أضحت تظاهرة السينما العربية الفرنسية التي يقيمها المركز الثقافي الفرنسي بدمشق منذ عدة سنوات، نافذة شبه وحيدة لمشاهد السينما السوري لكي يتابع من خلالها بعضاً من أهم ما أنجزه السينمائيون العرب خلال سنة ماضية. ورغم اقتصار التظاهرة كما هو مشار في عنوانها على أفلام ساهمت فرنسا بشكل أو بآخر في إنتاجها، فإن هذا التحديد لا يفقر البرمجة بل يغنيها، فقد أصبح من البدهي والنافل! التأكيد على أن الانتاج المشترك بمساهمة أوروبية وخصوصا فرنسية أضحى الصيغة الوحيدة المتاحة لمعظم السينمائيين العرب لكي يحققوا من خلالها بعضا من طموحاتهم الفنية بعيدا عن سيطرة أصحاب رؤوس الأموال العرب وبعض الحكومات العربية الذين اكتسبوا عداءً للسينما كفن حقيقي.. مشاغب.. عميق.. باحث بالصورة عن المستور والمخبأ والمسكوت عنه، خاصة أن البديل عند هؤلاء جاهز وفي الخدمة.. ألا وهو ما يسمى بالدراما التلفزيونية، المفرغة كشكل فني وكوجود فيزيقي من أي بعد جمالي أو ثقافي حقيقي باستثناء بعض الفذلكات المصطنعة والكاذبة. في المقابل فإنه أضحى للإنتاج السينمائي المشترك تقاليد راسخة خاصة في دول المغرب العربي وهي تقاليد ساهمت وتساهم في استمرار وتطور صورة ذات خصوصية وثراء في كل قطر من الأقطار العربية تلك. فقد تبلورت أشكال واضحة للاختلاف والتعدد الإبداعي الذي يسم سينما كل قطر بسمات الصيرورة الثقافية والاجتماعية لهذا القطر، ومن الجلي ان هموم السينمائيين وأشكال تعبيرهم عنها مرتبطة ارتباطا حميما ليس بالتاريخ الشخصي للمخرج فحسب.. بل بتاريخ سينماه المحلية وما أسسته هذه السينما من تقاليد للتعبير عن الأشياء والناس والأمكنة. استمرار التقاليد ومن هذا المنطلق نرى أن ما قدمه الجزائري بورلام قرجيو في فيلمه »العيش في الجنة« يحاكي بقوة هماً »وطنياً مؤنسناً« له امتداداته في تاريخ السينما الجزائرية منذ بداياتها (على يد حامينا، رياض، الراشدي وغيرهم)، كذلك الأمر عند التونسية كلثوم برناز في فيلمها »كسوة الخيط الضائع« فهو فيلم تونسي بحت.. في رهافته وتعلق صانعته الشديد بالمكان ولجوئها إلى مختلف أساليب التورية والرمز لطرح قضايا اجتماعية خاصة قضية المرأة بعيدا عن الإسقاطات الإيديولوجية أو الأخلاقية الفجة. أما الفيلم المصري »هيستيريا« لعادل أديب فاتكاؤه واضح على تقاليد وروحية السرد الثري الذي تبلور على يد أدباء جيل الستينيات المصريين كما على منجزات سينما »الواقعية المصرية الجديدة« في الثمانينيات. أما الفيلمان المغربيان »عبِّروا بصمت« لحكيم نوري و»نساء.. نساء« لسعد شرايبي فيعبّران الى حد كبير عن هوية سينمائية ملتبسة، وهو التباس مرتبط بعدم تبلور تقاليد سينمائية خاصة بالمغرب(*). ولكن استمرارية التقاليد السينمائية التي أشرنا إليها أعلاه.. يمكن أن تكون أيضا مصدرا للتنميط والقولبة وإعادة إنتاج هزيلة لما هو سابق، وهنا يأتي دور »القطع مع السابق« الذي يجب أن تحدثه رؤيا سينمائية خاصة بالمخرج الباحث في شكل السينما وجدواها وإمكاناتها التعبيرية الدلالية. وهذا لم يتوفر إلى الحد الكافي في فيلم المصري عادل أديب »هيستريا« (1998) عن سيناريو لمحمد هلال فأديب في فيلمه الروائي الأول يلتقط بعضاً من تفاصيل أجواء القاع المديني المصري ويحاول أن يصوغ سينمائياً هذه الالتقاطات منطلقا من بنية سيناريو أدبي قصصي الطابع ورغم كل محاولات أديب للبحث عن معادل سينمائي لهذه البنية باشتغاله على الشخصيات والمكان، فإن الشكل العام للفيلم ينوء تحت سطوة القص الأدبي الذي يتحول في الفيلم الى مجموعة من لوحات طريفة وحميمة فيها تعاطف واضح أضحى تقليديا عند أصحاب السينما المصرية الجديدة مع المهملين والمنبوذين من شخصيات تبحث عن حقها في العيش والتواصل والحب. ولكن هذه اللوحات أو المقتطفات لا تصاغ انطلاقا من خيار سينمائي متماسك بقدر ما تقدم كشكل وظيفي »يشرح« فيه المخرج ما هو مكتوب.. وهو يشرحه بمهارة أحيانا وبسذاجة وتكلف أحيانا أخرى. كما أن أديب يقع تحت سطوة السائد (النجم مثلاً وهو في »هيستيريا« أحمد زكي الذي يحاول فرض ما تنمّط من سمات نجوميته) أو تحت الرغبة في قول كل شيء (مشاهد الأصوليين والعلاقة بالسلطة وإدانة الأثرياء الجدد.. الخ). أما في الشكل السينمائي فمن الواضح نوسان الفيلم بين مستويات وخيارات عدة لم يحكمها نسق خاص بالمخرج، فنحن في أحيان أمام سينما بريسونية نسبة الى المخرج الفرنسي الكبير بريسّون كما في مشاهد شقة البطل وأخرى متأثرة بما أنجزه بعض رواد الثمانينيات المصريين (الطيب، عبد السيد، الكاشف) وثالثة ذات طابع فيديو كليبي اصطناعي أو مقتبس عن أجواء أميركية بعيدة عن نسيج الفيلم (مشاهد الأخ المتنكر في لباس مومس والهائم في ليل القاهرة) وكثيرا ما تجتمع تلك الخيارات في مشهد واحد فتنزع عنه جماليته المكتشفة (مشاهد الخال في المقبرة التي يلعبها بقدرة عالية عبد الله فرغلي ولكنها مصوغة بصريا بكثير من الصنعية التي تخفف من زخم الحنين في شخصية الخال تلك). هناك في الفيلم كثير من الاكتشافات والحالات المؤثرة، هناك أداء متميز لعبلة كامل (المعبّرة بقوة كعادتها) وإعادة اكتشاف حقيقية لعبد الله فرغلي وتصوير جيد عموما لأيمن أبو المكارم، ولكن عقلية »التجميع والتوليف« هي السائدة عموما في الفيلم وهي التي لا تقلل من أهميته فحسب بل تؤدي أحيانا الى تلعثم المخرج في التعبير بلغة الصورة عما يريده، ويصل هذا التلعثم الى حد فلتان الإيقاع ومحاولة ضبطه بوسائل خارجية مصطنعة لا تبدو البتة كخيارات أسلوبية (المشاهد التي يكثر فيها استخدام »المزج« و»التعتيم« في الانتقال بين لقطة وأخرى). يقدم الجزائري بورلام قرجيو في تجربته الروائية الأولى »العيش في الجنة« (1998) عن سيناريو للمخرج مع أوليفييه لوريل وأوليفييه دورييه فيلما مؤثرا وقويا، شديد الحرفية مضبوط الإيقاع، ولكن أهمية هذا الفيلم تتأتى أساسا من قدرة مخرجه على التواصل والقطع في آن، إنه يتواصل مع تقاليد سينماه الجزائرية ومفرداتها المتمحورة دوماً حول العلاقة الشائكة والثرة بين سيرورة التاريخ وصيرورة الفرد، والتاريخ في معظم الأحيان وفي فيلم قرجيو أيضا هو تاريخ نضال الشعب الجزائري من أجل استقلاله، ولكن قرجيو إذ يتواصل مع هذه العناصر (عبر التيمة والنبض الإنساني العالي المشحون بعناصر تراجيدية وواقعية ملحمية عدة) يعمد في آن الى تعميق الصيرورة الفردية والتركيز على تدرجاتها ومأساوية ارتطام أحلامها بمعطيات الواقع ومسلّماته. احتمالات أخرى لا تكمن جدة الاختيار هنا في بيئة المهاجرين المقيمين في مخيمات البؤس على أطراف المدن الفرنسية والتي يسيرها الفيلم بفنية عالية بقدر ما تكمن في اختيار بطل مضاد هو »الأخضر« (يؤديه بامتياز رشدي نديم)، العامل الشاب الذي يتمتع بصفات كاريزمية تتيح له مكانة خاصة بين أبناء جلدته المهاجرين، ولكن »الأخضر« يبحث عن خيار آخر شديد الفردية، خيار الخروج من بؤس الجماعة والصعود في السلم الاقتصادي للمجتمع الفرنسي (ومما يزيد من تراجيدية الخيار وفردانيته أنه يتم في فترة مبكرة من فترات الهجرة وفي زمن كانت الجزائر فيه تعيش سنوات استعمارها الأخيرة). مثل هذا الخيار يخلق للأخضر حالة من الغربة المتمادية والاصطدام الحتمي بالمحيط كما بالزوجة، التي تميل بالفطرة الى الوقوف مع أبناء جلدتها (تؤديها بشكل جمالي السينمائية فضيلة بلقهاة).. وقرجيو الذي يستعين بالبناء الكلاسيكي الصارم صعّد حالة الصدام هذه الى مصاف تقارب التراجيديا.. لكنه باتكائه (في النصف الثاني من الفيلم) على ترسيمة حديثة مكشوفة تقليدية بعض الشيء يخفف الالتباس في شخصية بطله ويميل نحو إدانته من الخارج.. وهي إدانة تلغي الى حد كبير الحالة المأساوية التي يعيشها البطل. رغم ذلك فإن الفيلم ينجو بفضل مهارة مخرجه والتصاقه العالي الفنية بالتفاصيل البصرية للسكان والشخصيات، ينجو من مطبات الوعظ والنبرة التفاؤلية التي كان يمكن أن يقع فيها فيلم بهذه الترسيمة. وتكمن مهارة قرجيو أيضا في اتكائه على بنية سينمائية كلاسيكية وعلى نسق بصري عتيق بعض الشيء لا يمنعانه مع مصوره الفرنسي جورج لوشابتوا من تقديم صورة نضرة وحية لأجواء شديدة البؤس والحزن، انه يلتقط عموما مزاج المكان الرمادي رغم أن إضاءته الكلاسيكية تضفي شيئا من الفنية الممسرحة على هذا المكان، وهكذا يتناوب في الفيلم الرمادي الملتقط بمهارة وحساسية عالية مع الأحمر المتولد عن الاعتناء التقليدي بمصادر الإضاءة والرسم التشكيلي للكادر. في المحصلة نحن أمام بنية وصورة تمتلكان مصداقيتهما، رغم ابتعاد صانعهما عن احتمالات أخرى، يتيحها البحث البصري الأكثر جرأة وتحررا من قسوة القواعد والترسيمات الراسخة. أداء خارجي يأتي فيلم التونسية كلثوم برناز »كسوة الخيط الضائع« (1997) عن سيناريو للمخرجة مع توفيق الجبالي وهو عملها الروائي الأول كمخرجة كتنويعة سينمائية على مزاجات المرأة والعائلة والمكان التي اشتغل عليها السينمائيون التونسيون وقدموها في مجموعة من النتاجات الهامة منذ الثمانينيات، ويبدو فيلم برناز طموحا لتقديم الجديد في هذا السياق، فالمخرجة تلجأ ما أمكنها للابتعاد عن »سطوة المؤلف« تاركة الفسحة لبطلتها »نزهة« (تؤديها ريم التركي) لتعيش علاقاتها المتشعبة والمتأزمة مع الناس والمكان الذي تختلط فيه بطرافة اعتادت السينما التونسية على التقاطها بمهارة سمات الحداثة والتقليد. وليل تونس الثري بطقوسه الشديدة التنوع الى درجة السكر، هو الوعاء الزمني الذي تختاره برناز لمغامرة بطلتها العائدة بعد غربة في فرنسا وتجربة زواج فاشلة الى »حضن العائلة« محاولة استعادة ما أمكن من التناغم مع »الذاكرة الجمعية« التي تمردت عليها في وقت ما، ولكن نزهة تبحث في آن عن تناغم من نوع آخر.. روحي الطابع يتمحور حول الذات، من هنا تأتي رحلتها الليلية هاربة من الجماعة وعائدة إليها في نهاية المطاف بخليط من الخيبة والتفاؤل. وتلجأ برناز كما أسلفنا الى صياغة فيلمية تفسح فيها الحرية للصورة لتقول دلالاتها المنسوجة عبر علاقات رهيفة بين »الحالات الإنسانية« وتفاصيل الأشياء، تساعدها على ذلك كاميرا ممتازة (صوّر الفيلم أحمد بنيس) وديكورات مشغولة بإحساس عال من الواقعية والفنية في آن (رغم ميل صانعها كلود بنيس في أحيان قليلة الى التزيين و»الديكوراتية«). ورغم أن هذا السياق الفيلمي يفترض إشباعا حقيقيا للصورة بتفاصيل الخارج (من أشياء وعلاقات ومزاج بصري) المعبرة عن دواخل الشخصيات، إلا أن فيلم برناز يعاني بعد نصف ساعة ممتازة في حرارتها وحيويتها مشاهد الأسرة والتحضير للعرس من