بدأت الاغنية الشبابية بالظهور على الساحة العربية منذ حوالى العشر سنوات في مصر، روادها شباب، جمهورها شاب، والسرعة والاختصار اللذان ميّزاها يمتان بصلة واضحة لما يروج عن الشباب من نشاط وحيوية وطيش. وصلت الاغنية الشبابية الى لبنان، مخرجة الكثير من المغنين شبه المخضرمين من مأزق ملل الجمهور، وحمّست عددا اكبر منهم الى تأبط »الميكروفون«، فالغناء. لو ارتبطت تسمية »شبابية« حصرياً بعاملي السرعة والاختصار لكان من السهل تصنيف جزء من اغاني شادية او غيرها من مطربي الجيل السابق تحت هذه الخانة. الا ان تعريف »الاغنية الشبابية« بقي مرتبطا، وبعناد، بالانتاج الموسيقي المعاصر الذي يقترب من الموسيقى الغربية من جهة، ويخرج، من جهة اخرى، عن طاعة الاغنية الكلاسيكية العربية واسلوب ادائها. بعد انطلاقة هذه الاغنية في مصر بشكل تدريجي، انفجرت القنبلة في لبنان من دون تمهيد او تجارب »استكشافية«، واعتمدها عدد هائل من المطربين لتكون اغنية النمط الواحد واللحن الواحد. ففي مصر مثلا حوت هذه التمسية انماطا موسيقية عديدة، من خط »حكيم« الشعبي مرورا بأسلوب مصطفى قمر وغيره الراقص وصولا الى اعمال عمرو دياب الاخيرة التي تقدم موسيقى خاصة نسبيا، اضافة الى الاغاني المرحة الاجتماعية او غيرها.. في لبنان، بعد انتهاء الحرب، ومع رغبة »الجمهور« بالسهر وباسترجاع شعور »سويسرا الشرق«، علا صوت اللحن الراقص وارتفعت نسبة المغنين والاذاعات والسهرات. كذلك، ووجّهت هذه »الطفرة« بنقد فني عربي متضارب: فقرأ فيها البعض عنوانا موسيقيا للانحطاط الذي كرسه عصر الهزيمة السياسية والاجتماعية والعسكرية العربي، اذ انها تأتي من اصوات ما كانت لتعلو لولا الخواء المسيطر، ويدافع البعض الآخر عن مبدأ الاغنية الشبابية من منطلق حرية الاجيال وضرورة خلع ابواب قفص ام كلثوم الذهبي لضمان استمرارية الموسيقى. فيحلل دفاعهم هذا تحويل الميكروفون الى اداة ميكانيكية عامة. على خلاف موسيقى »الراي« او »الهارد روك« ذات التوجّه الاجتماعي الواضح والنفس التغييري، تستكين الاغنية الشبابية اللبنانية الى جمهور واسع لا تملي عليه خطاً او خصوصية معينة، فتكون في الآن ذاته وعاء جامعا للرجعية والتقدمية في زمان ومكان واحد. الشيء ونقيضه فحين يردد الشباب »سيبوني اعيش على هواي، ما تعملوش مني حكاية«، يتوهمون حاجة لديهم لفسحة حرية اوسع. الا ان الحناجر نفسها تصرخ من جديد قائلة: »كنت صغيرة وكان يوصيني بيي، صرت كبيرة وعم امشي عالوصية«، متغنية بمزايا »البنت الوفية الشرقية«. مما يخلق رؤية جديدة حول »تقليدية« الشباب وحسهم العائلي المرهف وانتمائهم للقوانين الاجتماعية المحافظة. وحين يظهر في »ارشيف« مغنية الوفاء للعائلة اغنية اخرى رددها المستمعون ايضا: »خيروني ابن العم، خيروني ابن الخال، قلتلهم يا اهلي انا براسي موال«، تقع الحيرة. فالمعنى الواحد يغيب عن انتاجه الفكر الواحد، والمستمع، في كلتا الحالتين، مطروب. فمن اي شباب تنبع الاغنية الشبابية وعن اي شباب تعبّر؟ قد تغيب تاريخياً العلاقة المباشرة بين اغاني الشباب وواقع الشباب الاجتماعي في لبنان. الا ان اعتماد نسبة مرتفعة من الاغاني لمعانٍ قد لا تمت بصلة للواقع وفرضها بصيغة المسلّم به على المستمع الهائم يمكن ان يعتبر نوعا من التضليل او اللعب على الغرائز »المكبوتة«، تقول المغنية: »يللي طالب مني بوسة، هيدي البوسة صعبة كتير«، ويعني ذلك ان »البوسة« اصبحت اجتماعيا امرا سائدا، وان بقيت من باب »الدلع« فحسب »صعبة كتير«. وتستسهل مغنية اخرى التعبير عن مكنونات نفسها: »انا على بالي ارقص جنبك«، فيأتي جواب مغنٍ آخر، مغن يثق بجاهزية مجتمعه وتحرره: »عجبتيني كتير، مهضومة كتير، انت مش بس عجبتيني.. انت قتلتيني«. مما يؤكد تحرر الشباب من عوائق العرض والطلب لتكون العلاقة صريحة ومباشرة بين »المعجبين«، فلم تعد هي بحاجة ل »طير الوروار« كي يخبرها عن حاله »شو صار«، ولا هو بحاجة ل »لو شباكك ع شباكي، كنت بقلك كيف بهواك«. وان بقيت هذه الدعوات متناقضة مع اغان اخرى، وللطرفين جمهور واحد. مما قد يعني ان هذه الاغنية غير مرتبطة بحالة اجتماعية شبابية، وبأن عنوان »الاغنية الجديدة« يرتبط مباشرة بموعد اصدار هذه الاغنية لا بمعناها. كذلك، يعكس رواج الاغاني ذات المعاني المتضاربة حالة الضياع او »الاستضياع« المرغوبة من قبل شريحة شبابية واسعة تتوهم الانفتاح وتتبنى الطابع المحافظ تبعا للموقف. تقام لا واعٍ وداخل اطار تفجير المكبوت، تظهر اغانٍ تتوجه مباشرة الى الفتيات: »بدك بدك ما بدك، قلبي مش لعبة بيدك«، »رضا والله وراضيناك، دلع حتى ودلعناك، كافي لا لا تزودها..«، وغيرها من الاغاني التي هدد الحبيبة بالانتقام. وتحمل هذه الاغاني في طياتها نوعا من الرفض لموقف البنات المسوّق عادة عنهن اي الاستغلالية ووصف »تتمنعن وهن راغبات«. وما يلفت النظر هو رواج هذه الاغاني في الاوساط المؤنثة، كمن يستمد قوة من المذمة او ينتقم، بشكل ضمني قد يكون لا واعيا، من ماضي الذكورية العربي عموما ومن ذاكرة عائلية خاصة. انضمّت في الآونة الاخيرة الى عائلة الاغنية الشبابية اغانٍ تحمل نظريات حياتية ورسائل عديدة للشباب او عنهم: »فرفش لقلبك ما يهمك دوم، عمرك بيمضي في ثواني ويوم«، او، »خليلي مزاجك رايق، وحياتك لا تفقسنا.. كل ما نغني غني معنا، كل ما نزقف زقف معنا، عبي راسك من هالجو تنسهر لطلوع الضو، سحاب وكيف وابسط حالك، خلي هالقعدة تحلالك، هالحالة مش رح بتدوم..«. ومضمون هذه الاغاني لا يأتي بشكل دعوة بل بصيغة واقع يبعد احدهم نفسه عنه. تطغى على جو هذه الاغاني و»الفيديو كليبات« الخاصة بها الاركيلة والفتيات والسهرات، وتتوجه تاليا، في الدرجة الاولى، لرواد النوادي الليلية وجلسات الأنس لا لمن يحتاج النصيحة ويسكنه الهم.. ومجموع هذه الاغاني يقدم للمستمع اللبناني مساحة مصطنعة يموّه عن نفسه داخل حدودها المتسعة »للجميع« قبل ان يسترجع واقعه.. بهدوء. »من حيث الأسلوب« بما ان »الحب« هو الموضوع الوحيد المتطرق اليه، اضحت معاني الاغاني مكررة حد الاجترار. قد يعود ذلك لشعور الكتاب بضرورة الابتكار داخل اطار العواطف كون الرومنسية هي الحالة الانسانية الاكثر افتقادا ورواجا بين الشباب. فاجتماع ضعف القدرة على الابداع مع السرعة الخيالية في التأليف تلبية لحاجة السوق كفيلان بولادة المعنى ذاته بكلمات شبه موحدة: »بقلك باختصار، بحبك ليل نهار، يللي حبك اغلى جنة واحلى نار«، فبعد هذه الاغاني عن رسالة محددة تنوي ايصالها وكونها لا تعبر الا عن حالة سباق مع الزمن لانتاج اكبر عدد ممكن من الشرائط، يبقى الشاب المستمع متمددا يشهد محاولات »ارضائه« المتواصلة من قبل اهل الفن من مقعده الهادئ او الراقص. فمع توحد الكلمة والمعنى السائدين، يكون اللحن العنصر الاساسي في الترويج اذ انه يتوجه نحو الاذن اولا والخصر ثانيا. فتمتاز اغنية عن اخرى بهزة خصر شبابية جديدة. تخلّص الغرب من هذه »المشكلة« من خلال تأليف ألحان تخلو من الكلام وتفيض بالايقاع كموسيقى الرايف (RAVE) المتوجهة بالدرجة الاولى لرواد المراقص وللرد على حاجة الشاب بالتنفيس عن طاقات مختلفة. وقد تطورت هذه الصناعة وتطورت الموسيقى معها. اما في لبنان فلا زال اللحن اسير الكلمة ولا زالت الكلمة اسيرة التجارة وعنوانا للمغنى لا للحن ولا للمجتمع. »الشعبية« المصطنعة للشباب وللأزقة كلمات خاصة مستوحاة من الحياة اليومية. فحاولت الاغنية الشبابية اللبنانية ان تسشرف منها معاني جديدة وقنابل تضيء لتميز هذه الاغنية عن شبيهاتها: »شو بعمل تتعرف انك تقبرني..«، »بَوْمَر، بومر، بومر، سكر راسه علينا«.. الا ان ورود كلمة »تقبرني« في سياق اغنية لا يكفي لتحويلها اغنية شبابية شعبية، لانها تبقى اسىرة بقية الكلام والجو الموسيقي العام الذي يرتبط مباشرة بالمنحى التقليدي. مما يوقع بالاغنية في فخ الافتعال ويبعدها عن الواقعية المرحة التي تقدمها الاغنية الشبابية المصرية: »ايه اللي بيحصل ده، ايه اللي انا شايفه ده، ايه الحلاوة دي، ايه الطعامة دي..«. فتلبي اغاني الكلمة الشعبية الواحدة رغبة شبابية واحدة ايضا وهي الحس الاكزوتيكي لمغن، فيكون رواجها شبيها برواج الاغنية الشعبية المصرية في لبنان وان على مستويات متفاوتة اذ ان سماع الشاب كلمة »بومر« في اغنية اشبه بسماع جملة »ايه اللي بيحصل ده« ملحنة في لبنان: للعبارتين نكهة »مستوردة«، ولا تمتاز الاولى عن الثانية الا بمحلية غير مبررة. فبقيت الاغنية حينها بعيدة عن التعبير عن واقع الشباب اليومي ولو على صعيد الكلام. التوجّه المادي وبانت مؤخرا اغان مكرسة اجتماعيا كنجومها تتوجه للشباب اللبناني والعربي على حد سواء من خلال ادخالها لهجة »جديدة« تمزج فيها بين اللهجة المحلية واللهجة الخليجية، فتشكل عنصرا جاذبا للطرفين وربما لاستثماراتهم ايضا: »واني مارق مريت، جنب بواب البيت، البيت الكانو سكانه ع بوابه دقيت«.. فهذه اللهجة الجديدة التي تحمل شعار »صنع في لبنان« تحاول جمع اطراف المجد من خلال محافظتها على »لبنانية النكهة« في مواجهة ما سمي بالهجوم الثقافي المصري »على الكلمة اللبنانية وحصدها، في الآن ذاته، اسماع الخليج العربي لتقربها منه وتميزها ب»جديد اللكنة«. في هذا الجو الغنائي اللبناني المفعم بالضجة وبالاسماء والانغام، يغيب التميز والخصوصية وتكرس المنافسة على مرتبة واحدة من تيار شبه موحد لا يفسح للشباب مجالا للتنفس بين رقصة واخرى او للتفكير برقصة ثالثة قد تكون خطواتها الانسب اجتماعيا. لا مجال للابتكار في ظل سيطرة منطق السوق، المباشرة والخالية من اي محاولة تشذيب، على الانتاجات الموسيقية الشبابية اللبنانية، فمعظم من »التزم« بهذا النمط الموسيقي اعتبر صفة »الشاب« تحدد اطلالته الفنية من حيث المظهر والفيزيولوجيا فحسب، ليتحوّل بعد عشر سنوات »فنانا كبيرا« لجهة العمر ايضا. سحر مندور