As Safir Logo
المصدر:

»ملصقات« الشاعر الجزائري عز الدين ميهوبي شيء كالشعر أو الشعر وثيقة وتاريخاً

المؤلف: الفاروق فضيلة التاريخ: 1999-08-05 رقم العدد:8365

الكتاب: ملصقات الكاتب: عز الدين ميهوبي الناشر: مؤسسة أصالة، الجزائر ما زال الشعر في الجزائر بخير! والحقيقة تقال كل شيء في الجزائر بخير، الشعر، والقصة تخصص لها أمسيات، والأدب ينتعش من كل جوانبه. قلت الشعر، وما زلت أقول الشعر في الجزائر يأخذ مجده. يلتقي الشعراء، يلقون ما عندهم من على منصات تقتل الحزن، ويخرجونه من الصفحات المخصصة للأدب، ينحني أمام آلاف المتلهفين شوقا لقراءته.. الشعر بخير في الجزائر، وهذا ديوان أحد أقوياء الشعر هناك يصلني حاملا أكثر من ذكرى، ومحطة شوق وحنين: »ملصقات« إسمه للشاعر الجزائري عز الدين ميهوبي، وهو أحد الشعراء الممتازين في الجزائر، إذ استطاع ان يؤسس لنفسه لونا شعريا تميز به، ولعل قوة نصه تذكرنا بقوة نص شاعر الثورة مفدي زكريا، انه يكتب من عمق وطنية متقدة وثائرة، ويعرف تماما كيف يختار مفرداته من قاموس لغوي يركز على الانتماء والتربة والارض وأشياء مرتبطة ارتباطا وثيقا بجزائرية الفرد في الوطن، ويكفي ان أول ديوان قدمه للقارئ كان يحمل اسم »في البدء كان أوراس« عام 1985 بعد نص أوبيرالي نشره في كتاب »مواويل وطن« عام 1984، تبعهما طبعا اكثر من عمل لا يحيد عن الخط نفسه وعدا عن ذلك فهو رجل ناجح يُشهد له بالذكاء، متعدد المواهب، يتقن فن الرسم والخط والاعلام، ويبدو انه يتقن فن السياسة ايضا، فرغم صغر سنه ارتقى مناصب مهمة دخلها من بساطة مهنته كصحفي في جريدة يومية، اذ استلم رئاسة التحرير ثم غامر بعنوان إعلامي بمفرده ونجح، ثم مدير عام للاعلام والتلفزيون، الى نائب من نواب الامة وهو حاليا يشغل منصب رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين، ونائب رئيس اتحاد الكتاب العرب. الومضة والتوقيع يقدم لنا الشاعر »ملصقات« على أنها »شيء كالشعر«، وفي الحقيقة هي لا تخرج عن إطار الشعر، ولكن الدعابة مقصود منها أنها كلام في السياسة، او كلام في الممنوع، بحكم ان الشعر مادة »عاطفية« وجهتها دائما من القلب الى القلب، لكنها عند ميهوبي في »ملصقات« »لافتات« خطيرة كتلك التي تميز بها أحمد مطر تختصر وضع أمة تحاكم أهل الكراسي، تقول الحق، في ومضته ولذلك يمكن اعتبارها »تجربة جديدة في الخطاب الشعري العربي، يمكن ان نتواضع على تسميتها بالومضة الشعرية، او التوقيعة الشعرية فيما تطلق عليها تسميات اخرى من طراز قصيدة البرقية والتلكس الشعري وقصيدة اللقطة وقصيدة اللمحة وما شاكلها من الأسماء التي لما ينتخب القاموس النقدي أفضلها اصطلاحا بعد«(1) ولقد أحب الناس »الملصقة« لقصرها وعمق معناها، ومن ورائها كوّن عز الدين ميهوبي جمهورا واسعا له، أيام كان ينشر كل يوم في جريدة »الشعب« إحدى »ملصقاته« المواكبة للاحداث، وكنا نصفق له لتمكنه اللغوي من أجل تشكيل المعنى المقصود ولجرأته التي كانت تتخطى الخطوط الحمراء في الغالب: نقرأ مثلا ملصقة بعنوان: »غربان« يقول فيها: عجبا يا بلدي... كل ما فيك عجاب جيفة واحدة تجمع مليون غراب وفي ملصقة اخرى تحمل عنوان »عدالة« نقرأ: في بلادي... مد رجليك على قدر كسائكْ هكذا الوضع وإلا... صادر الحاكم صحنا من حسائكْ وهذا لا يعني انه يعارض من أجل المعارضة لا غير، ففي موقفه المعارض، نواجه حقيقة واحدة يتميز بها ميهوبي وهو انه معارض لكل ما هو غلط، وانه وجد في اللغة الشعرية أداة لذلك، انه ساخر أحيانا وأحيانا مباشر، ثم انه »انحنى الى الجماهير من غير ان يحني شعرية الشعر، ومن غير ان يضحي بلغة الفن، وهي معادلة »سوسيو فنية« عسيرة التحقيق«(2) ثم انه شاعر ظل على التزامه، ولم تكسر رياح التيارات السياسية المتعددة عوده كما فعلت مع غيره، واستطاع ان يثبت على قصيدته سمة »قصيدة الوطن« باعتبار انه سخر موهبته الشعرية لإحياء أمجاد الوطن المنسية، لكن ايضا القارئ لنصوص ميهوبي يدرك ان مسار الشعر عنده ذو قاعدة تاريخية تنمو بشكل حلزوني على نحو الزمن، يحيط بدائرة الحدث ويتسع ليشمل فروعه، ثم لكأننا أمام بناء قصصي لكنه صيغ في قالب يشبه الشعر على رأي الشاعر إذ لا نخرج من النص الا مع نهايته متتبعين اما تاريخ شخص، او جماعة، او وطن، او وصف موقف تتسلسل فيه الأحداث، لكن الخطاب كله سياسي كما في قصيدة »زئبق«. مثل كل الناس يشقى والى الكرسي يزحف مرة... لا أعرف الوقت... ولا أذكر أين... كان من غير يدين غارقا في لعبة الاحزاب.. حتى الأذنين لم يدري بشيء.. وانخرطْ مرّ عام.. فسقطْ كان محكوما بدين كان من غير يدين وجهه الأسمر مرسوم على كل رصيفْ يسأل الناس.. الرغيفْ صاحبي قابلته من ساعتين قلت ما الأمر؟ فقال الامر أني تهتُ بين الجبهتينْ قلت أسس جبهة اخرى. فلا تحفل بكلتا الضرتين. لم يقل شيئا.. وأحنى رأسه بين اليدينْ.. عناصر سلبية انه هنا يلخص التجربة الديموقراطية في الجزائر، ويرصد حياة مواطن عادي جعلت منه السياسة شخصا مستنفذ القوى، مكسور البواصل، ضائع ومنهار ومتعب، ولئن كانت هذه هي الحقيقة فعلا، الا اننا نسجل على الشاعر طغيان العناصر السلبية على النص لديه لدرجة انه تشكل منها الفضاء النصي دون اي حضور لعناصر ايجابية تعطي للوطن لونا يختلف عن السوداوية القاتمة التي لوّن بها كل جوانبه، في ملصقته »مذنب«: يقول: في بلادي أصدر الحاكم مرسوما بحجم المشنقة مذنب من خرقه كل من يفعل هذا... قلت ماذا؟.. قيدوني في سجلات وقادوني لبيت مغلقهْ قلت لم أفهم لماذا؟ سلموني ورقهْ.. تهمتي واضحة جدا... لأني قلت يوما: هل رأيتم سارقا يلبس ثوبا سرقَهْ؟ يقول عز الدين ميهوبي هذا الكلام وغيره من الكلام المجابه للسلطة، ولم يتعرض يوما للاعتقال ولا للمضايقة من السلطة، بالرغم من ان غيره تعرض لما عكسته نصوصه، خاصة وان هذه الملصقات تعود الى سنة 1990 اي ان ظهورها تزامن مع دخول الجزائر عهد الديموقراطية والتعددية وما تبعه من فوضى وتراشق بالكلام والرصاص بين قواعد السلطة والقاعدة الشعبية، والمثقفين، ولهذا ايضا لم تخرج نصوصه عن الفضاء الدلالي المحصور بتلك الفترة الزمنية الحاسمة في تاريخ الجزائر، وهيأته ليطور تجربته الشعرية بسرعة، ومن جهة منحته شرعية للانتشار كشاعر في كل الأوساط. عز الدين ميهوبي مقروء في الجزائر لهذا السبب، انه ثائر، ومتمرد ويقف في صف الحق، وهذه ليست مجاملة لشاعر تفادى إدخال الغزل الى شعره، وكأنه الشاعر الوحيد الذي لم تحرك