As Safir Logo
المصدر:

كان لها وظيفة طرد وإبعاد الحشرات أمام كل منزل قديم شجرة الزنزلخت التراثية تخلي موقعها لأشجار الزينة التجارية والمستوردة

شجرة الزنزلخت بالقرب من منزل مهجور (هاني معلوف)
المؤلف: ضو انور عقل التاريخ: 2009-07-14 رقم العدد:11343

لم تعد شجرة الزنزلخت تتصدر الساحات ومداخل البيوت، فقد باتت في عرف البعض شجرة لا قيمة لها بالمقارنة مع أشجار الزينة المستوردة والأشجار المثمرة! ولكن لماذا كان اجدادنا يتعلقون كثيرا بهذه الشجرة فجعلوها في صحن الدار في كل المناطق اللبنانية ساحلاً وجبلا شمالاً وجنوباً؟ لعل مقاربة البيت اللبناني العتيق تؤكد مدى الخبرة التي اكسبتها التجربة للاجداد، من بناء الحجر المعقود الذي لا يتأثر بالحرارة والبرودة في الخارج، إلى الكوة في أعلى الجدار لتنقية الهواء، ومثيلتها في الاسفل للهر البلدي المعروف الذي يغني عن استخدام المبيدات الشديدة السمية للتخلص من الفئران والجرذان وحماية المؤونة من زيت وحبوب وغيرها. اما في الخارج فتنتصب شجرة الزنزلخت الشديدة الخضرة والوارفة الظلال، ذلك أن أسلافنا ادركوا بالتجربة الحسية أهمية هذه الشجرة في إبعاد البعوض والحشرات عن المدى الحيوي للبيوت المتواضعة. وما توصلوا اليه حيال شجرة الزنزلخت وأهميتها البيئية والصحية جاء نتاج مئات السنين من الخبرة، ليتأكد اليوم مدى أهمية هذه الشجرة، خصوصاً إذا علمنا أن علماء صينيين فى مقاطعة يوننان الواقعة جنوب غرب الصين، توصلوا الى صنع مبيد حشرات جديد مستخلص من بذور شجر الزنزلخت خال من الاضرار العامة، بمقدور هذا المبيد الوقاية والقضاء، وما يثير الاهتمام ايضاً ان مبيد الحشرات هذا يقضي على اكثر من 200 نوع من الحشرات الضارة بالمزروعات والغابات والمخزونات، وهو يتمتع بفاعلية كبيرة مع انخفاض كبير في نسبه فضلاً عن سهولة انحلاله دون ترك مخلفات مضرة، ولهذا ثمة أكثر من 20 دولة في العالم تجرى فيها بحوث بشأن اشجار الزنزلخت. شبه منقرضة تبدو شجرة الزنزلخت شبه منقرضة، حتى بات العثور على بعض الاشجار صعباً. ففي المتن الأعلى وعاليه، لم نعثر الا على بضع اغراس صغيرة في بلدة شويت، فيما المجالس البلدية تقوم بشراء انواع مستوردة من اشجار الزينة بأسعار خيالية، ليتبين في ما بعد انها غير ملائمة لطبيعة لبنان ومناخه، وهي تخصص موازنات كبيرة في مقارنة مع ايراداتها المالية لرش المبيدات الحشرية الشديدة السمية على الطرقات والساحات العامة. ما يدعو للاستغراب ان اياً من الجمعيات البيئية والاهلية لم تعد الاعتبار لشجرة الزنزلخت من خلال حملات التشجير التي تعد لها كل عام، حتى وزارة الزراعة «شطبت» هذه الشجرة من قائمة الاشجار المفترض اعادة الاعتبار اليها لأهميتها من جهة، ولما تمثل من رمزية خاصة في ذاكرة اللبنانيين. جمعية غدي «جمعية غدي» التي أنجزت وطورت المشتل الزراعي الذي يعتبر الاكبر في لبنان على مستوى الجمعيات الاهلية، تعد الآن لدراسة علمية لمعرفة كيفية انتاج شتول الزنزلخت، ويقول رئيس الجمعية فادي غانم: «بصراحة أولينا اهتماماً بزراعة اغراس الصنوبر والارز والسنديان والحور من ضمن توجه عام يقضي برفد الجمعيات الاهلية بهذه الاغراس في خطوة متواضعة لتعويض خسائر الحرائق، وقمنا كذلك بزراعة اغراس الجوز وانواع من الاشجار المثمرة». ويضيف: «استكملنا معظم الدراسات حول الزنزلخت وستكون الشتول جاهزة في غضون سنتين لغرسها أمام البيوت وحث المواطنين على زراعتها امام منازلهم والمجالس البلدية من اجل زراعتها على الطرقات، والامر لا يتطلب تأمين عشرات الآلاف من الاغراس كما هي الحال بالنسبة للصنوبر المثمر والارز، لانه ليس المطلوب تشجير الزنزلخت في الغابات والاحراج». فيما شاعت بشكل غير معهود ظاهرة اقتلاع اشجار الزيتون المعمرة لاعادة زرعها كشجرة زينة امام القصور وبكلفة باهظة (يتراوح ثمن الشجرة بين 2000 و 3000 دولار)، لم يبادر احد لاستخدام الزنزلخت الاقل كلفة والاكثر فائدة والاجمل بثماره الصغيرة