As Safir Logo
المصدر:

«تطوّر صورة الشرق في الأدب الانجليزي» )[( لناجي عويجان ثنائيــات غيــر مؤبــدة

المؤلف: ضو بسام التاريخ: 2009-07-03 رقم العدد:11334

نختلف كثيراً، وعميقاً في تحديد اللحظة التاريخية التي نشأت فيها تلك الثنائية التضادية: شرق/ غرب، غرب/ شرق. ثنائية مثيرة للعقل، وللقلب، وللخيال. ثنائية تناقض مبدأ وحدة الوجود وفقاً لمصطلح سبينوزا في الغرب، وشطحات ابن عربي في الشرق، وتعاكس وحدة الانسانية، والتكوُّر البشري، والنزع الطبيعي نحو التفاعل والتوحّد، حيث الاختلاف يشدّنا الى الأول، وحيث الحاجة الى التعاون تشدنا الى الثاني. ثنائية إشكالية، غير مستقرة. تحمل سمة الجغرافيا، ولا تنحصر فيها، وتنوء تحت ثقل التاريخ فتزداد إشكاليتها تعقيداً: في الثقافة والسياسة والاقتصاد والسوسيولوجيا واللغات، وحينما تبدو ـ ونادراً ما يحصل ذلك ـ انها تميل الى استقرار واقعي ونظري، سرعان ما تحدث المفاجأة فتتكشف مستويات جديدة من تناقضاتها. لقد عاشت على هذا النحو في جدلية الاختلاف والتكرار، لكنها ـ بالرغم مما تقلّبت فيه ـ، فرضت نفسها علينا منذ أزمنة بعيدة، فمنا من أخضعها لإعادة النظر نقدياً في ضوء محركات التاريخ: من الاقتصاد الى الثقافة والى الدين، ومنا من استسلم الى بريق التكرار فرآها ثابتة بذاتها لا تتبدّل، لكأنها مثل السبب الأول بلغة أرسطو، فقال هؤلاء: إن الشرق شرق، والغرب غرب، وهما خطان متوازيان، متعرّجان في فضاء الكون، غير انهما لا يلتقيان. هذه الثنائية التضادية موجودة حتى الآن ـ ولا نرى أفقاً قريباً لزوالها ـ ولكن هل المعيار الجغرافي وحده كاف لتبرير «تأبيد» هذه الثنائية؟ وهل هذا هو دور الجغرافيا بما هي مجال حيوي للتفاعل والاستكشاف؟ وهل يمكن النظر الى ان هذا التقسيم الجغرافي: شرق/ غرب، او شمال/ جنوب مثلاً، هو الذي يفسّر الفوارق والاختلافات والصراعات، بمعنى اننا يجب ان نسلّم بأن كوكبنا مقسّم الى مناطق لكل منها خصائصها الذاتية العصيّة على التفاعل والتبدُّل والتبادل؟... الدكتور ناجي عويدان أدرك هذا السر. أمسك بالمفتاح، وشبك يديه بأيدي من سبقوه في هذا الميدان، واستعد ليشبكهما مع من سيأتي معه وبعده، وهنا تتبدى رزانة الباحث/ العارف، يدل عليها قوله في مقدمة كتابه: «تطوّر صورة الشرق في الأدب الانكليزي»: «... آمل شخصياً ان يشكّل هذا الكتاب حافزاً للباحثين كي يواصلوا الاستقصاءات والأبحاث في هذا المضمار...» (ص12). إن ما يسميه د. عويجان استقصاء هو كتابه كله بالفعل، فالمؤلف نجح ثلاث مرات في كتابه، وهي متلازمة جدلياً: الأولى عندما أحسن اختيار النماذج الانكليزية، والثانية عندما أتقن عرضها تحليلياً ونقدياً، والثالث عندما لم يقع في الإطناب الكميّ، ولا في الاستطراد التفريعي الذي يضلل القارئ، ولا في الاستنتاجات غير المسندة الى براهين، فجاء كتابه: سفراً يجمع بين الأفقية الواسعة في سبر الغور (وهل قليل مثلاً ان ترصد اللورد بايرون وتوماس كارلايل؟) والعمودية العميقة في تكوين مكنز المعاني، (وهل قليل أيضا ان يتابع تعرّجات: الخيال/ المغامرة/ الإثارة/ الإغراء/ الإخبار... في النصوص الانكليزية التي تناولت الشرق فشوّه كثير منها صورة الشرق في الوعي العام الغربي، لأنه لم يستند الى الواقع (ص50،45،25،24،19)، بل استند الى التخيّل المنظّم الممغنط بالأفكار والأحكام المسبقة). ثم بين الأفقية والعمودية برزت جمالية اللعبة اللغوية/ النصية، فكان الكتاب شديد الاختصار نسبة الى