As Safir Logo
المصدر:

رحيل آمال العريس عن ثلاثة وثمانين عاماً أعطت جسدها للتمثيل وصوتها للغناء

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2009-07-13 رقم العدد:11342

يرحلون بهدوء، بعدما عاشوا حياتهم بصخب إبداعي متلائم والمرحلة الذهبية في تاريخ الفن التمثيلي اللبناني. يرحلون بصمت، بعدما انسحبوا من المشهد الذي ضاق على الكبار في زمن الانهيارات المتفرّقة، إما لأنهم لم يعثروا في هذا المفترق عمّا يُشبع حيويتهم والتزامهم المعنى الأسمى للفن، وإما لوقوعهم في أسر المرض والعجز الجسدي والشيخوخة المعلّقة في فراغ البلد ومتاهاته القاتلة. يرحلون خفية، بعد أن ملأوا الشاشة الصغيرة وخشبة المسرح بحضورهم المختلف، يوم كانت الشاشة الصغيرة معبراً إلى نجومية شعبية حقيقية ومخزناً لإبداع شفّاف، ويوم كان المسرح مسكوناً بهوس التمثيل وجنون الحياة وجمالها. قبل يومين اثنين، توفيت الفنانة آمال العريس، واسمها الحقيقي آماليا عوض ابنة الصحافي جورج عوض وأرملة أحد أبرز صانعي السينما في لبنان المخرج علي العريس (أدّت دوراً أساسياً في فيلمه «كوكب أميرة الصحراء» في العام 1946)، وذلك عن ثلاثة وثمانين عاماً. في بداياتها الفنية، غنّت كثيراً قبل أن تعتلي خشبات المسارح وتقف أمام كاميرا تلفزيون لبنان منذ تأسيسه، مشاركة في أعمال درامية عديدة: «في الرابعة عشرة من عمري، اعتليت خشبة المسرح، قبل الانضمام إلى فرقة علي العريس. كان اسمي آماليا، استبدلته بآمال. وجدت الاسم الجديد ألطف وأخفّ وقعاً على السمع»، كما قالت في حوار أجراه الزميل محمد سويد معها ونشرته «السفير» في الثاني من نيسان 1990. [[[ غير أن مفارقة تلك المرحلة السابقة للاستقلال اللبناني، التي شهدت حركة ناشطة في التأسيس لفن لبناني عربي نابع من أعماق البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية المحلية، تمثّلت بالنظرة التقليدية الصارمة ضد المرأة عامةً، وضد اشتغال المرأة في الحقل العام، فكيف إذا اختارت إحداهنّ الفن أداة تعبير ومهنة عيش: «في الماضي، لم يكن مقبولاً أن تعمل فتاة في الفن. في نظر الناس، الفنانة راقصة لا غير، وأنا الصغيرة حينئذ هالني أن أنتسب إلى فرقة من محترفي الرقص والغناء والتمثيل. راودتني مراراً الرغبة في ترك الفرقة، ولولا علي العريس وزواجه بي لما بقيت». في حين أن عملها في الفرقة دام ثلاثة أعوام فقط، هي الأعوام الأخيرة من عمر هذه الفرقة، إذ أثقل التحوّل السياسي على المشهد، عندما شارك علي العريس باحتفالات الاستقلال، فإذا بالفرنسيين يتخلّون عن مساعدته، ما أدّى إلى تراكم الديون والانشقاقات العائلية بينه وبين زوجته الأولى ناديا. وهي، أي آمال العريس، لم تتوقّف عن سرد ذكرياتها في الحوار المذكور أعلاه، مستفيضة في الكلام على علي، الذي لعب دوراً كبيراً في إطلاقها الفني، إذ شاركت في عدد من المسرحيات الخاصّة به، كـ«أهل الفن في جهنم» و«الإحصاء» و«عرسان للبيع» و«هارون الرشيد» و«كليوباترة» وغيرها: «في وسط هذه الأجواء، تعرّفت آمال على فتنة الفن»، كما كتب سويد، مشيراً إلى أنها «أعطت جسدها للتمثيل وصوتها للغناء»، ومضيفاً أن زوجها لم يمنعها من العثور على فرص أخرى خارج فرقته، ما أدّى بها إلى العمل في «فرقة بيروت» التي أسّسها رشاد العريس، علماً أنها مثّلت في «جبال لبنان»، التي عرفت نجاحاً كبيراً، والتي شكّلت، بالنسبة إليها، فرصة التعرّف إلى محمد شامل. مع شامل، حقّقت آمال العريس نجاحاً باهراً بفضل مسرحية «يا مدير»، التي تحوّلت إلى عمل إذاعي قُدّم مباشرة على الهواء في العام 1961 مع افتتاح القناة السابعة في «تلفزيون لبنان». وفي هذه المسرحية، التقت شوشو (إذ أدّت فيها دور أمّه) وعبد الرحمن مرعي. غير أنها ارتبطت بعلاقة عمل مع شامل، وقدّمت أعمالاً إذاعية وتلفزيونية متفرّقة، وأجادت في تقديم شخصية الأم التي لم تفارقها إلاّ لماماً. ومع شوشو، مثّلت في «وراء البرافان» و«آخ يا بلدنا»، وعملت إلى جانب أنطوان كرباج في «بربر آغا». [[[ قدرها أنها شاركت في التأسيس لفن التمثيل المسرحي والتلفزيوني في لبنان، لأنها واكبت كباراً في هذا المجال، يوم كان الكبار منصرفين إلى العمل الجدّي بحماسة المبدعين وشغف الباحثين عن المتع الحقيقية النابعة من الذات والحساسية والانفعال. قدرها أنها رافقت أناساً وسموا العمل الفني المتنوّع بعفويتهم الجميلة، التي جعلتهم يناضلون من أجل الإبداع، بعيداً عن منطق النجومية المفبركة أمام أضواء الفضائيات والأغنيات المسطّحة والعلاقات العامة، وبعيداً عن لغة «المال والأعمال والإعلام»، عندما لم يتلوّث الفن بهذه الثلاثية القاتلة. فآمال العريس، التي اشتغلت مع كثيرين تشابهوا في ما بينهم على مستوى التضحية الحقّة من أجل الفن، أمثال نادية حمدي وفريال كريم وشفيق حسن وآخرين، أدركت أن التحوّل الذي أصاب العمل الفني في أعوام السلم الأهلي المنقوص والهشّ، لن يتيح لها ولأمثالها ممن بقي حيّا فرصة الاشتغال «بالطريقة القديمة» (أي الطريقة الأجمل والأهمّ والأكثر إبداعاً وصدقاً وتفانياً حقيقياً)، مع أن الحرب اللبنانية، التي نهشت البلد وناسه، لم تحل دون إقدامها وزملاءها وأصدقاءها وصديقاتها من الفنانين والفنانات على تقديم أجمل العناوين الراسخة في ذاكرة تتقلّص شيئاً فشيئاً، لأن التأريخ منعدم، وسياسة حماية التراث الفني الإبداعي غائبة. ربما لهذه الأسباب كلّها، انسحبت آمال العريس من المشهد الفني، قبل أعوام من إصابتها بمرض أخذها إلى الغياب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة