تناقلت وكالات الانباء على سبيل الغرابة والتفكه خبر قتل شاعر لخمسة من زملائه الشعراء إثر مناظرة شعرية أقيمت في منطقة ريفية في محافظة أبين في بلاد اليمن. ويقول الخبر ان الشاعر (...الحداد) اغتاظ لهجاء شعراء له فأمطرهم رصاصا وأردى خمسة منهم على الفور، وفر ساعات عاشها قاتلا قبل ان يتبعه أقرباء الشعراء الضحايا من آل ربيز التابعين الى قبيلة يمنية كبيرة ويحولوه وابنه، الذي كان يرافقه، الى ضحيتين اضافيتين من ضحايا الشعر. سبعة ضحايا.. والبقية تأتي تبعا لقوانين الثأر القبلي الذي لا يزال محكما في المجتمع اليمني. فالشعر الذي لم يطلع كبار شعراء عرب بين اليمنيين، لا في العصور الماضية، ولا في العصر الحديث، برز قاتلا هذه المرة، لا بل إن اخبار الشعر والشعراء الشحيحة من اليمن، حلت بهذا الخبر كابوسا على مجتمع المثقفين العرب. كانت المناظرات الشعرية مستوى من مستويات الصراع، وشكلا من أشكال القتال، ولم تؤد يوما الى قتل شاعر لهاجيه، وإن أدت الى قتل شعراء من قبل ملوك وأمراء وولاة وأبناء قبائل مهجوة، فعنف الرشيد الذي لقيه شعراء البرامكة مثل بارز على ما نقول. سهام مسمومة كان الهجاء سهاما مسمومة مرة، ومعارضة تنقضي بروح رياضية مرة اخرى، حتى ان القرآن الكريم تضمن معنى من معاني الهجاء عندما نزلت الآية: »والشعراء يتبعهم الغاوون...« فهجا قوما من الشعراء ثم عاد واستثنى بآية اخرى »إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات...«. وقد روي عن النبي انه نادى حسان بن ثابت وهو في بعض أسفاره وطلب ان يسمعه شعرا فأنشده ما تيسر، وروي انه قال له: »لهذا أشد عليهم من وقع النبل«، وروي ايضا انه قال له: »أهجهم! فوالله لهجاؤك أشد عليهم من وقع السهام، في غلس الظلام«! واذا حضرنا بيتان من مهاجاة حسان بن ثابت لأهل مكة نفهم ايضا حضور الهجاء كمستوى من مستويات الصراع وأداة من ادوات المعركة ضد الخصم: »لنا في كل يوم من معد/ سباب او قتال او هجاء/ فنحكم بالقوافي من هجانا/ ونضرب حين تختلط الدماء«. هكذا فعل الشاعر اليمني الحداد تماما فجعل من نفسه شاعرا ومحاربا في آن، فهو أحكم بالقوافي، ولما لم تسعفه تماما، ضرب خصومه بالنار كي تختلط الدماء. لم يسعفه الشعر وعبقرية الهجاء في مقارعة زملائه في المناظرة، ولو انه كان مثل جرير، لما احتاج الى سلاح آخر في المعركة غير الشعر، فجرير الذي اجتمع في مهاجاته شاعران كبيران كالفرزدق والأخطل، لم يتحول عن الشعر الى سلاح آخر، بل انه لم يفعل ذلك عندما أصبح على خصام مع ثلاثة وأربعين شاعرا من شعراء عصره كما يقال. جرير الذي قضى أربعين عاما في مهاجاة الفرزدق وحشد له مئات الأبيات، عاد وأغلق باب العداوة معه وتخلى عن كل أحقاده فيه، وخرج عليه، بعد موته، بعاطفة انسانية، وعاد ليقول فيه: »مات الفرزدق بعدما جدعته/ ليت الفرزدق كان عاش قليلا«. كان يمكن للحداد ان يستغني عن الدماء ويفر قبل القتل لا بعده، فالشاعر والبة بن الحباب فر من أبي العتاهية لما هجاه، ولم يقتله. من يعتذر لمن من الشعراء اليمنيين الذين أرداهم الشعر؟ وهل بات على الشعراء العرب جميعا ان يعتذروا من العالم عن هذه الحادثة »الشعرية« المهينة، بلسان شهداء الشعر... يعتذروا لمن فجعهم الخبر، بل للقبائل اليمنية التي هزتها الفاجعة فلعل المصاب يهون والنفوس تهدأ؟ غريزة الهجاء ما علاقة الشعر والشعراء بالحادثة، هل هي حادثة قضاء وقدر في عالم الشعر، تماما مثلما كان موت جار الشاعر العباسي أبان بن عبد الحميد، الذي كان معتلا وصح من علته وخرج فجلس على بابه، فأنشده أبان أهجية دفعته الى داخل منزله وما خرج منه حتى مات. لم يكن هجاء أبان أعنف وأقذع من هجاء الفرزدق لجرير، ولم يكن أقوى من هجاء أبان نفسه لأبي نواس، ولا أشد من أهاجي بشار بن برد. هي لحظة الضعف نفسها، اذا، حولت جار أبان الى جثة هامدة، في حين حولت الشاعر اليمني الحداد الى قاتل. ويقال ان بشار كان ضعيفا أمام الشاعر الصعلوك أبي الشمقمق، يخشى خبث لسانه، مما يضطره الى دفع الكثير من الدراهم لتجنب هجائه الذي كان يجري على ألسنة العامة بسرعة البرق. كان بين الشعراء العرب هجاؤون بالغريزة، فأبو عينية المهلبي، المعروف بدخوله السجن أكثر من مرة بسبب هجائه، كان له أخوان شاعران هما عبد الله وداود هجاءان أيضا. هكذا كان الغرض الشعري يرتبط بالشعر عندما كان الشعر من الفنون الفطرية، كالغناء، اما اليوم فالمفارقة التي تحضر مع حادثة المناظرة الشعرية اليمنية هي في ان غرض الهجاء بات من الأغراض الشعرية البائدة في الشعر الحديث، اذ بعض الشعراء يطيرون قصائد في الهجاء على سبيل الفكاهة والمعارضة، وبروح رياضية، ولا يدخلونها في دواوينهم ومجموعاتهم الشعرية. لقد بات الشعر الحديث ينحو في اتجاه الداخل، فالشاعر نفسه محور الوصف والمديح والمفاخرة والهجاء معا. بات الشعر اكثر ذاتية واكثر صمتا وأقل مخاطبة. وبكلمة اخرى فإن اغراض الشعر الحديث، على ما يمكن ان يلاحظه البعض فيها، باتت أقل »قتلا« من الشعر القديم، واذا قتل الشاعر، فإنما يقتل نفسه فقط. القبلية والهجاء تنبهنا الحادثة اذا، الى امور عدة متآلفة في عناصرها واطرافها، فالهجاء والصراع القبلي وقانون الثأر واختلاط الدم بالقصائد والكلام وعصر عكاظ والمناظرات الشعرية.. كلها تضع اطارا لذلك المجتمع الذي وزع ذات يوم حضاراته على العالم، ولما تزل ناطحات السحاب اليمنية، تنتصب شاهدا على تقدمه وسبقه العمراني في عصور غابرة. تنبهنا الحادثة الى ذلك الانفصام المرير الذي يعيشه المجتمع العربي، بين طموح مثقفين الى مواكبة الحضاري وبين اصرار آخرين على ازياء التراث والثقافة التي تشرب من نبع »الأصالة« مباشرة. كان ديوان العرب خيمتنا الثقافية التي نتباهى ببنائها امام العالم، وقد حوله اليوم »اخواننا« في المناظرة وصمة نخبئ وجوهنا كي نطويها. لن نمتنع عن كتابة الشعر لأنه قتل شعراء، مثلما اننا لم نمتنع عن ركوب البحر الذي حول العديد من ركابه الى طعام سمك... لكن لا نستطيع الا الترحم على عكاظات الشعر وعلى شعراء »الملحمة« الشعرية اليمنية التي يمكن ان تكون حافزا لخروج الشعراء اليمنيين الشباب الى واجهة الاعلام الثقافي العربي على الأقل، ويصبح من شأنهم قلب الصورة وادخال الطمأنينة الى من حل في قلوبهم ارتياب وقلق على الشعر والشعراء. أحمد بزون