موضوعه، وشديد الوضوح على مستوى ايصال الفكرة، وهذه الميزات تشكل قيمة منهجية عالية، وأحسبها تؤدي دوراً ثقافياً فاعلاً، فالقارئ المعاصر، لا يميل الى المطولات، ولا يتقبل التهويمات، بل يريد الوصول سريعاً الى ما يراه حقيقياً، والى مغزى الفكرة. وهنا بالضبط تكمن إحدى الخصائص الايجابية لهذا الكتاب، لكأن المؤلف ـ وهذا ما نظن ـ أراد ان يشبع رغبة القارئ المدقق، ورغبة القارئ المستكشف، وقد نجح في ذلك أيما نجاح، فالاختصار الذي امتاز به نص د. عويجان، هو الاختصار العلمي المطلوب في مثل هذه الأبحاث، وأهم ما فيه من ميزات كثيرة، هو جمعه بين الكثافة العالية، والخلفية المعرفية الواسعة. شرق غرب وفوق هذا كله، يبرز سؤال مثير: الى أي مدى كان د. عويجان مشرقياً في اللحظة التي التمعت فيها فكرة الكتاب في وعيه؟ وهل عاطفة الانتماء هي التي دفعته وحدها الى هذا البحث؟ أقلقني هذا السؤال في القراءة وتذكّرت ما وقعت عليه من كتب تناولت ثنائية: شرق/ غرب، غرب/ شرق، فبعضها عاطفي حتى آخر عصب في النخاع، صبّ جام غضبه على الغرب ولم ير فيه غير دار عداوة، ودار حرب، وبعضها الآخر، تنكّر للشرق، وزعم ان الحداثة تستوجب القطع الكلي مع التراث، وان الغرب هو النموذج الكلي، فكان مستلباً، لم يُقنع أبناء الشرق، ولم ينجح في مخاطبة عقلانية الغرب. فأين يقع كتاب د. عويجان، وأين تقع كتب مَن في مثل نهجه من الباحثين بين هذه المجادلات والمحاولات؟ أحسب، ان د. عويجان، وهو الشرقي، لم يكن لا شرقياً ولا غربياً عندما بحث وكتب، ولو كان في مثل هذا التموضع الحدي، لما كان قد احتاج الى بذل الجهد الكبير في الاستقصاء العلمي، ولكان قد لجأ الى الإنشاء النصيّ الذي لا يُتعبُ ولا يفيد. لقد كان باحثاً علمياً، وكفى بذلك ميزة. أراد ان يبحث عن الحقيقة ليقدمها الى القارئ باللغة الانكليزية، وهي اللغة التداولية الأولى اليوم، والى القارئ العربي ليدفعه الى خوض غمار العقلنة، فالعقل برغم دقته هو أيضاً مغامرة رائعة في الكون والحياة. إذاً، يندرج كتاب د. عويجان، في المغامرة العقلية الجميلة، وفي البحث عن الحقيقة، وإذا كان كتابه يشكّل دفاعاً عن صورة الشرق ورصد تطوّرها في رحاب الأدب الانكليزي، ورداً على من أرادوا التشويه، فهذا حقه وحريته وقد يرى أيضاً انه واجبه، أما نحن فنشهد له انه كان شديد الحرص على الموضوعية البرهانية العلمية (ص198). هذه الموضوعية هي التي توقد في ذهن القارئ شعلة الاستنتاجات العلمية الموجودة مباشرة في السطور، او خلف السطور، وهذه الأخيرة هي الأهم. انها استنتاجات كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: خصومات 1 ـ إن صورة الشرق في الأدب الانكليزي بدأت تتكوّن مشوّهة، تدخلت فيها عوامل الإثارة والخيال، لكنها لم تستمر على هذا النحو، فجاء تصحيحها على أيدي الباحثين العقلانيين الصادقين من أبناء اللغة الانكليزية نفسها، وليس على أيدي الشــرقيين بالضرورة، مما يعني ان الحقيقة مطلوبة لذاتــها انسانياً، وهي أكبر من عصبية العرق والمكان والقـوم والسياسة. 