بحث ولاية الفقيه بات بعد انجاز الظاهرة الاسلامية الكبرى في إيران وتأسيس الحكومة الاسلامية، ضرورة حتمية لكل من يريد معرفة سر نجاح الامة الاسلامية في العصر الحديث. وبعد ان كان هذا البحث يعنى به في شؤون الحسبة والايتام والاوقاف العامة أصبح هذا البحث يتصدر الدائرة العظمى لان الفقيه صار له سلطة وحكومة بعد ان كان له فتوى وسيادة. ونحن أبناء عصر الامام الخميني والجمهورية الاسلامية نفتخر بأننا في زمن ولاية الفقيه الفعلية لا الشأنية، وعلينا مقابل هذا الفخر تحمل التبعات واللوازم الاسلامية الكبرى. وقبل الدخول في رأي الإمام في باب الحكومة الاسلامية وولايته عليها جملة وتفصيلا لا بد لنا من ذكر بعض المقدمات. الاولى: اللغة: الولاية بالفتح معناه النصرة هنالك الولاية لله الحق يعني يوم القيام لا ينصر ولا توجد نصرة الا من الله 44 سورة الكهف. الولاية بالكسر هي الاشراف والتصرف والزعامة. الامثل ج4/ص/56 يقول ابن تيمية »يجب ان يعرف ان ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين الا بها«(1). يقول الدكتور أسعد القاسم في كتابه ازمة الخلافة والامامة يعطي الشيعة لمنصب الخلافة او الامامة دورا اكثر دينيا مما يعطيه اهل السنة لان الامام الذي له الولاية يقوم بتهذيب البشر وإرشادهم ويشرح لهم مقاصد الشريعة ويفسر لهم القرآن ويصون الدين من التحريف(2). يقول الشيخ جوادي املي في كفاية دروس في ولاية الفقيه. الدرس الاول: الولاية بمعنى الحكومة والقيادة(3). 2 من هو الولي: من هو الحاكم؟ اتفق جماعة أهل الحق بأن الحكومة والولاية لله تبارك وتعالى. انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا »سورة المائدة«(4). فالولاية التكوينية او التشريعية هي لله وكل ما عند النبي او الامام او الذين آمنوا بعد ذلك هو من الله بحسب النص السابق والولاية التشريعية للنبي محمد(ص) جعله الله عز وجل تعظيما لشأنه وإتماما لمنهجه. يقول المولى جل شأنه النبي اولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم(5). وهذا جعل من الله سبحانه للنبي(ص)فالنبي هو الذي يأمر فيطاع ويطلب فيعطى ويمشي فيُتبع ويحارب فيطاع ويسالم فيطاع الخ... والنبي(ص) جعل الولاية لعلي والائمة(ع). فقد نص على ولاية امير المؤمنين(ع) في اكثر من موقع وآخرها حديث الغدير الذي اتفق الطرفان على صحته وقد وصل الينا من مئة وعشرين طريقا(6) وبه أثبت النبي الولاية لعلي(ع). قال للجماهير المحتشدة: ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا بلى يا رسول الله فقال لهم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وأخذ بضبع علي فرفعه حتى بان بياض ابطه. وبهذا العمل تمت الولاية لعلي(ع) ويجعل علي الولاية للإمام الحسن والإمام الحسين والائمة المعصومين. تمت ولاية الائمة(ع) وكانت ولاية تامة على هذه الدنيا وما فيها. يقول الإمام الخميني في كتابه الحكومة الاسلامية. من ضرورات مذهبنا انه لا يصل احد الى مراتب الائمة(ع) المعنوية حتى الملك المقرب والنبي المرسل. وفي الاساس فان الرسول الاكرم(ص) والائمة(ع) وبحسب رواياتنا كانوا في ظل العرش قبل هذا العالم وهم يتميزون عن سائر الناس في انعقاد النطفة والطينية ولهم من المقامات ما شاء الله وذلك كقول جبرائيل(ع) في روايات المعراج »لو دنوت أنملة لاحترقت« او كقولهم(ع) ان لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل(7). والحديث في باب حالات الائمة المعنوية والزلفى لدى المولى ذو شجون وواسع جدا وهو حديث مهم يؤجل الى حينه. وبهذا الجعل اصبح الائمة اولياء على الكون بما فيه ولهم حق التصرف بكل شؤونه ولاية مطلقة من قبل خالق الاكوان أعطيت لرسول الله(ص) وللائمة المعصومين فهم سلاطين الكون وهم أولياء الامور وهم الحكام