المرأة خوالجه، ولكن وحده الوطن لعب كل الأدوار لتفجير موهبته. وثيقة اننا نقرأه بإعجاب ونحبذ مواضيعه التي يبحث عنها في جوانب تاريخ الجزائر، اما بالنسبة للملصقات فيمكن اعتبارها وثيقة مهمة لفترة حرجة، وشهادة صادقة لرجل لم يمل لأي كفة حزبية آنذاك بل كان حياديا في مواقفه »ودائم التعبير عن الأصل الشعبي، بالفضح والرفض من موقع الثابت الوطني والطابو الشعبي، باختصار شديد كان نائبا شعبيا بفطرته الشعرية، قبل ان يصبح نائبا برلمانيا رسميا بحنكته السياسية!!«(3) ولعل تأخره في جمع نصوصه هذه وإصدارها في كتاب يعطيها اليوم قيمة اكبر والجزائر تدخل مرحلة سياسية جديدة يسودها الانفراج، ومرحلة أدبية يسودها التنوع والانتعاش والمتأمل لملصقة ميهوبي يكتشف انها ومضة لغوية قوية الدلالة اذ تنعكس من خلالها سمة بلوغ قمة الهرم وهي القمة التي تلتقي فيها الأجناس الأدبية اليوم لتتوحد دون ان تفقد خصوصياتها، وتنصهر فيما بينها دون ان تضيع ملامحها الفردية، ففي الملصقة نقف على ذلك البناء المتماسك الذي لا يخرج عن إطار البناء القصصي، لكن القائم على قاعدة شعرية، فحذف كلمة واحدة من البناء يعني سقوطه، وإضافة كلمة تعني تشويهه ولهذا »لا يمكن العثور على كلمة واحدة محشوة داخل السياق من غير دلالة فعالة«(4) انها »المختصر المفيد« ويمكنني أن أسرد الخصائص العامة لهذا اللون الشعري الجديد كما سردها الناقد الجزائري يوسف وغليسي الذي غربل الملصقات عبر غرباله النقدي الدقيق وهو اكثر النقاد الذين تعاطوا مع الشعر الجزائري بقديمه وجديده مركزا على الشعر الشبابي الذي لم ينل قسطه من الاهتمام يقول بشأن »الملصقة الميهوبية« انها تختص ب: » واقعية المضمون الشعري مع التركيز على اكثر لحظات الواقع حيوية ومعاصرة. قابلية الرؤيا الشعرية للتمطيط الدلالي والانفتاح القرائي والإشعاع الرؤياوي المتعدد. الاقتراب في التشكيل الفني من فنيات البناء السردي بالتكثيف في التعبير، والاقتصاد في اللغة، والتسلسل في السرد الشعري الى بلوغ الذروة في الخاتمة لحظة الاندهاش وكل ذلك في إطار عنوان مقتضب لا يتجاوز الكلمة الواحدة في الغالب، بل انه قد بلغ قصده المفرط عند ميهوبي في ملصقة معنونة بعلامة استفهام واخرى للتعجب (؟1) التركيز على جمالية السياق العام، لا على جمالية الجملة الشعرية الجزئية، وذلك بمساعدة الصور الكتابية الكلية. اعتماد الأوزان الصافية الخفيفة إطارا إيقاعيا عاما...«(5). ويبقى التساؤل في الاخير، هل »الملصقة« بالنسبة لعز الدين ميهوبي وليد فترة، وومضة مرت، اوجدتها الظروف الحالكة التي مرت بها الجزائر، أم أنها بصمة من بصماته الكتابية التي ميزت الأدب الجزائري وأنه بالامكان ان نقرأ من جديد أشياء مشابهة بنفس القوة والواقعية والجرأة هو الذي دخل اليوم الضفة المقابلة والتيار المعاكس لشعره، كمسؤول لا كمبدع وفنان وشاعر. ويحق لنا ان نسأل ايضا ما موقع الالتزام لديه وما موقع »الأشياء التي تشبه الشعر« لديه في زمن الهدوء الجديد الذي يحل عليه وعلى الجزائر. فضيلة الفاروق * (1)، (2)، (3)، (4)، (5) من قراءة الحقت بالديوان قدمها الأستاذ الناقد يوسف وغليسي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة