لم يفارق تأريخ الشعر الهولندي تبعية الرسم وظلت عوالمه مرهونة للون والضوء وما تجود به الريشة، فأصبح القلم تابعاً لها. وتأريخ هولندا يجود بالبحر والرسم، فقد سبقت الشعر شهرة فنانين كبار(رمبرانت وفان خوخ) حقّقوا شهرة عالمية ممتازة بخلاف الأدب الذي لم تتعد أفاقه المحلية، ليس بسبب اللغة الهولندية محدودة الانتشار كما يدّعي البعض، لكن من طريق عدم بروز كتّاب مهمين في حضارة هذا البلد الموجهة مهارته إلى ترويض البحر ومعاشرة الرسم التي تكاد أن تكون يومية ما جعل المواطن ذا خبرة فيه يشي بها شغفه باقتناء اللوحات ومتابعة المعارض، وما أكثرها هنا. بينما يروي الشعر تأريخ العرب ويحدّد النبوغ من عدمه، فصار الشاعر العربي ملهماً لكثير من الحركات الفنية؛ رسم، مسرح وقصة. عندما تأسست حركة كوبرا في عام 1949، التحق فيها شعراء هولنديون، أبرزهم الشاعر التجريبي لوسي بيرث. أصبح الرسم ملهماً لا الشعر، الأمر الذي جعل الوعي الباطني الهولندي، مؤسسات وأفرادا، لا يفارق النظر في عدسة الرسم والبحر. يُعتبر التشكيل في هولندا من أكثر الحركات تجريبية في أوروبا، ويتلقى دعمأ مؤسساتياً معنوياً ومالياً يفوق حدود العناية في بلدان مشهورة بالرسم مثل ايطاليا، ما حدا ببعض الرسامين الأوروبيين ومنهم العراقيون للهجرة إلى هولندا، وسرعان ما نالوا شهرة وأريحية في ممارسة مواهبهم. هنا سوف نتطرق لبعض أوجه الدعم المالي والمعنوي، بغية تحريض عالمنا العربي على الاستفادة من تجارب الأمم، لجعل الثقافة مصير تقدم وازدهار. تفرض الحكومة الهولندية على المؤسسات الرسمية والشركات شراء اللوحات عبر وسطاء لهم خبرة فنية أو غاليريهات، من أجل تزيين المكاتب، وعلى هذه المؤسسات أن تتقبل ما يُفرض عليها من اللوحات بغض النظر عن جودتها الفنية أو تفضيلها لذوق فني معين على آخر، وهكذا يتم تشجيع الفن حتى الهابط في نوعيته، لأن دعم الفنان وصقل تجربته، يأتيان في عين هذه المبادرة. يكون شراء اللوحات بالأسلوب هذا مقبولاً إذ تطرح مبالغ الشراء من الضريبة التي يجب أن تدفعها الشركات وحتى من ضريبة الشخص إذا اشترى لوحة، وبطريقة غير مباشرة يشارك المواطن فقيراً كان أم غنياً في دعم الحركة الفنية، لأن القسم الأكبر من عائدات الضرائب تذهب لتمويل رواتب المساعدات الاجتماعية للعاطلين عن العمل، أي يُستقطع مباشرة من المال الاجتماعي، والمقصود بهذا الأسلوب، ترسيخ الإحساس الأجتماعي بدعم الفن، وجعله من أولويات المواطنة. في المقابل تلجأ كل الدوائر الرسمية (اجبارياً) لنظام الاستعارة بالاتصال المباشر بالفنان أو من طريق وسطاء وهناك موظف لهذه المهمة الرسمية: تقوم الدوائر الحكومية باستعارة تشكيلة فنية لفترة زمنية بعقد رسمي وتأمين على الأضرار ازاء مبلغ متفق عليه، على أن تُعاد اللوحات بعد انتهاء المهلة المذكورة، وتزين جدران هذه الدوائر بتلك التشكيلة الفنية، ما يتيح للموظفين شراءها بسعر مخفّض، وهنا يستفيد كلا الطرفين؛ الفنان من جهة والمواطن من جهة أخرى، مع اشاعة الجمال والحس على جدران المباني الحكومية. اكتفاء ذاتي تُنسق بلديات أمستردام ودانهاخ مع شركات السكن حول تخصيص مراسم للفنانين باسعار زهيدة، تتيح لهم الرسم واستضافة الزبائن، وأحياناً اقامة المعارض الشخصية لمساعدتهم على الاستقلالية والابتعاد عن ابتزاز الغاليريهات، أذ تُعتبر هذه المراسم عدّة اكتفاء ذاتي من عمل وعرض، وهناك امكانية أن يحصل الفنان على شقة مجهزة بمرسم وسكن في المكان نفسه، تحقّق له الاستفادة من الوقت والاحتكاك اليومي المرن بعمله. يُعفى الفنان من العمل الاجباري الذي تفرضه الدولة الهولندية على مواطنيها لمدة أربع سنوات قابلة للتمديد سنة أخرى إذا استوفى شروط هذا القانون «راتب الفنانين» وهو معاش تفرغ أقل قليلاً من المساعدة الاجتماعية، لكن يتيح للفنان تطوير عمله من دون الوقوع تحت طائلة العوز، كما يتلقى خلال الفترة دورات تدريبية فنية، وحتى مالية يتعلم فيها ادارة شؤونه المالية والتعامل مع الضريبة. يوجد في هولندا نحو 450 صندوق دعم مالي، ويمكن الحصول من المكتبة على عناوينها، تشمل أيضاً الثقافة والفن، وهناك وكلاء ثقافة، يساعدون الفنان في التعامل مع هذه الصناديق لقاء عمولة معينة، اذ يقومون بملء الاستمارات ومتابعة الطلبات ، اضافة إلى وكلاء آخرين، يساعدون الفنان على التوسط مع الغاليريهات، أو البحث عن دور نشر للأديب. تشتهر مؤسسة برنس كلاوس بدعمها المالي لما يسمى بلدان العالم الثالث، وقد فاز بجائزتها الشاعر محمود درويش. تتلقى هذه المؤسسة طلبات الدعم باللغة الانكليزية وتموّل مشاريع ثقافية في كافة انحاء العالم، ولديها جهاز اداري كفوء وقدرة مالية ضخمة. وسبق ان موّلت مشاريع في المغرب والجزائر، ولا تهمل الطلبات المقدمة اليها بسهولة، بل عن دراسة مُعمقة. يدعم مهرجان السينما الوثائقي الدولي «ادفا» مشاريع سينمائية متنوعة في دول شتى، ففي عام 2007 زهاء 220 مشروعاً، فيلمين من العالم العربي، وعلى صعيد ذي صلة، تمنح جمعية النقاد والصحفيين السينمائية بطاقة صحافية، يستطيع بموجبها الناقد مشاهدة عدد لا يحصى من الأفلام مجاناً وتخصص أيضاً جائزة سينمائية. لا أريد القول ان وضع الفنان هنا وردي وسماوي، فالكثير من الفنانين يعانون من التهميش والاهمال، لكن هذه هي لعبة الحياة التي تحتاج إلى إدارة في كل شيء؛ إدارة الشهرة والمرأة، إدارة الصداقة والتسويق، إنها تتطلع إلى القليل من الموهبة والكثير من هذه الادارات، لكن ليس من السهولة انكار الدعم المالي المتنوع للفنان في هذه البقعة الصغيرة من العالم، وتفتخر باستيعاب غالب الفنانين المضطهدين الذين هاجروا اليها مثل الفيلسوف سبينوزا، استيعابها الرحب للبحر في فيضانه. (امستردام)