المتدلية وأزهاره البنفسجية. منافسة الأشجار المستوردة المتخصصة في مجال هندسة الحدائق وصاحبة مشتل زراعي في عاريا المهندسة جنان ابو سعيد اشارت الى ان «شجرة الزنزلخت غير مرغوبة في مجال هندسة الحدائق»، وقالت: ان الامر يتطلب حملات توعية لتشجيع المواطنين على زراعة الزنزلخت، ففي مجال هندسة الحدائق لا احد يرغب بزراعة هذه الشجرة وفي المشتل الزراعي لم يطلب احد اغراس الزنزلخت، وهناك ضرورة لاعادة الاعتبار لهذه الشجرة التي قضت عليها موجة الحداثة والتشبه بالغرب واستيراد اغراس بملايين الدولارات من الخارج. اضافت: انا لست ضد استقدام انواع من اشجار الزينة من اوروبا وغيرها، خصوصاً تلك الملائمة لمناخ لبنان وطبيعته وبيئته، لكن لا بد في المقابل من رد اعتبار شجرة الزنزلخت التي تعتبر بيئية بامتياز كونها تقضي على الحشرات وتجعلها بعيدة عن نطاق السكن، وهي الى ذلك شجرة جميلة تصلح لزراعتها في الحدائق العامة ضمن رؤية هندسية تلحظ التنوع بما يستحضر الجمال والفائدة في آن. ورأت ابو سعيد ان ثمة «مسؤولية على الجهات المعنية في الدولة والجمعيات البيئية لاعادة التوعية على اهمية الزنزلخت كشجرة محلية في طور الانقراض واظهار فوائدها لتشجيع المواطنين ليس على زراعتها بل على استعادتها كونها كانت على الدوام الرفيق الدائم للبيت اللبناني التقليدي»، وأكدت على «ضرورة الاستفادة منها في مجال الاستطباب كبديل طبيعي عن المواد الكيميائية. بدل «النفتالين» «أمام منزلنا في مدينة جبيل كانت هناك شجرة زنزلخت معمرة»، تتذكر ليلى ضو، وتقول: «كانت توجد أشجار كثيرة منها امام البيوت المجاورة وذلك في السبعينيات من القرن الماضي، وعندما كنا نصطاف في المتن الاعلى كانت هناك ايضاً شجرة زنزلخت امام منزلنا وسائر المنازل المجاورة. اما الآن فلا توجد شجرة واحدة. لذا اتساءل عن سبب التعلق بهذه الشجرة». سلوى نصر اشارت الى انها لم تعثر على شجرة زنزلخت في عاليه، وقالت: «كنا في الماضي نضع ثمار الشجرة وهي عبارة عن حبوب صغيرة خضراء وبعضاً من اوراقها عندما نقوم بلف السجاد لحمايته من العث والحشرات بدلاً من حبوب «النفتالين» المعروفة، أما الآن فما عاد احد يستخدم الزنزلخت والكل يفضل المواد السامة المركبة». حقائق علمية يعرف طارق ابو الحسن صاحب محل للمستحضرات الطبيعية بأنها «شجرة تنتمي لعائلة الاشجار المعروفة تحت الاسم العلميMelia azedarach وتعرف ايضا بالازدرخت». ويقول: «تتجوف أفرع الشجرة عند تقدمها بالعمر بفعل إصابتها بمرض تعفن القلب الخشبي مما يجعل الأفرع سريعة الكسر، يستخرج من بذورها مواد تستخدم صيدلانياً لمعالجة الأمراض الجلدية ولتقوية الشعر، وأوراقها خافضة للحرارة طاردة للديدان، أما قشرة الشجرة وثمارها فشديدة السمية للإنسان والحيوان بسبب احتوائها على مادة Tazetine السلبية التأثير على الجهازالتنفسي». ولفت إلى أنه «يمكن الحصول على الاغراس من البذور شرط نقعها بالماء». اضاف ابو الحسن: «بدأ الاهتمام العلمي بالزنزلخت كمبيد طبيعي. وكان السؤال الكبير: لماذا ينفّر الزنزلخت الحشرات ويعيق تكاثرها؟ لقد بدأ الاهتمام بهذا اللغز وآثاره الواسعة المحتملة في حماية المنتجات الغذائية في السودان خلال موجة الجراد التي اجتاحت البلاد في العام 1959 من القرن الماضي، بعدما أتت جحافل الجراد على كميات كبيرة من الزراعات الغذائية في طول البلاد وعرضها، لكنها عندما حطت على أشجار الزنزلخت نفرت فوراً من دون أن تمس أوراقها، فعمد العلماء الى دراسة هذه الظاهرة، واكتشفوا السر الكامن وراءها، إذ تحتوي بذور الزنزلخت وأوراقه على مواد كيماوية تنفّر الجراد ومعظم الحشرات الأخرى، فتوقف قابليتها للطعام وتؤثر في آلية توالدها، فتمنع بالتالي تكاثرها، وبمرور الزمن، ازداد مع هذه الاكتشافات اهتمام العلماء والباحثين الذين ينظرون بجدية الى الإمكانات التي توفرها شجرة الزنزلخت كمبيد طبيعي لمكافحة الحشرات».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة