر المسؤول في الوزارة قائلا لأجل ذلك وغيره يمنع القانون زوجة الديبلوماسي من العمل،لكننا لا نستطيع منع زوج الدبلوماسية من عمله. اذ لا يمكن ان تقولي لرجل توقف عن العمل لان السلك يمنع زوج الدبلوماسية من العمل. هذا غير معقول!!«. وبالفعل، تنص المادة 44 في نظام وزارة الخارجية والمغتربين على منع زوجة الدبلوماسي من العمل في أية مؤسسة »الا بترخيص مسبق من وزير الخارجية بناء على اقتراح اللجنة الادارية«. تمييز .. »مالي« ويطال التمييز حتى المسائل المالية اذ تنص المادتان 35 و41 المتعلقتان بدفع نفقات السفر بداعي العمل او الاجازة السنوية »الى حجب هذه النفقات عن زوج الدبلوماسية وأولادها فيما تُمنح هذه النفقات لزوجة الدبلوماسي وأولاده«. ويبرر المصدر المسؤول في وزارة الخارجية والمغتربين هذا القانون »بأنه يستند الى مبدأ التعويضات العائلية في القانون اللبناني عامة والذي يمنع على الموظفة الزوجة من الاستفادة من التعويضات العائلية، الا في حال كان زوجها عاجزا عن العمل«. ويتسبب القانون بخسارة مالية كبيرة للدبلوماسيات، وانتهاكا بارزا لحقوق الوظيفة. ومرة اخرى، برر المصدر المسؤول ان حجب نفقات الانتقال عن زوج الدبلوماسية وأولادها يستند الى »افتراض ان الزوج يعمل ولن يترك عمله ليلحق بزوجته الدبلوماسية الى الخارج«. والحال هذه: ماذا عن الأولاد؟ يبقى ان »الجمرة لا تحرق الا مطرحها« بحسب ميشلين أبي سمرا، التي ترى »ان المرأة لن تتوصل الى المساواة الكاملة مع الرجل، الا حين تحقق وجودها الفعّال في مراكز القرار ان على مستوى الوزارة او على مستوى مجلس النواب. من جهة اخرى علينا ان نتخطى الكلام عن »امرأة ورجل« في النصوص والأذهان، ونبدأ بالكلام عن الانسان نفسه: رجلا كان أم امرأة، طفلا كان أم مسناً، معاقا كان أم سليماً...«. أخيرا، يجدر التذكير بأن المواد التي تميز ضد الدبلوماسيات في وزارة الخارجية، تعتبر مخالفة للقانون الدولي الذي التزمت به الدولة اللبنانية حين وقعت الاتفاقية الدولية لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1996. فهل يعقل ان تنتهك حقوق النساء في السلك الدبلوماسي الذي يفترض به ان يدير علاقات لبنان مع المجتمع الدولي؟ والى متى يستمر التمييز ضد المرأة في دوائر الدولة الرسمية؟ * مجلة أبعاد، العدد 5، حزيران 1996، ص165. ** المصدر نفسه. سامية م عيسى

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة