ماذا أثمرت حركة النهوض العربية؟ وكيف تحول الخطاب العربي، الرسمي والشعبي، إلى فعل عجز، وإلى ردود فعل؟ هل كتب العرب على أنفسهم أن يعودوا دائما إلى نقطة الصفر؟ عجز الخطاب العربي، بشقيه، الرسمي والشعبي، عن المبادرة في المجالات المصيرية والحساسة، التي يقال إنها تشكل مضمون المصالح القومــية العربيــة، وبدلاً من أن يــسلك جادة الفهم والتوقع والاستيعاب... استمر الخطاب، نفــسه، في المراوحـة على قارعة المفاجأة... لذلـك ما زالت ردود أفعــاله، بلا تاريخ تأسيــسي، وما زال كل تــاريخ سياسي شامل، يعاود الانطلاق من نقـطة الصفر!! قرع الخطاب العربي طبول النهضة والوحدة والتحرر والثورة... قبيل العام 1948، ولما جاء استحقاق إثبات «الذات العربية»، في مواجهة الخطر الصهيوني والاستعماري، سقط «الجمع العربي»، سقوطاً مدوياً... وكانت الهزيمة الكبرى في فلسطين علامة دالة على ما ستؤول إليه الأوضاع العربية. بعيد احتلال فلسطين، قرعت طبول الثأر، وضجت المنابر، حماسةً واستعداداً، لاسترجاع الحق السليب، وللانتقام للكرامة المهدورة... لم «يتأخر» الموعد كثيراً، فكان العام 1967، وكان أن كررت المجموعة العربية عادة هزيمتها... ومنذ ذلك الحين، استكان «أهل العروبة» إلى فشلهم، وألفوه. لم يستسغ «الرسمي العربي» مادة «الكفاح المسلح»، الذي اعتمدته الحركة الوطنية الفلسطينية، ولم يفلح، بعد حرب تشرين في العام 1973، إلا في وضع قاطرة الحلول الجزئية، على سكة خطوطها غير نافذة، وأفقها الذي يلامس الحد الأدنى، من الحقوق العربية... مسدود!! بعد إنجاز الحركة التشـرينية، اليتيم، ترسخت في الواقع العربي معادلة من شقين: الإخفاق في ميادين القتال، والعجز في ميدان صناعة السلام. أما لدى الطرف الإسرائيلي، فقد تكرست معادلة أخرى، فحواها: الاحتفاظ بكل القدرات اللازمة التي تسمح بالذهاب إلى ساحة المعركة، والعمل الدؤوب على تفصيل «سلام»، وفق المقاييس والشروط الإسرائيلية. عليه، فإن النتيجة، التي ما زال «العرب» يتخبطون ضمن دهاليزها، هي على الصورة الآتية: عجز عن قبول المطالب الإسرائيلية، بحدودها القصوى، وعجز مقابل عن مراكمة أسباب القوة، التي تسمح بتعديلها، أو بالتخفيف من وطأتها، في أسوأ الأحوال!! اليوم، وكما هي الحال العربية، «فوجئ» النسق العربي الرسمي بخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو!! وأبدى خيبة أمله من سقوفه السياسية العـالية، وحمّله وزر إطاحة عملية السلام..! تفترض الرصانة السياسية القول: إن المفاجأة الفعلية، كانت ستحدث لو أن المسؤول الإسرائيلي جاء بغير ما جاء به من شروط جديدة، ولو أقدم على غير ما أقدم عليه، من محاولة لجني قطاف سياق سياسي طويل، اتسم بتدهور الأحوال العربية، وباستمرار التوافق الدولي، مع الجوهري من المطالب الإسرائيلية، وبتراكم مناخ داخلي إسرائيلي، عنوانه الأهم التشدد حيال المطالب الفلسطينية، والعمل بكل الوسائل المتاحة والمسموحة لوضع حد «تاريخي» للربط القائم بين استعصاء حل «القضية»، وضــرورة استقامة مسار «الوجود اليهويد»، الذي ما زال يعرقله هذا الاستعصاء. لقد أضاف بنيامين نتنياهو نسخة العام 2009، إلى نسخة نتنياهو منتصف تسعينيات القرن الماضي، مزيداً من الطلبات الإسرائيلية. لم يشذ رئيــس الوزراء هذا عن طريق التشدد الذي رسمه لذاته، ولم يخذل كل الناخبين، الذين أوصوله إلى سدة المسؤولية، ليكون أميناً ومخلصاً، لرؤاهم المتطرفة! لكن ما يجب الانتباه إليه هو أن ما يقرأه العرب، «مغالاة» إسرائيلية، يقرأه الإسرائيليون «مكابرة» عربية. بكلام آخر، ينعى الإسرائيلي على العربي، عدم تحليه بالواقعــية، التي تعني سياسياً وليس لفظـياً، الاعتــراف بالوقائع المادية، واستخلاص الدروس اللازمة منها. يدور الصراع التفاوضي، اليوم، بين «واقعيتين» لكل منهما وضعيته الخاصة. تتمتع واقعية الإسرائيلي، بعوامل النصر، المتراكم منذ الفوز بتزوير هوية الأرض الفلــسطينية، والتوسع في جوارها العربي، على مدى عقود طويلة. وتتقوقع واقعية العربي في قمـقم الهزيمة، التي تعاظم فعلها وتضاعفت آثارها، منذ تبخرت الوعود البريطانية، للعرب الذين طمحوا إلى موقع «مستقل»، بعيد توزيع تركة السلطنة العثمانية، التي هزمت في الحرب العالمية الأولى. المقارنة الحالية بين الخطابين، العربي والإسرائيلي، تقدم مفارقة واضحة، من سماتها الأبرز: تمسك الإسرائيلي، بحقانية يهودية، مزعومة، لكنها حقيقية، واقعياً، لأنها حائزة كل مقومات وجودها، وتعلق العربي بحقانية حقيقية، لكنها نظرية واقعياً، لأنها أخفقت، وما زالت، في مجال إثبات حقوقها، وفي ميدان استعادتها. المعركة بين العملي اليهودي والنظري العربي، غير متكافئة، وهي مختلة لصلحة الذي ما زال قادراً على إدارة معركته، العملية والنظرية، في دواخله، ومع الخارج المحيط به، أيضاً. وفقاً لكل المقاييس الآنفة، يظل السلام المرجو عربياً بعيد المنال. يصــير من الأجــدى، راهناً وفي المستقبل، إعادة تحديد المــسار الذي يوصـل إلى تأسيس سلام «قائم على العـدل»، أي على استرجاع الحد الأدنى المطلوب من الحقوق الفلسطينية، والعربية. شروط التأسيس تبدو غائبة، في الظرف العربي الراهن. تقوم على ذلك شواهد كثيرة، الأبرز منها: حالة الفرقة العربية، وعمق الخلافات البينية، واستفراد الوضعية الفلسطينية، وتراجع الصحة المجتمعية، في الأقطار العربية، وانتكاسة برامج النهوض، بكل مفاصلها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، و«خفة وزن»، الكتلة العربية، مجتمعة، في كواليس وردهات القرارات الدولية... لقد صارت إسرائيــل حالة معنوية لدى الغرب، وباتت التزاماً «أخلاقــياً» في ذاكرته، مثلما لم يغادر العرب الصورة النمــطية، التي ترسمها المخيلة الغربية لـهم. في صراع الصورتين هاتين، يجيد الإسرائيــليون الدفاع عن «عدوانيتهم» فيظلون «الأجمل»، ولا يحسن العرب إظهار مضمون حضارتهم، ومعنى الضحية عندهم، فيظلون مصــدراً للشرور... على النتيجة هذه، وما زالت تقوم نــظريات صراع الحضارات، والآخر المختلف، ومحاور الشر... وفوق أرض هذه النظريات، يثمر الإسرائيليون مفاعيل عدوانهم الأصلي، ولسان حالهم يقول: ما يرفضه العرب اليوم، يقبلون به غداً... هذا لأن هؤلاء عاجزون عن صناعة سلامهم!! ([) كاتب من لبنان