رنا التونسي شاعرة مصرية شابة تعيش في الخليج، اصدرت حتى اللحظة مجموعات شعرية : « ذلك البيت الذي تنبعث منه الموسيقى» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«وردة الأيام الأخيرة» و«وطن اسمه الرغبة» عن دار مـيريت، وإصدار جديد عن دار النهضة العربية تحـت عنــوان «تاريخ قـصير» كما تنتظر إصداراً لا يزال قيد الطبع عن الدار نفـسها. التونـسي تتميز بحساسية مفردة عصرية ترقب فيها عيشها اليومي، وتكسبها شاعريتها برهافة الشاعرة نفسها، مع رنا كان هذا الحديث: ما الفرق برأيك بين ديوان اول وديوان عاشر، هل يتغير تلّقي الشاعر للأحاسيس أم هي المفردة التي تنضج وتستوي على شاعريته تحظين بمواكبة نقدية ايجابية في القاهرة وخارجها. هل برأيك تُقرأ دواوينك بشكل يُرضيك؟ ما رأيك بالنقد عموماً؟ الديوان الأول يختلف عن الديوان العاشر باختلاف التجارب وباختلاف القراءات أيضا. لكن لا أعرف هل العاشر سيكون أقوى من الخامس مثلا أو العكس. أحيانا يقع المرء في غواية الشعر فلا يريد أن يترك الكتابة حتى ولو ضاعت منه الكلمات. لا تقرأ دواويني بشكل يرضيني في مصر. منذ سنتين تقريبا قررت أنه طالما أنني مقتنعة أنني شاعرة سأكون شاعرة حتى ولو لم تنشر لي قصيدة واحدة في مصر. وأرسلت قــصيدة إلى محرر موقع كيكا الذي قابلها بترحاب وتم نشرها ومن هنـاك بدأ الكثيرون قراءة شعري. عندما اتجهت إلى النشر الالكتــروني كـنت يائسة من تجاهل جريدة أدبية في مصر لنشر قصائدي أو حتى نشر مقال نقدي واحد يتعرض لواحد من دواويني الأربعة المنشــورة كلها في مصر في الفترة من 1998 وإلى 2006. وكأنني لست موجــودة ولــست شاعرة مصرية. لم تنشر لي قصيدة واحــدة في أخبــار الأدب إلا بعد صدور ديواني الرابع» تاريخ قصــير» من دار النهضة اللبنانية 2007 ومتابعته نقديا في لبنان علما أنه تم نشر ديواني الأول على نفقة الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية في 1998 وتم تجاهله أيضا. تكتبين بمفردة طفلة ومزاج امرأة . الى أيّ حد توظفين زمن طفولتك في مجموعاتك؟ هل الطفولة أي البراءة جزء الشعر الأكثر عذوبة وتأثيرا على ما أحسب شخصياً؟ لا يمكنني تحليل قصائدي دلاليا لكن أعرف أني لا أحب وضع خطوط فاصلة بين مشاعري وهل أشعر كطفلة أو كامرأة أو كرجل أو كشجرة تعرف أنه سيقصف عمرها. لا أعرف لماذا ترتبط البراءة بالطفولة فقط. لا يوجد برأيي تاريخ انتهاء للبراءة أو كيف يمكننا تحديد ذلك ومن الذي يحدده. أنا أكتب ما أحسه والشعر الأجمل هو الشعر الأصدق غير المفتعل. أحيانا أريد لكتابتي أن تبدو اكثر شراسة مثل كتابة جويس منصور مثلا لكني لا أحس بهذا الشكل. تعيشين عمرك في قصائدك فلا تتصنّعين لغة أو تستعيرين مشاعر خارجها، الى أيّ مدى رنا التونسي موجودة في قصائدها. هل تتركين للشعر حيّز الخيال الضروري ؟ عندما أعيد قراءة القصائد أشعر أنه هناك افتقاد لشعور ما أو زمن ما في كل القصائد. في حياتي الشخصية ليس لدى هذا الاحساس بالفقد ولست بذلك الحزن الذي يظهر في الكتابة. تتسرب مساحة الخوف من قلبي إلى الورق أحيانا لكن لا أنظر أبدا إلى الوراء أو إلى زمن لم أعشه. ربما الخيال هنا يفرض نفسه أو ربما هذا هو الجزء الذي لا أراه من نفسي. من يعجبك من الشعراء المصريين والعرب عموماً، ومن مُجايليك أيضاً ؟ أحب وديع سعادة، محمود درويش، الماغوط . وحاليا من مصر أحب قراءة زهرة يسري وايمان مرسال وعماد أبو صالح . ومن العرب أحب منذر المصري، اسكندر حبش، لقمان ديركي، زينب عساف وريمة البعيني وآخرين. أحلام قصيرة علاقتك بالفنون الأخرى : سينما، مسرح وموسيقى، وما مفهومك لقصيدة النثر؟ تربيت على سماع الموسيقى رغما عني حــيث كان أخي الأكبر طالبا في المعهد العالي للموسيقى. كان يغني طيلة الوقـت الموسيقى العربية الكلاسيكية من أغانٍ وموشحات وأدوار قديمة ويعزف العود والبيانو. كانت أمي تهتم به قبل التحــاقه بالاكاديــمية بوقت طويل ليكون اما راقصا أو موســيقيا. بالتالي كان علي حفظ كل الأغاني التي يدرسها ويعرفها، أولا لأنها كانت تعجبني وثانيا لأني كنت أستغرب انه يحق له أن يكون النجم الأوحد في البــيت فقط لأنه يحفظ تلك الأغاني. كنت أحاول أن اجد لنفسي مكــانا للظهور بجانبه. لذلك شكل أخي الأكبر بحضورة وببهائه الخاص حبي للموســيقى الــعربية خاصة الأغاني القديمة. أسـتمع حاليا إلى كل الأنـواع الموسـيقية وأحفظها أيـضا سـواء أعجبـتني الأغنية أم لا. أحب التفاؤل والفرح في صوت نانسي عجرم. لكن مطربتي المفضلة هى ليلى مراد. قبل التحاقي بالجامعة فكرت في التــقدم لمعهد السينما قسم اخراج وذهبت لمشاهدة بعض المخرجين والتدرب معهم لكن لم تتحمس عائلتي للأمر واقنعــوني أنه إذا أردت أن أكون مخرجة في يوم ما فسيحدث ذلك بدون الالتحاق بالمعهد. فدرست فصلا في الجامعة الأميركية عن فن السينما درست فيه بعض تقنيات الأفلام وما الذي يصنع نجاح الفيلم وقدمت أيحاثي النهائية حول فيلمي American Beauty, Eyes Wide Shut , اللذين لم أعد أحبهما الآن ولم أعد أفكر في الاخراج أيضأ. مؤخرا اتجه أخي الصغير طه إلى الإخراج بعد تخصصه في المونتاج وربما في يوم ما سنعمل معا. علاقتي بالمسرح منعدمة تقريبا لا أعرف لماذا. ربما يكون هو الأصعب. لا أريد أن أتفلسف. اختلف شعراء وكتاب كبار حول الخطوط الفاصلة بين الشعر والنثر ومحاولات تحديد جماليات هذا وذاك. لا أريد أن أدافع عن نظريات أو أعرض لها فهذا ليس مجالي. لكن يمكنني القول إن مفهومي لقصيدة النثر هو مفهومي للحياة. الحياة التي تقفز من الأسوار. لا يمكن إلغاء أو إنكار شعرية القصيدة التقليدية أو قصيدة التفعـيلة أو قصيدة النثر.. ثمة تطور طبيعي ليس فقط في الموسيقى وطبيعتها بل في العالم الذي تتنفسه كل قصيدة.. أما اللا الشعر فليس وقفا على قصيدة النثر كما يدعي البعض بل هو موجود في الشعر التقليدي والشعر الحر أيضا. إذن السؤال الأصعب ما الشعر؟ أنه لا يقاس بإيقاع أو بصورة أو بمفردة وإلا فكيف نفهم ما قاله العقاد من أن الشعر هو ما ظل شعرا بعد ترجمته... يمكننا بالطبع أن نلوك الكثير من العبارات عن تعريف الشعر لكني أبحث عن الشعر في الكتابة .. أتنفس العالم شهيقا وزفيرا في الكتابة. أعيد تفكيك وتجميع ذاتي في الكتابة. كان بودي أن أعيش وقت عنترة بن شداد وأكتب معلقة تخصني أتكلم فيها عن القبيلة والسيوف والحب والعذارى لكني لم أولد في وقت عنترة لأصادقه الكتابة. كنت أريد أيضا أن أكتب شعر التفعيلة مثل صلاح عبد الصبور ليحبني أحمد عبد المعطي حجازي . لكني ولدت في هذا الزمن لأجد أن ما أكتبه يسمى أحيانا شعرا وأحيانا قصيدة نثر. ماذا عن أحلام المستقبل؟ صعب تصور أحلام بعيدة المدى. أحلامي قصيرة جدا لدرجة أنها تنتهي بمجرد أن أقفز من النوم. أحلم أن أكون أكثر سعادة كل يوم عن اليوم الذي سبقة وأكثر ذكاء وحياة وموهبة. فكرة أنني أستيقظ كل يوم تسعدني بحد ذاتها فلا أريد أن أشغل نفسي بحلم بعيد.