هبوط إيقاعه بسبب افتقاده لحالة الإشباع تلك، إذ تبدو رحلة »نزهة« الليلية كحالة مرصودة من الخارج مما يضعنا أمام إيقاع هزيل وصورة مفرغة الى حد كبير من ثرائها المفترض. والمشكلة هنا ليست في غياب منعطفات حدثية حادة بل في غياب ما أسميناه »المزاج البصري« الذي ما أن تلتقطه برناز في بعض المشاهد حتى تضيعه مكتفية برصد ملول لحالات لا تجيد ريم التركي أداءها بالتأثير الكافي، فالتركي التي يعتمد على أدائها الفيلم تكتفي في معظم الأحيان بأداء خارجي مرن ومرح قد يثير الإعجاب أحيانا لكنه يفتقد ما يمكن ان يسمى الوقع الروحي السينمائي لوجود الممثل وكينونته. كليشيهات تعيش السينما المغربية حالة فيها الكثير من التناقض، إذ تشهد ازدهارا إنتاجيا واضحا تلعب فيه المساعدات التي تقدمها الدولة دورا كبيرا كما يصعده هامش الحريات المتسع باطّراد، ولكن هذا الازدهار الإنتاجي والهامش الديموقراطي لم ينعكسا بالشكل الكافي نضجاً في لغة السينما، بل يبدو أن الذي يحدث عكسي الى حد ما! قد يبدو منطقيا للوهلة الأولى!؟ إذ ان هذا الهامش فجّر عند المخرجين المغاربة رغبات مكبوتة في قول الكثير دفعة واحدة.. ولكن مشكلة ما يقال انه ليس سينمائيا، بل هو مجموعة مجهزة مسبقا من الأفكار الايديولوجية والمقولات ذات الطابع الأخلاقي والدعوي.. من هنا فإننا نجد أنفسنا في معظم الأفلام المغربية أمام غياب للخصوصيات الأسلوبية والاكتشافات البصرية. ففيلم حكيم نوري »عبروا بصمت« (1998) عن سيناريو للمخرج يضج بالكليشيهات الميلودرامية والتأثرات السطحية بالأفلام البوليسية السياسية التي قدمها الإيطاليون والفرنسيون في السبعينيات، وكم تبدو بائسة محاولة نوري تزيين فيلمه عبر صورة متأنقة (صنعها كمال الدرقاوي) ولكنها خارجية مفذلكة وشديدة الغربة عن المكان، فالحركة الدائمة والدؤوبة للكاميرا على »الميكرو كراين« لا ترتبط بأي حال من الأحوال من الناحية الدلالية ولا حتى التفسيرية بسيناريو هزيل يحاول التحدث بلغة وعقلية منمطة عن الحرب المسعورة التي تدور بين الصحافيين الشرفاء وممثلي الإدارة أو السلطة الفاسدة. فالفيلم يقدم لمشاهده أحداثا معروفة تماما له، بل إن المشاهد يعرف بلا شك تفاصيل وأبعاداً أكثر عمقاً وثراءً من تلك التي يقدمها له نوري. الفيلم المغربي الثاني هو »نساء.. نساء« لسعد شرايبي (1998) عن سيناريو للمخرج وهو يبدو أكثر رصانة من فيلم نوري، فهو يطرح بجرأة شديدة قضية المرأة المغربية، والعنف ضد النساء كأحد جوانبها، ويربط بوضوح وتفصيل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذه القضية. صحيح أن الفيلم مباشر و»تحريضي« الطابع، إلا أن مخرجه يقترح بوضوح وبلا خجل شكلاً تنويريا مستنبطا من روح التحقيق الصحافي، فالتحقيق الصحافي هنا هو الحامل الحدثي للفيلم وشكله في آن واحد، وقد استطاع شرايبي أن يخلق حالة من الانسجام بين شروط الشكل المختار وبين روائية الفيلم وأسلوبيته المتأنقة هي الأخرى، ولكن ضمن حدود معقولة (صوّر الفيلم أيضاً كمال الدرقاوي). من الواضح ان السينمائيين المغاربة بحاجة لمراجعة أهمية التجارب السينمائية التي أنجزها جيرانهم (التوانسة والجزائريون) لكي يدركوا ان الأهم لا يكمن في القضايا الفكرية والجرأة في طرحها بقدر ما يكمن في »القضايا السينمائية« التي تستعين بالجرأة وهامش القول لتقدم هواجس خاصة بمخرجيها. (*) برمج ضمن التظاهرة فيلم اللبناني زياد دويري »بيروت الغربية« ولكنه لم يُعرض لأسباب رقابية. فاضل الكواكبي