وهم الهداة وهم المقربون. وقد تركوا بصماتهم على كثير من الحالات التي لا يستطيعها الكثيرون بل الابدال من الناس ومع هذا كله فقد كانوا يتعاطون حسب قدره الافهام البشرية الضعيفة وكانت تصدر من الامام علي(ع) وبقية الائمة أمور خارقة للعادة وهي أمور بشرية وتحسب الآن في عصرنا أمورا عادية جدا كانوا يؤلهونهم عليها ولهذا لم تصدر منهم أمور خارقة للعادة الا بحسب الحاجة والضرورة وفي أبواب التحدي والحفاظ على الاسلام من الانهيارات المعنوية التي كان يتصدى لها الزنادقة وبقايا المجوسية والمزدكية واليهودية والنصرانية. ولولا وجود الائمة(ع) والقيام بالدور والتصدي لهؤلاء الموتورين لأسهموا في ثلب الاسلام وتنقيصه وبقي الاسلام بنظر الناس مبتورا. ولكن أئمتنا(ع) حافظوا على الاسلام ومنعوا اتباعه من الشرود والأخذ بما لا يحسن ووضعوا الامور في نصابها. ولو أتيح لهم ان يجلسوا على سدة الرئاسة لساروا بالاسلام سيرا سجحا، ومع كل ذلك ما استطاع الآخرون بوجود الائمة ان يلعبوا بالافكار او يهدموا الأسس الاسلامية الكبرى. ولما كان عمر الائمة محدودا وكان عمر الرسالة أبديا لأنها رسالة الانسان والحياة الى يوم القيامة كان لا بد من نقلها الى الاجيال بواسطة مجموعة من أولياء الامر عدول فقهاء على رأس المراحل والمفاصل في حياتنا السياسية والثقافية قضائيا واجتماعيا. ومن هنا جعل الائمة الحكومة والقضاء والفصل بين الناس والولاية على الايتام والتصرف في المال العام وتقديم الامور او تأخيرها وتعديل الاوضاع الاقتصادية والسياسية وإمضاء المشارع الاسلامية الكبرى مثل تأسس الحكومات وبناء الجيوش وتأسيس مصانع السلاح والانتاج العسكري ومنع احتكار وإبطال الاعلام الكاذب واشغال معادن النفط وثروات البلاد والحياة في تجدد وكل ما يتجدد فيها من بناء واعمار وتحول وتوزيع وخدمات وصرف انفاق للمال العام والسيطرة التامة على المرافق العامة وتحديد المياه الاقليمية والدولية وتحديد الحدود وتأهيل الاصول ومنع الاعتداء وتأديب العصاة واقامة الحكومات ومنع الثأر الا بإذن السلطان وما يترتب على اقامة الدولة والحكومة. من هنا حفظ الايتام والمال العام وحفظ المجتمع بوجود الفقيه العادل. وقد وردت روايات كثيرة في هذا الصدد منها بشكل واضح ان الائمة(ع) نصبوا الفقهاء العدول أولياء على الامور وصار الفقيه العادل مشروع حاكم وولي، فكل من كان في دائرة اسلامية صغيرة كبيرة عالما فقيها عادلا وجب عليه التصدي للحكومة ولحفظ المال العام ولحفظ الشأن العام للأمة وفك الخصومات وحل المشاكل، ووجب على الامة الرجوع اليه والانصياع لديه والتحاكم عنده وإعطاؤه المال اذا طلبه ليوزعه في حق بين الفقراء والمساكين الخ... أول من قال من العلماء بولاية الفقيه بعد غيبة الامام المهدي(عج) لم نسمع عن لفظ الولاية بمعناها السياسي المعروف اخيرا شيئا، ولعل اول من نادى بولاية الفقيه بهذا المعنى هو الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي الجزيني 720 784ه. غير ان الشهيد لم يصرح بهذا المعنى وانما يمكن اقتناص المفهوم العام من كتابه اللمعة الدمشقية بالابواب التالية/ باب الزكاة باب الخمس باب الجهاد باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باب القضاء باب الحج باب النكاح باب الحدود. واذا راجعت الكتب المثيلة للشيخ الطوسي والعلامة الحلي لا تجد هذه التعابير ويأتي بعد ذلك الشهيد الثاني فيشرح اللمعة ويوجب دفع الخمس لنائب الامام(ع). وهذا كله لا يصح الا وفق النظرية العليا (حكومة ولاية الفقيه)(8). وتستمر نظرية ولاية الفقيه بالصعود ليأتي بطل الأبطال المحقق الكركي علي بن عيد العالي 870 940ه فيحكم إيران الصفوية وفق نظرية ولاية الفقيه ويأذن للشاه اسماعيل الصفوي فيتصرف بالملك بعد ان يسلمه المملكة الصفوية بكاملها، وأمامنا نص مرسوم شرعي وفق النظرية بعد وفاة الشاه اسماعيل الصفوي وعودة المحقق الى أصفهان: »بسم الله الرحمن الرحيم، حيث انه يبدو ويتضح من الحديث الصحيح المنسوب الى الامام الصادق(ع) اننظروا من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته حاكما فاذا حكم بحكمنا فمن لم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد وهو راد على الله وهو على حد الشرك بالله، وواضح ان مخالفة حكم المجتهدين الحافظين لشرع سيد المرسلين هو والشرك في درجة واحدة لذلك كل من يخالف حكم خاتم المجتهدين ووارث علوم سيد المرسلين ونائب الائمة المعصومين(ع) لا زال كاسمه العلي. عليا عاليا ولا يتابعه فانه محالة مردود وعن مهبط الملائكة مطرود وسيؤخذ بالتأديبات البليغة والتدبيرات العظيمة. كتبه طهماسب بن شاه اسماعيل الصفوي الموسوي«. يمثل هذا البيان اول خطاب سياسي في الاسلام مبني على ولاية الفقيه لأول مرة ترد فيها عبارة نائب الامام في غير كتاب من كتب الفقه(9). الدليل الشرعي: من الروايات الواردة في هذا الشأن، الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا، فقال(ص) اتّباع السلطان اي الجائر فإذا فعلوا فاحذروهم على دينكم(10). واذا عرفنا قبل قليل وظيفة النبي والرسول هي الحكومة بين الناس ولهم الاشراف الكامل على المجتمع من ولاية وجباية وفك خصومات وملء الفراغات السياسية كان للفقهاء هذا الدور واحدا بواحد. وكذلك روايات مثل رواية عمر بن حنظلة التي اشتهرت بالمقبولة ونعتها السيد المحقق جعفر مرتضى العاملي بالصحيحة وهي: عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن اصفوان بن يحيى عن داوود بن الحسين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث فتحاكما الى السلطان غير العادل والى القضاة أيحل ذلك قال: من تحاكم اليهم في حق او باطل فانما تحاكم الى الطاغوت وما يحكم له فانما يأخذ سحتا وان كان حقا ثابتا له لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله ان يكفر به قال الله تعالى »يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به«، قلت كيف يصنعان قال ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا راد على الله وهو على حد الشرك بالله(11). وهذه الرواية واضحة ان الامام جعل على العالم بعده الفقيه العادل العالم بالحلال والحرام والعارف بأحاديثهم ورواياتهم ويستطيع ان يميز روايات أهل البيت(ع) عن غيرها بحيث له ذوق علمي وفقهي وملكة تساعده على ذلك أمام الحشد الهائل من الروايات التي وضعت لتحرم الحلال وتحلل الحرام. والظاهر انه لا خلاف بين الفقهاء ان الفقيه العادل له ولاية بهذه النصوص المتواترة والروايات الموثقة والصحيحة على حسب رأي البعض، ولكنهم اختلفوا هل للفقيه ما كان للامام من الطول والعرض والسعة أم لا بل له بعض ما كان للإمام. ولا شك في ان بعض ما كان للإمام ثابت للفقيه من الولاية على من لا ولي له وعلى السفهاء بعد البلوغ وعلى من مات وليس له ولي وعلى المال العام ومجهول المالك. الإمام الخميني ومعاصروه حول ولاية الفقيه فاجأ الامام الخميني(قده) الفقهاء المعاصرين بنظرية ولاية الفقيه حيث كانوا يطمحون ان يشكل الامام شورى مرجعية وفقاهتية يكونون شركاء فيها ويحصل لهم بعد ذلك من الشرف كما حصل للإمام ويكونون شركاء في الانتاج من دون اية مساهمة في الثورة فضلا عن معاداة الثورة. ولكن الإمام الخميني فوّت الفرصة عليهم وصعق الجميع بهذه النظرية فصاحوا بين الجدران الاربعة ولا من يسمع لهم لأن الشعب تلقف النظرية وابتهج بها ولهج شعارا ودثارا وصارت جزءا لا يتجزأ من الشعار المرفوع لمحاربة اميركا واسرائيل وصدام ومنافقي خلق. الموت لأميركا وإسرائيل ومنافقي خلق وصدام ومن كان ضد