2 ـ إن ثنائية شرق/ غرب قديمة، وما زالت مستمرة، غير انها ليست مطلقة او مؤبدة، فكثير من الغربيين نمّطوا صورة الشرق، وكثير من الشرقيين نمّطوا صورة الغرب. والأسلوبان على خطأ، ذلك ان التفاعل والتبدّل والتطور حقائق لا يمكن التنكّر لها. 3 ـ عندما تحدث د. عويجان عما نلاحظه من خلفيات عدائية بين الشرق والغرب، أعطى الأولوية في الأسباب الى العوامل السياسية والاقتصادية (ص18)، وليس الى الأديان بذاتها، فالمسيحية التي تطبع الغرب اليوم هي مشرقية اصلاً، والإسلام الذي يخاف منه الغرب، او يصطنع الخـوف منه، ليـس عــدواً للمسيحية كما يلاحظ كارلايــل، فالمــشكلة هي في الصراع الاقتصادي والسياسي، وهنا بالضبط يجري توظيف الصــورة المنمطــة عن الشرق، تقابلها الصورة المنمـّطة عن الغــرب، وهــما من أخطر الظواهــر الــتي يســاعد كتــاب د. عويجان على التصدي لــها بعقــلانية، وبعــمق ثقـافي. 4 ـ ناقش د. عويجان في نصه دور الاستعمار في صناعة الصورة عن منطقة ما، (أياً تكن هذه المنطقة) لكن مناقشته حافظت على مستوى علمي عال، فلم يجنح الى لغة خطابية/ إنشائية، كما يفعل بعض الباحثين، بل سجّل ـ بطريقة غير مباشرة ـ كيف ان تشويه صورة الشرق كان في أحد أهدافه مساعداً على الاستعمار، ولكن ـ بالمنطق الجدلي ـ عندما توسّع الاستعمار، توسّع التفاعل، فحركة التاريخ لا يستطيع الاستعمار إيقافها. وهنا يبرز حديث د. عويجان عن موظفي شركة الهند الشرقية الذين جمعوا المخطوطات الشرقية وقدموها الى الباحثين، بينما دورهم الأصــلي ان يكونوا موظفين في شركة أسسها الاستعمار البريطاني للهند، فساعدت هذه المخطــوطات على قراءة الواقع الشرقي بدلاً من الاستســلام للخيال والإثارة كما كان في بداية القرن السابع عشر(ص116). 5 ـ يُستفاد من كتاب د. عويجان، ان الاستشراق ليس كله هادفاً الى التمهيد للاستغلال والاستعمار، بل هناك من المستشرقين من يسعى وراء الحقيقة، ومن يتمتع باستكشاف أعماق التجارب الإنسانية من دون ان يكون مرتبطاً بحركة استعمارية حتى لو رأينا ـ وما زلنا نرى ـ باحثين غربيين في شؤون الشرق يهدفون الى توظيف المعارف في المشاريع السياسية الكولونيالية لدولهم وللطبقات المسيطرة على السلطة فيها. وهنا يتميز د. عويجان بأنه لم يجنح الى المبالغة التي جنح إليها الدكتور إدوار سعيد في بحوثه في الاستشراق عندما قولب كل تجارب المستشرقين في إطار خدمة الاستعمار والامبريالية فقــط، فبــدا وكأنه يحمّل الاستشراق وحده مســؤولية الاستعمار، بينما الحقيقة ان الأصل في الاستعمار وهو المصالح السياسية والاقتصادية، والاستشراق هو جزء ليس أكثر، وهذا ما تنــبّه إليه د. عويجان، بمعنى ان هناك من المستشرقين من بحث عن الحقيقة بمعزل عن توظيفها في الأهداف السياسية. أخيراً، يشكّل كتاب د. عويجان مرافعة علمية راقية دفاعاً عن صورة الشرق من خلال الدفاع عن الحقيقة، ورداً على المشوهين من خلال كتابات أبناء قومهم، وليس بالخطاب العاطفي المضاد. وهذه المرافعة تمتاز بموضوعية راقية وبحس إنساني سام، فالباحث ينتــصر للحقيقة لأنها حقيقة وينتــصر للوحدة الإنســانية، كونه ينظر الى العــالم في رحابــه الواسعة، وتنوّعاته الهائلة، ولكــن هــذه المرافعــة الجميلة تختلف عن المرافعات أمام محاكم القضاء، فالمرافعــة أمام قــاض في محكمة، تهدف الى الحسم في أمر مضى، أما المرافعة أمام التاريخ ـ وهذا ما يفعله د. عويجان ـ فتهدف الى بلورة حقيقة ما مضى، من أجل فهم أعمق لما هو حاضر وقائم، ومن أجل تأسيس أفضل للمستقبل. ([) الكتاب من تأليف د. ناجي عويجان، وترجمة تالا صباغ، ومراجعة د. سعود المولى، صدر عن المنظمة العربية للترجمة في بيروت. حزيران/ يونيو 2008. توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية 1ـ الكتاب، (ص12ـ 19 ـ 24 ـ 25 ـ 45 ـ 50) من الكتاب. (ص198) (ص12)، (ص116).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة