As Safir Logo
المصدر:

تقرير بنك عودة للفصل الأول من 2009: لا مفر من التباطؤ ولكن لا توقع للركود 2،54 مليار دولار الرساميل الوافدة.. والتحويلات إلى الليرة تناهز الـ3 مليارات دولار

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2009-05-13 رقم العدد:11291

أشار تقرير بنك عودة الاقتصادي للفصل الأول من 2009، الى أن النشاط الاقتصادي في لبنان حقق نمواً معتدلاً، وإن تباطأ مقارنة بالعام الماضي نتيجة تأثيرات الأزمة المالية العالمية. وأكد أن عوامل النمو الداخلي ساهمت في عدم دخول الاقتصاد اللبناني في المنحى الركودي عالمياً، بالإضافة إلى تحسن الحركة السياحية بنسبة 537. في المئة خلال الفصل الأول من العام، والتي قد تتخطى الأرقام المسجلة عام 1974 عند 14. مليون سائح. وأكد التقرير أن القطاع النقدي تمكن من المحافظة على وتيرة التحسن التي شهدها العام الماضي، مقدراً حجم التحويلات إلى الليرة اللبنانية بحوالى 3 مليارات دولار، ما أسهم في خفض نسبة دولرة الودائع في القطاع المصرفي الى أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، عند 6775. في المئة. ومع استمرار تمويل الدين بواسطة الاستدانة، ارتفع الدين العام الإجمالي 18. في المئة خلال الفصل الأول، إلى 478. مليار دولار في نهاية آذار 2009. أما عجز الموازنة فزاد 276. في المئة خلال الشهرين الأولين، لتصل نسبته من النفقات إلى 319. في المئة. وإذ قدّر التقرير معدل تضخم أسعار الاستهلاك على الصعيد السنوي بـ41. في المئة، لفت إلى أن تراجع العجز التجاري بنسبة 146. في المئة، قابله ارتفاع في تدفق الرساميل الوافدة، بنسبة 53. في المئة، مما عزز فائض ميزان المدفوعات الذي سجل 2977. مليون دولار في الفصل الاول من 2009. ولفت إلى إمكانية تراجع التحويلات من غير المقيمين بنسبة 3 في المئة من الناتج المحلي، بعد تسجيلها 6 مليارات دولار العام الماضي، أي 20 في المئة من الناتج. وشدد التقرير على أن أداء القطاع المصرفي عكس واقع الصمود المتواصل في وجه الازمة المالية العالمية، حيث زادت الودائع بنسبة 51 في المئة عن الفصل الأول من 2008، إلى 2723. مليار دولار، كما سجَلت الارباح الصافية للمصارف اللبنانية نمواً إيجابياً في الوقت الذي تسجَل فيه معظم المصارف الاقليمية والدولية تراجعاً في أرباحها بفعل تفاقم الأزمة المالية العالمية. وواصلت الأسواق المالية تراجعها، فانخفض مؤشر أسعار الأسهم في بورصة بيروت بنسبة 97. في المئة، كما هبط متوسط قيمة التداول في سوق الأسهم بنسبة 412. في المئة. وسجل القطاعان الزراعي والصناعي أداء مقبولاً نسبياً، حيث زادت الصادرات الزراعية 1 في المئة، فيما ارتفعت الصادرات الصناعية بنسبة 15 في المئة. وإذ اعتبر التقرير أن القطاع العقاري تمكن من احتواء صدمة الأزمة العالمية، إلا أن قيمة الصفقات العقارية تراجعت بنسبة 48. في المئة خلال الفصل الأول من 2009، مشيراً إلى أن المستثمرين العقاريين في المنطقة لا يقومون الآن بمشاريع جديدة. ومما جاء في التقرير: اتسم الفصل الأول من العام 2009 بنمو معتدل في النشاط الاقتصادي، علماً بأنه قد تباطأ بالمقارنة مع النمو القوي المسجل في العام السابق، ولكنه ظل مؤاتياً بالمقارنة مع المتوسطات الإقليمية والدولية. وفيما بدأت تأثيرات عدوى الأزمة المالية العالمية تظهر على الظروف الاقتصادية الداخلية من خلال عدد من محركات النمو الخارجية، ولا سيما تحويلات العاملين والاستثمارات الأجنبية المباشرة ونمو الصادرات، بدا أن عوامل النمو الداخلي المستمر قد عوضت جزئياً عن التداعيات الخارجية السلبية، محافظةً على مستوى مرضٍ للنمو الاقتصادي. وتؤكد نظرية النقد الكمية هذا النمو المعتدل. ففي خلال الفصل الأول من العام 2009، ترافق النمو السنوي للكتلة النقدية بنسبة 137.% مع تقلص صافٍ في سرعة دوران النقد بنسبة 7%، وقد قابله جزئيا ارتفاع سنوي وسطي لمؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 41.%، ما أدى إلى نمو معتدل في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. كما كانت مؤشرات القطاع الاقتصادي الحقيقي في الأغلب تتبع منحى تصاعدياً خلال الفصل الأول من العام 2009، ولكن بوتيرة أبطأ منها في العام السابق. ومن هذه المؤشرات، نذكر ازدياد رخص البناء بنسبة 44.% وقيمة الشيكات المتقاصة بنسبة 79.% وحجم البضائع في مرفأ بيروت بنسبة 58.% وعدد المسافرين عبر المطار بنسبة 171.% وعدد السياح بنسبة 536.% سنوياً والمشتريات المعفاة من الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 29% والصادرات بنسبة 143.%.. وقد انسحب هذا النمو المعتدل على القطاع الخارجي. فالواردات، التي مثلت 55% من إجمالي الطلب في العام السابق والتي تعكس باطراد الطلب بعنصريه الاستثماري والاستهلاكي، تراجعت بنسبة 74.% في الفصل الأول من العام 2009 بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الفائت. ولكن، إذا أخذنا في الاعتبار تأثيرات سعر صرف اليورو وأسعار النفط، ترتفع الواردات الحقيقية بنسبة 119.%. في موازاة ذلك، سجلت الصادرات نمواً سنوياً نسبته 143.% رغم تأثير الأزمة المالية العالمية على اقتصادات شركاء لبنان في التجارة الخارجية. نتيجة لذلك، تقلص العجز التجاري في لبنان بنسبة 146.%، وقد عوّض عنه صافي حركة الرساميل الوافدة، كما يتضح من خلال ميزان المدفوعات الذي سجل فائضاً قيمته 298 مليون دولار في الفصل الأول من العام. وقد أفاد القطاع النقدي من عامل الثقة المستمر، الذي ولّد ازدياداً في الرساميل الوافدة وتحويلات لمصلحة الليرة. إذ يقدر أن تكون التحويلات من الوفورات بالعملات الأجنبية إلى الوفورات بالعملة الوطنية قد بلغت ثلاثة مليارات دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2009، مواصلةً بالتالي النمط السائد في العام السابق. وعليه، فإن مصرف لبنان، الذي واصل سياسة تثبيت سعر الصرف، ظل يتدخل بقوة في سوق القطع شارياً فوائض النقد الأجنبي ومعززاً موجوداته الخارجية التي سجلت مستوىً قياسياً جديداً ناهز الـ22 مليار دولار في نهاية آذار 2009. على صعيد أداء المالية العامة، أظهرت أرقام الشهرين الأولين من العام الحالي أن نسبة العجز إلى النفقات بلغت 319.%، مرتفعة قليلاً من 276.% خلال الفترة نفسها من العام السابق. ففي الواقع، زادت الإيرادات العامة بنسبة 207.% فيما ارتفعت النفقات العامة بنسبة 282.%، ما أسفر عن ارتفاع عجز المالية العامة بنسبة 478.%. يبدو أن ظروف المالية العامة في لبنان قد أفادت من انخفاض أسعار النفط التي انعكست إيجاباً على فاتورة الفيول أويل لدى مؤسسة كهرباء لبنان وعلى عائدات ضريبة البنزين، ولكنها عانت في الوقت نفسه من التأثيرات التوسعية لزيادة الأجور في نهاية العام الفائت. في موازاة ذلك، لا يزال أداء القطاع المصرفي يظهر مناعةً تجاه الأزمة المالية العالمية. ففي الواقع، إن النشاط المصرفي، المحتسب على أساس الموجودات الداخلية المجمعة للمصارف العاملة في لبنان، نما بقيمة 3681 مليون دولار خلال الفصل الأول من العام 2009 مقابل 2882 مليون دولار خلال الفترة عينها من السنة الماضية. إن ودائع الزبائن، المحرك الأساسي لنمو النشاط في القطاع، زادت بقيمة 2723 مليون دولار خلال الفصل الأول مقابل 1800 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الفائت. والواقع أن أسباب بقاء القطاع المالي اللبناني بمنأى نسبياً عن الأزمة المالية العالمية متعددة، تراوح بين الكيان الرقابي والتنظيمي والممارسات المتشددة للمصارف اللبنانية (مصارف سائلة غنية بالودائع برافعة استدانة متدنية) وعوامل اقتصادية هيكلية مثل الطبيعة غير المضاربية للرساميل الوافدة إلى لبنان والتي تدعمها وفورات كبيرة في الخارج. أما في أسواق الأوراق المالية، فبعد عمليات البيع الملحوظة التي شهدها الفصل الأخير من العام السابق والتي جاءت انعكاساً لأداء الأسواق الإقليمية والعالمية، واصل النشاط تراجعه بعض الشيء في الفصل الأول من العام 2009. فقد انخفض مؤشر أسعار الأسهم بنسبة 97.% في الفصل الأول من العام ليسجل في نهاية آذار 2009 أقل مستوى له في غضون ثلاث سنوات. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التراجع قد سجل في سوق ضيقة جداً، حيث بلغت قيمة التداول إلى الرسملة السوقية مستوىً متدنياً نسبته 47.%، وهي إحدى أدنى النسب في الأسواق المماثلة. في الواقع، انخفض متوسط قيمة التداول في سوق الأسهم بنسبة 412.% في الفصل الأول من العام 2009 مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2008. أما سوق سندات الأوروبوند، فشهدت بعض التحسن إذ انخفض الهامش الوسطي للسندات بمقدار 147 نقطة أساسية بعد أن كان قد شهد توسعاً لافتاً في الفصل الأخير من العام الفائت. وفي ما يلي عرض مفصل لتطورات القطاع الاقتصادي الحقيقي والقطاع الخارجي والقطاعين العام والمالي خلال الفصل الأول من العام 2009: الاقتصاد الحقيقي: الزراعة والصناعة في الفصل الأول من العام 2009، سجَل القطاعان الزراعي والصناعي أداء مقبولاَ نسبياَ. وتفيد إحصاءات المجلس الأعلى للجمارك بأن قيمة الصادرات الزراعية اللبنانية بلغت 31 مليون دولار في الفصل الأول من السنة، وهو المستوى نفسه تقريباَ الذي بلغته في الفصل ذاته من العام 2008. ذاك أن الصادرات من منتجات المزارع زادت في الفصل الأول من العام 2009 بنسبة 1% فقط على أساس سنوي، بالرغم من مفعول السعر الناجم عن تقلبات سعر الصرف وانحسار التضخم المرتبط بالسلع الغذائية، والذي كان قد بلغ في العام 2008 مستوى قياسياً. ولا يزال القطاع الزراعي اللبناني يعاني من عقبات عدة ومن شدة التبعية للواردات. ففي الفصل الأول من العام 2009، بلغت قيمة الواردات الزراعية 389 مليون دولار، بزيادة نسبتها 77.% مقارنة مع الفصل الاول من العام 2008، بينما زاد حجم الواردات الزراعية بنسبة أكبر خلال هذه الفترة (+27%). كما أن القطاع الزراعي لا يزال يعاني من ضعف الإنتاجية والترويج، ومن تأخر في الالتزام بمعايير الجودة قياساً على القطاعات المماثلة في بلدان أخرى. ويبدو أن التحرير المتزايد لهذا القطاع لم يساعده حتى الآن بالقدر المطلوب، إذ ان العجز التجاري الزراعي آخذ في الازدياد بحيث ارتفع من 330 مليون دولار في الفصل الاول من 2008 إلى 358 مليون دولار في الفصل الأول من 2009. أما النشاط الصناعي فقد استفاد من طلب خارجي ساعد على تنمية صادرات هذا القطاع. فالصادرات الصناعية زادت بنسبة 15% في الفصل الاول من 2009 مقارنة مع الفترة ذاتها من 2008، لتصل قيمتها الى 969 مليون دولار. في حين أن الواردات من الآلات الصناعية، والتي تعكس حجم الاستثمارات المحققة في هذا القطاع،زادت بنسبة 511. % خلال الفصل الأول من 2009، بحسب آخر الإحصاءات المتوافرة، لتبلغ قيمتها 541. مليون دولار. البناء ظل أداء القطاع العقاري وحركة البناء مرضياً خلال الفصل الأول من العام 2009، رغم تعرضه لإصابة طفيفة بانعكاسات الأزمة المالية الدولية على السوق العقاري العالمي. وتبيَن أرقام مديرية الشؤون العقارية أن عدد معاملات البيع العقارية ازداد بنسبة 57.% في الفصل الأول من 2009 مقارنة مع الفترة ذاتها من 2008، ليبلغ 16010 معاملات. في المقابل، انخفضت القيمة الإجمالية للصفقات العقارية بنسبة 48.% لتبلغ 1516 مليار ليرة في الفصل الأول من 2009. وجراء ذلك، انخفض متوسط قيمة الصفقة العقارية الواحدة بنسبة 10% مقارنة مع الفصل الاول من 2008، ليبلغ 947. مليون ليرة. ويمكن أن تعزى هذه النتائج الى تصحيح طفيف لأسعار العقارات، في موازاة انخفاض تكاليف مواد البناء، على نحو عكس تباطؤ نمو هذا النشاط. كما يمكن أن يفسر ذلك بأن الطلب العقاري كان أكثر ميلاً نحو العقارات المتوسطة المستوى، والتي غالباً ما تكون مطلوبة أكثر من المقيمين ومن اللبنانيين المغتربين، فيما يظهر الرعايا العرب الخليجيون اهتماماً اكبر بالعقارات الفخمة. ففي الواقع، سجلت المبيعات العقارية للأجانب انخفاضاً بنسبة 58.% خلال الشهرين الأولين من 2009 مقارنة مع الفترة ذاتها من 2008، وذلك بفعل تردي الأوضاع الاقتصادية في العالم العربي. ويبيَن التوزع الجغرافي للمبيعات العقارية الإجمالية في الفصل الاول من 2009 أن بيروت استأثرت بالقسم الأكبر من هذه المبيعات، إذ بلغت حصتها 262.% من المجموع، تلتها بعبدا (237.%) ثم المتن (187.%) فكسروان (118.%) فلبنان الشمالي (84.%) فلبنان الجنوبي (54.%) فالبقاع (31.%). وهذه الحصص المناطقية تتطابق مع تلك المسجلة في السنوات القليلة الماضية. من ناحية العرض العقاري، يبدو أن حركة البناء شهدت نمواً ايجابياً. ذاك أن كميات الإسمنت المسلَمة، والتي تشكل مؤشراَ ثانوياً على حركة البناء، زادت بنسبة 91.% خلال الفصل الأول من 2009 مقارنة مع الفترة ذاتها من 2008، لتبلغ 942346 طناً. وقد جاءت هذه الزيادة متماشية مع الزيادة الكبيرة التي سجَلتها رخص البناء عام 2008، والتي تعبر عن اطلاق مشاريع جديدة في هذا المجال. وتظهر إحصاءات نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس أن عدد المشاريع يزداد باطَراد، وإن بوتيرة أخفّ. ففي الفصل الاول من 2009، شملت رخص البناء 2265006 أمتار مربعة مقابل 2170234 متراً مربعاً في الفصل الاول من 2008. غير أن هذه الزيادة، البالغة نسبتها 44.%، تبدو متواضعة بالمقارنة مع الزيادة السنوية المسجلة في الفصل الاول من 2008، والتي بلغت 35%. باختصار، لقد نجح قطاع العقارات والبناء حتى الآن في استيعاب صدمة الأزمة المالية العالمية بطريقة ملائمة. أما في ما يخص الآفاق المرتقبة، فمن المفروض أن يستفيد هذا القطاع من الموسم السياحي المقبل في صيف 2009، والذي يتوقع المراقبون أن يكون قوياً، كما من كل تحسن مستقبلي في الأوضاع السياسية العامة. التجارة والخدمات في الفصل الأول من 2009، شهد قطاع التجارة والخدمات نشاطاً جيداً نسبياً، إذ سجلت أهم مؤشراته نسب نمو ايجابية. وتظهر إحصاءات وزارة السياحة ازدياد عدد السياح في لبنان بنسبة 536.% على أساس سنوي، بارتفاعه من 193778 سائحاً في الفصل الأول من 2008 إلى 297579 سائحاً في الفصل الاول من 2009. وازداد عدد المسافرين عبر المطار في هذا الفصل بنسبة 162.% مقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2008، بحيث وصل إلى 877840 مسافراً. كما أظهرت الدراسة التي اعدَتها مؤسسة «إرنست ويونغ» أن معدل الإشغال في الفنادق تحسَن كثيراً ليصل إلى 62% في بيروت خلال الشهرين الأولين من 2009، اي بزيادة نسبتها 24% مقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2008. وشهد نشاط النقل البحري تغيرات إيجابية في الفصل الاول من 2009 بحسب إحصاءات مرفأ بيروت الذي يدير معظم حركة الاستيراد والتصدير في البلاد. فقد بلغ عدد البواخر في مرفأ بيروت 599 باخرة في الفصل الاول من 2009، أي بزيادة نسبتها 137.% مقارنة مع الفترة ذاتها من 2008. أما حجم البضائع فازداد بنسبة 58.% على أساس سنوي ليصل إلى 1508 آلاف طن، فيما ازداد عدد المستوعبات في المرفأ بنسبة 15,4% ليبلغ 131972 مستوعباً. القطاع الخارجي استفاد القطاع الخارجي من تقلبات أسعار الصرف الدولية ومن انخفاض أسعار المشتقات النفطية في الفصل الاول من 2009، جراء الأزمة المالية العالمية. فعلى الرغم من انخفاض القيمة الإجمالية لعمليات التجارة الخارجية نسبة إلى الفصل الاول من 2008، تراجع العجز التجاري مخفَفاً من اختلال التوازن على مستوى القطاع الخارجي. فلقد بلغت القيمة الإجمالية للصادرات والواردات اللبنانية 4241 مليون دولار في الفصل الاول من 2009، بانخفاض نسبته 3% مقارنة مع الفترة ذاتها من 2008. وبلغت قيمة الواردات 3241 مليون دولار، بانخفاض نسبته 74.