ولاية الفقيه، وهذا شعار سمعناه آلاف المرات وسمعه العالم كذلك من المصلين المشاركين في مراسم صلاة الجماعة، واستمر هذا الشعار سرا وعلنا فلو ان مسلما إيرانيا صلى وحده كان يردد هذا الشعار السياسي الصاعق ولا شك ان العقل الثوري يفهم الامور والنصوص الشرعية بطريقة تختلف تماما عن الفقيه الجامد صاحب العقل البارد الذي يقيس النصوص من خلال جلوسه في السرداب وتشريحاته الذهنية البعيدة كل البعد عن الواقع السياسي. ولا شك ايضا في ان البعد عن الدولة والتخويف من اصحاب النفوذ وتحريم التعاطي السياسي على الفقهاء والحوزات ساهم في إرخاء ظل مديد على عقلية كثير من الفقهاء بالابتعاد بالنصوص عن الحكم والحكومة. ومن الصعب على العقل الشارد البعيد ان يستسلم بسهولة للمفاهيم الثورية الجديدة. ومن هنا يفهمون النص: الفقهاء حصون الاسلام، او الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا الدنيا ان على الفقهاء الابتعاد عن الحكم والورع بالابتعاد عن الحاكم ومسايرة هؤلاء الجبابرة بقبول هداياهم، بحث طويل حول قبول هؤلاء هدايا الجائر وعلينا الابلاغ الهادئ بحسب المكنة يتعاطى إذاً الفقيه بالتبليغ الهادئ يحافظ على الاموال يقتر على نفسه يزهد في الدنيا يصبح مثالا في الورع ولا يجرؤ ابدا على الدخول في التكفير لمجابهة الحاكم الجائر والضرر فيه اكثر من المنافع. وهناك أعذار كثيرة للقاعدين والجامدين وهو مدلول تاريخي طويل لبعد الامة ولبعد الفقهاء عن الحكم والحكومة ولملاحقة فقهاء أهل البيت من قبل سلاطين الجور واستشهاد الفقهاء الكبار منهم في هذا الصدد. اما الإمام رحمه الله فانه ثائر ينظر الى الامور بعين ثاقبة. تأمل فهمه في هذا النص عندما يقول(ع) المؤمنون الفقهاء حصون الاسلام. فهو في الحقيقة يكلف الفقهاء ويأمرهم بأن يكونوا حماة الاسلام وان يدافعوا عن عقائد الاسلام واحكامه وأنظمته. ومن الواضح ان كلام الامام هذا ليس فيه اي نحو من المجاملة فهو ليس كالمجاملات التي نقوم بها مع بعضنا او كأن نكتب على أغلفة الرسائل لبعضنا جناب المستطاب حجة الاسلام فلو كان الفقيه جليس بيته ولم يتدخل في الامور الاجتماعية للمسلمين ولا اهتم بأمورهم فهل يوصف بأنه حصن الاسلام او حافظ الاسلام. ثم يستمر الامام في الحديث لو أمر رئيس الحكومة او القائد شخصا ما بالذهاب الى احدى النواحي لحفظها فهل تسمح له وظيفة الحراسة بالذهاب للنوم في بيته الى ان يأتي العدو ويقضي على تلك الناحية ام ان عليه الجد في الحفاظ عليها بأي شكل استطاع؟ اذا قلتم نحن نحفظ القرآن ونحفظ بعض احكام الاسلام اسألكم فهل تقيمون الحدود وتنفذون القانون الجزائي للاسلام والجواب هو كلا يعني فتحتم ثغره هنا وقد تداعى جانب من حائط الاسلام. هل تقومون بالحفاظ على جميع حدود المسلمين وجميع أراضي الوطن الاسلامي، الجواب كلا، تداعى جانب آخر. هل تأخذون حقوق الفقراء من الاغنياء وتوصلونها الى الفقراء، اذا كانت وظيفتكم الاسلامية ان تقوموا بذلك الجواب كلا سيقوم بهذا غيرنا وهنا تداعى حائط آخر وصرتم مثل السلطان حسين واصفهان. فما هو الحصن الذي كلما طرحنا جهة من الجهات على هذا السيد حصن الاسلام يعتذر ويتملص فهل هذا معنى الحصن. هذا هو الفهم الصحيح للنص ان تستدل بالجو العام المدلول التاريخي والاستشراف على المستقبل لماذا هذا النص دراسة الواقع القائم. جزاك الله عنا ايها الراحل العظيم ما أشبهك بالرعيل الاول من الفقهاء الاعلام الشهيد الاول والشهيد الثاني والمحقق الكركي حيث أسسوا لإقامة حكم اسلامي وملأوا الساحة الاجتماعية فقها وقربا من الناس وعملا بأفضل احكام القانون الاسلامي. وهنا نص آخر ناقشه الإمام لمن الرجوع في الحوادث الاجتماعية المستجدة. عن محمد بن يعقوب عن اسحاق بن يعقوب قال سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل كتابا لي قد سألت فيه مسائل اشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان(عج) اما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك الى ان قال: اما الحوادث الواقعة فأرجو فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله واما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه فانه ثقتي وكتابه كتابي. يقول الامام ليس المقصود بالحوادث الواقعة المذكورة في هذه الرواية المسائل الشرعية كما يفهمه الآخرون بل المقصود السؤال عن الاحكام المستجدة لان المسائل الشرعية كانت من الواضحات والروايات متواترة في لزوم رجوع الناس الى الفقهاء فيها، وكان الامام لا يسأل الا في مسائل مستحدثة مهمة على مستوى حالة جميع الناس. اذا المقصود بالحوادث الواقعة هي الحوادث الاجتماعية المستجدة والمشاكل التي تواجه المسلمين كان سؤاله بشكل عام وبنحو مموه انه نحن الآن لا تستطيع الوصول اليكم فماذا يجب ان نفعل في المستجدات الاجتماعية وما هو التكليف. والذي يبدو في النظر انه قد سأله بشكل عام والإمام أجابه طبق السؤال انه في الحوادث والمشاكل ارجعوا الى رواة احاديثنا اي الفقهاء فهؤلاء حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم. ما معنى حجة الله، هل يعني ان خبر الواحد حجة؟ فاذا نقل زواره خبرا يكون نقله حجة عندما يقول الرسول الاكرم اني راحل وأمير المؤمنين حجة عليكم فهل تفهمون ان الاحكام تتعطل عند وفاة النبي(ص) ام ان حجة الله يعني كما كان النبي هو الحجة فعلي هو الحجة وكما كان النبي يرجع الناس اليه في كل شيء يجب الرجوع الى علي في كل شيء. وكذلك عندما يقول الامام الفقيه بعدي حجة يصبح للفقيه من الحجية ما كان للإمام وزنا بوزن في كل القضايا العامة والاجتماعية والسياسية. ومن هنا نفهم رأي الامام بأن الفقيه له كل ما للإمام من الحجية لأنه منصوب من قبله ولا فرق عند الناس سواء كان الإمام هو المرجع الذي يرجعون اليه او وكيله العام وهو الفقيه ما دام الفقيه معينا ومنصوبا من قبل الإمام وله حجية شرعية(12). ثم يكمل الإمام فقهاء اليوم حجة على الناس كما كان رسول الله(ص) حجة الله وجميع الامور بيده وكل من تخلف عنه تقام الحجة عليه. فالفقهاء على الناس من قبل الإمام وجميع أمور المسلمين موكولة اليهم وكل من يتخلف عنهم في أمر الحكومة وادارة أمور المسلمين وأخذ الواردات العامة وصرفها فسوف يحتج الله تعالى عليه. ولا يوجد أي إشكال دلالتي عند الامام وان كان هناك شيء يوجد فهو في السند، وعلى كل حال فهي مؤيدة للمطلب العام الذي نريده والمطلب العام عند الإمام ان الفقيه له ولاية عامة على العالم كما كان للإمام المعصوم بلا فرق لأنه منصوب من قبله فحكمه حكمه ومخالفته مخالفته. وللآخرين ان يناقشوا في الصغرى والكبرى لكنهم لن يفلحوا في كل محاولاتهم لأن الاسلوب الذي اتبعه الامام يغرق فيه جميع المستدلين ولا يمكن النجاة منه. هذه الخلاصة موجزة قدمناها بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الامام الخميني تلبية لطلب الأخ العزيز حميد حلمي زاده مراسل جريدة كيهان العربي في دمشق، والحمد لله رب العالمين. (*) رئيس هيئة علماء جبل عامل. مصادر: (1) السياسة الشرعية ابن تيمية ص165. (2) ازمة الخلافة والامامة الدكتور أسعد القاسم ص45. (3) جوادي آملي ولاية الفقيه ص19. (4) المائدة آية 56. (5) الاحزاب الآية 6 ص11. (6) الغدير الجزء الاول. (7) الحكومة الاسلامية ص89. (8) ستة فقهاء ص92 الشيخ محمد جعفر المهاجر. (9) نفس المصدر ص125 الشيخ محمد جعفر المهاجر. (10) اصول الكافي ج1 ص58 كتاب فضل العلم باب المستأكل بعلمه. (11) الوسائل ج18 ص99 والكافي ج1 ص412. (12) الحكومة الاسلامية ص105. الشيخ عفيف النابلسي *