% قياساً على الفترة ذاتها من العام 2008، وذلك ليس فقط بسبب تباطؤ الطلب الاستهلاكي والاستثماري في لبنان خلال الفترة المعنية، بل أيضاً بسبب أسعار المنتجات المستوردة التي تراجعت على أساس سنوي. أما الصادرات اللبنانية، فزادت بنسبة 143.% على أساس سنوي لتصل إلى مليار دولار في الفصل الأول مقابل 875 مليون دولار في الفترة ذاتها من 2008. جراء ذلك، انخفض العجز التجاري بنسبة 146.%، ما أسفر عن ارتفاع نسبة تغطية الواردات بالصادرات من 25% في الفصل الأول من 2008، إلى مستوى قياسي هو 31% في الفصل الاول من 2009. يضاف إلى هذا أن صافي تدفقات الرساميل الوافدة بلغ 254. مليار دولار، بزيادة نسبتها 53.% على أساس سنوي. إن هذه الرساميل الوافدة تأتي كالعادة من اللبنانيين المقيمين في الخارج. وفي العام 2008، قدَر البنك الدولي التحويلات المالية للبنانيين العاملين في الخارج بحوالى 6 مليارات دولار. وتبلغ نسبة هذه التحويلات إلى الناتج المحلي الإجمالي 20%، وهي من أعلى النسب في العالم. أما صندوق النقد الدولي، فقدَر تحويلات العاملين الأجانب إلى الخارج بما يناهز 8% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ما يجعل نسبة التحويلات المالية الصافية إلى الناتج المحلي الإجمالي بحدود 12%. وتتأتى حوالى 54% من التحويلات المالية الخارجية إلى لبنان من منطقة مجلس التعاون الخليجي، فيما تأتي 16% منها من أستراليا والولايات المتحدة وكندا، بحسب صندوق النقد الدولي. قد يؤثر امتداد الأزمة المالية العالمية على التحويلات المالية الآتية من الخارج، ولكن ليس من المفروض أن تشهد هذه التحويلات هبوطاً شديداً. فقد قدَر صندوق النقد تراجع التحويلات المالية الإجمالية والصافية إلى لبنان، بما لا يزيد عن 24.% إلى 3% من الناتج في 2009، بفعل تباطؤ النمو الاقتصادي لبلدان المصدر في السنة الحالية. إن الاستمرار النسبي لتدفقات الرساميل الى لبنان خلال الفصل الأول وانخفاض العجز التجاري للبلاد، أدَيا إلى تحقيق فائض تراكمي في ميزان المدفوعات بقيمة 2977. مليون دولار في الفصل الاول من 2009 مقابل عجز بقيمة 2139. مليون دولار في الفصل الاول من 2008، حيث كانت الأوضاع السياسية المحلية لا تزال تلقي بثقلها على الأداء الاقتصادي. القطاع العام مع أن المالية العامة تمكَنت حتى الآن من استيعاب الكثير من الصدمات الداخلية والخارجية، فإن الاختلالات المالية لا تزال أكبر مكامن ضعف الاقتصاد اللبناني. وتظهر إحصاءات المالية العامة المتعلقة بالشهرين الأولين من 2009 أن نسبة العجز الإجمالي إلى النفقات الإجمالية بلغت 319.%، أي أنها ارتفعت بما نسبته 276.% عما كانته في الفترة نفسها من 2008، بسبب نمو النفقات الإجمالية. في الواقع، إن الاداء المالي لا يزال دون المعايير المقبولة، ولا بدَ من القيام بإصلاحات ضرورية لإعادة المالية العامة إلى الطريق السليم. لقد زادت الإيرادات العامة الإجمالية (الموازنة والخزينة) بنسبة 207.% مقارنة مع الفترة المماثلة من 2008، بحيث بلغت 2032 مليار ليرة في الشهرين الأولين من 2009. وفي التفاصيل، انخفضت إيرادات الخزينة بقيمة 1454. مليار ليرة لتبلغ 94 ملياراً. أما ايرادات الموازنة، فزادت بنسبة 342.% لتبلغ 1938 مليار ليرة، نتيجة نمو الإيرادات الضريبية وغير الضريبية. فالإيرادات الضريبية زادت بنسبة 363.% جراء ارتفاع الإيرادات الجمركية على أساس سنوي بنسبة 1057.%، ما يعكس الازدياد الكبير للإرادات المرتبطة بنمو التجارة الخارجية، وارتفاع إيرادات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 166.%، ما يعكس تحسَن الاستهلاك الخاص. أما النفقات العامة الإجمالية (الموازنة والخزينة)، فزادت في الشهرين الأولين من 2009 بنسبة 282.% على أساس سنوي لتصل إلى 29827. مليار ليرة، نتيجة نمو نفقات الخزينة بنسبة 761.% ونمو نفقات الموازنة بنسبة 109.%. فقد بلغت نفقات الخزينة 10893. مليار ليرة في الشهرين الأولين من 2009، بفعل ازدياد التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان بنسبة 848.% لتصل إلى 6761. مليار ليرة، بحيث باتت تستأثر بالقسم الكبر من إجمالي نفقات الخزينة (62%). ويمكن أن تعزى زيادة هذه التحويلات إلى التزام الحكومة اللبنانية بشراء مشتقات نفطية عندما كانت أسعارها تسجل أرقاماً قياسية. ومن المفروض أن تنخفض هذه التحويلات خلال العام الحالي نتيجة تراجع أسعار المشتقات النفطية. في موازاة ذلك، بلغت نفقات الموازنة 18934. مليار ليرة، وقد نتج نموها عن نمو النفقات المرتبطة بخدمة الدين، لا سيما النفقات خارج الفوائد. من جهة ثانية، بلغ الدين العام الإجمالي 72140 مليار ليرة، ما يعادل 478. مليار دولار أميركي في نهاية آذار 2009، أي بزيادة نسبتها 18.% مقارنة مع كانون الأول 2008. وإذا استثنينا ودائع القطاع العام لدى الجهاز المصرفي، يكون الدين العام الصافي قد ازداد بنسبة 2% في الفترة المعنية، ليصل إلى 63826 مليار ليرة، ما يعادل 423. مليار دولار. وبلغ الدين العام بالليرة 39962 مليار ليرة نهاية آذار 2009، بارتفاع نسبته 25.% مقارنة مع كانون الأول 2008. وقد ارتفع الدين العام بالعملات الأجنبية بنسبة 1% ليبلغ 21345 مليون دولار نهاية آذار 2009. وهكذا، صار الدين العام بالليرة يستأثر بقسم متزايد من إجمالي الدين العام وصل إلى 554.%، فيما تتراجع حصة الدين العام بالعملات الأجنبية بحيث أصبحت 446.% في آذار 2009. إن تنامي الدين العام في لبنان إلى حد أن نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي باتت من أعلى النسب في العالم، يشكَل العيب الأكبر في بنية المالية العامة. القطاع المالي: الوضع النقدي جاء أداء الفصل الاول من 2009 لمصلحة العملة الوطنية، إذ شهد موجة تحويلات من العملات الأجنبية إلى الليرة أدَت إلى وفرة في السيولة بالليرة، والى انخفاض إضافي لنسبة دولرة الودائع والى بلوغ الموجودات الخارجية لمصرف لبنان مستوى قياسياً جديداً. فقد أبدى المودعون اهتماماً كبيراً بتحويل ودائعهم من العملات الأجنبية إلى الليرة، يحثهم على ذلك الفرق في معدلات الفوائد بين العملة اللبنانية والعملة المرجعية، في ظل الانخفاض الكبير لمعدلات الفوائد على العملات الأجنبية إثر نشوب الأزمة المالية العالمية. ويقدَر أن تكون هذه التحويلات قد بلغت حدود ثلاثة مليارات دولار في الفصل الأول من السنة، ما شكَل امتداداً للمنحى الذي ساد طوال 2008، حيث بلغت التحويلات من العملات الأجنبية الى الليرة زهاء 8 مليارات دولار. والواقع أن استمرار عرض الدولار أتاح لمصرف لبنان أن يعزز موجوداته الخارجية بحيث بلغت هذه الأخيرة رقماً قياسياً هو 217. مليار دولار، أي بزيادة قدرها مليارا دولار منذ كانون الأول 2008. وباتت الموجودات الخارجية لمصرف لبنان توازي 809.% من الكتلة النقدية بالليرة في آذار 2009، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 1124.% لدى احتساب الاحتياطي من الذهب المقدّر بـ85. مليارات دولار. وانخفض متوسط المردود على السندات من فئة الثلاثة أشهر بمقدار ثلاث نقاط أساس، متراجعاً من 51.% في كانون الأول 2008 إلى 507.% في آذار 2009، فيما انخفض متوسط المردود على السندات من فئة الستة أشهر بمقدار 14 نقطة أساس، متراجعاً من 71.% في كانون الاول 2008 إلى 696.% في آذار 2009. أما متوسط المردود على السندات من فئة السنة، فشهد الانخفاض الأكبر، البالغ 31 نقطة أساساً، متراجعاً من 75.8% في كانون الأول 2008 إلى 727.% في آذار 2009. وفي الاتجاه ذاته، انخفض متوسط المردود على السندات من فئة السنتين بمقدار30 نقطة أساس لتبلغ 796.% وعلى فئة الثلاث سنوات بمقدار 16 نقطة أساساً ليبلغ 884.%. النشاط المصرفي سجَل أداء القطاع نمواً قوياً يفوق ذاك المحقق في الفترة نفسها من العام 2008 والسنوات السابقة، في حقبة تشهد توجَه الرساميل نحو القطاعات المصرفية لبلدان محصَنة نسبياَ تجاه الأزمة المالية. فالنشاط المصرفي، الذي يقاس بالموجودات المجمَعة للمصارف العاملة في لبنان، زاد بقيمة 3681 مليون دولار في الفصل الأول من 2009، مقابل 2882 مليوناً في الفصل الأول من 2008 ومتوسط نمو قدره 1009 ملايين دولار في الفترة ذاتها من السنوات الخمس السابقة. ولا تزال ودائع الزبائن هي المحرَك الاساسي لنشاط هذا القطاع ، إذ ازدادت بقيمة 2723 مليون دولار في الفصل الأول من السنة، وهي زيادة تفوق بنسبة 51% تلك المسجَلة في الفصل الأول من 2008 (1800 مليون دولار) وبـ75. أضعاف متوسط الزيادة المسجَلة في الفترة ذاتها من السنوات الخمس السابقة. كان من الطبيعي أن يفقد منح القروض للقطاع الخاص شيئاً من زخمه بالنسبة إلى الفترة التي سبقت الأزمة، في ظل الانخفاض الكبير لأثر الرافعة في مختلف أنحاء العالم. ولكن، بما أن المصارف اللبنانية تتمتَع بمرونة كبيرة مدعومة بمستوى عال من السيولة وبفوائض تشغيلية هامة، فإن محفظة التسليفات المصرفية للقطاع الخاص لم تشهد تراجعاً، بل سجَلت نمواً بقيمة 408 ملايين دولار، وهو مستوى أقل من نموها المسجَل في الفترة ذاتها من السنة الماضية، لكنه قريب من متوسط النمو المحقق في الفترة نفسها من السنوات الخمس السابقة (391 مليون دولار). لقد أدَت التحويلات الكبيرة التي طاولت الودائع لمصلحة العملة الوطنية إلى انخفاض نسبة دولرة الودائع بمقدار 19.% خلال الفصل الاول من 2009 (مقابل هبوطها بمقدار 77.% في غضون العام 2008)، بحيث تراجعت هذه النسبة من 696.% في كانون الاول 2008 إلى 6775.% في آذار 2009، وهذا أدنى مستوى لها منذ حوالى خمس سنوات. وتجدر الإشارة إلى أن انخفاض نسبة دولرة الودائع لا يترافق دوماً مع انخفاض نسبة دولرة التسليفات، باعتبار أن التسليفات بالعملات الأجنبية استحوذت على 86% من إجمالي التسليفات الممنوحة، ما دفع السلطات النقدية والمصرفية إلى البحث عن آليات جديدة لتحفيز الإقراض بالعملة الوطنية. أخيراً، واصلت المصارف اللبنانية خلال الفصل الاول من السنة الحالية تحقيق ربحية جيدة نسبياً، ولو أن ربحيتها هذه زادت بوتيرة أبطأ منها في الفترة نفسها من السنة الماضية. فقد استفادت مردودية المصارف من مفعول حجم ايجابي عائد إلى النمو الكبير لميزانياتها، لكنها تعرضت في الوقت نفسه لمفعول سعر سلبي مرتبط بتقلص الهوامش على الفوائد. البورصة وسوق السندات لقد سلكت أسواق الرساميل اتجاهات مختلفة في الفصل الأول من 2009. ذاك أن سوق السندات عملت على قواعد متينة مستفيدةً من المردود المؤاتي على سندات اليوروبوندز اللبنانية إثر الانخفاض الكبير للفوائد المرجعية، في حين أن البورصة شهدت ركوداً في حركتها. فقد عرفت سوق السندات طلباً محلياً مطَرداً خلال الفصل الأول من السنة، إذ بات المردود على سندات اليوروبوندز مغرياً أكثر فأكثر، في ظل تراجعات كبيرة لمردود الفوائد المرجعية بعد انفجار الأزمة المالية العالمية. وفي مثل هذه الظروف المؤاتية، تحسَنت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية خلال الفصل المذكور بحيث انخفض متوسط الهامش على هذه السندات بمقدار 147 نقطة أساس، متراجعاً من 727 نقطة في كانون الاول 2008 الى 580 نقطة في آذار 2009. من جهة أخرى، تمكَنت وزارة المالية من أن تقفل بنجاح عملية «سواب» جديدة بقيمة 23. مليار دولار في بداية شهر آذار 2009. في هذا السياق، رفعت مؤسسة «موديز» تصنيف لبنان السيادي من «ب 3« الى «ب 2«، مع الإبقاء على الآفاق السيادية «ثابتة». وقد عزت «موديز» هذا التقدم الى التحسن الكبير في السيولة الأجنبية لدى السلطات النقدية والى صمود المالية العامة في وجه الصدمات السياسية والاقتصادية الخطيرة. أما البورصة فقد شهدت ركوداً طوال الفصل الأول من 2009، إذ حافظ المستثمرون على موقف التريَث عقب المبيعات الكبيرة التي جرت خلال الفصل الأخير من العام 2008 وغياب أي عامل من شأنه تشجيع انتعاش النشاط. وعليه، بلغ حجم التداول في بورصة بيروت 99 مليون دولار في الفصل الأول من 2009، وهذا أدنى مستوى له منذ العام 2004، مقابل 168 مليون دولار في الفترة نفسها من 2008 ومتوسط قدره 313 مليوناً للفترة ذاتها من السنوات الخمس السابقة. وواصلت أسعار الأسهم المدرجة في بورصة بيروت منحاها التراجعي خلال الفصل الاول من 2009، بحيث هبط مؤشر الأسعار بنسبة 97.%. وجاء أداء مؤشر أسعار الأسهم اللبنانية دون أداء أمثاله في مجمل الأسواق الناشئة. فمؤشر «مورغان ستانلي» الذي يضم مؤشرات الأسعار في 26 سوقاً ناشئة سجَل ارتفاعاً بنسبة 07.% منذ بداية السنة. في المقابل، عرفت الأسهم اللبنانية أداء مماثلاً تقريباً لأداء أسهم الأسواق العربية، إذ سجَل مؤشر «مورغان ستانلي» لأسواق الأسهم العربية هبوطاً بنسبة 122. % خلال الفصل الاول من 2009. خلاصة: في سبيل الحد من تأثر النمو بالمناخ العالمي الانكماشي استطاع الاقتصاد اللبناني تحقيق أداء مقبول في الفصل الأول من العام 2009 رغم استفحال الأزمة المالية العالمية، غير أنه ليس بمنأى عن آفاق تداعياتها في ظل انخراط الأسواق اللبنانية بالأسواق الإقليمية والعالمية وفي ظل البعد غير المقيم للاقتصاد الوطني والذي يشكل دعماً أساسيا للنشاط الاقتصادي المحلي. إن فرضية تباطؤ الاقتصاد في المدى المنظور ترتبط على نحو خاص باحتمال انخفاض نسبة التحويلات من اللبنانيين المقيمين في الخارج والتي تشكل دعماً أساسياً للاقتصاد الوطني، وذلك نتيجة التراجع النسبي لدخل بعض هؤلاء العاملين أو حتى فقدان وظائفهم في بعض البلدان العربية والأجنبية. كذلك فإن التأثيرات السلبية التي ستنجم عن الانكماش المتوقع لحجم التجارة الخارجية لدى شركاء لبنان التجاريين في ظل تباطؤ أو انكماش اقتصاداتهم الحقيقية قد ينعكس سلباً على حجم الصادرات اللبنانية أو تنافسية أسعارها عامة. أضف إلى ذلك إمكان تراجع الاستثمارات الخارجية المباشرة في لبنان بسبب تقلص السيولة المتوفرة في المنطقة عموماً بعد الهبوط الحاد لأسعار النفط والأسواق المالية الإقليمية. ولكننا لا نعتقد أن لبنان سيقع في ما يسمى بفخ الركود في الأفق المنظور، أو تسجيل نسب نمو سلبية لناتجه المحلي الإجمالي كما هو متوقع في عدد كبير من دول العالم. ويعود ذلك بوجه خاص إلى أن محركات النمو المحلية، والتي تأثرت إيجاباً بتحسن الأوضاع السياسية والأمنية المحلية أخيراً وانعكاسها على عامل الثقة في الداخل، تعوّض بعض الشيء عن العوامل السلبية الخارجية المنشأ عموما. في هذا السياق، جاء تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في نيسان 2009 ليثني على مواجهة لبنان للأزمة المالية العالمية حتى الآن، رغم بروز عدد من التحديات التي قد تضغط على آفاق الاقتصاد في المدى المنظور. وقد توقع صندوق النقد نسبة نمو فعلية للعام 2009 بما يقارب 3%، في مقابل توقع تراجع نمو الأسواق الناشئة الى 16.% خلال العام وتحقيق النمو العالمي نسبة سلبية قدرت بـ-19.% وفق الصندوق. نحن نعتقد أن الحفاظ على استدامة النمو في لبنان يتطلب سلة شاملة من الإصلاحات والإجراءات ينبغي على السلطات المعنية تأمينها في ظل تضافر جهود كل من القطاعين العام والخاص في الأعوام المقبلة الضاغطة بسبب المناخ الانكماشي العالمي. لا بد من التذكير في هذا الإطار بأن جذور الأزمة العالمية الحالية تعود إلى الاستدانة المفرطة، وقد استلزمت خفض الرافعة الاقتراضية ((deleveraging من قبل الأفراد والمؤسسات في مختلف أنحاء العالم. من هنا نعتقد أنه ليس بمقدرة لبنان اعتماد سياسة مالية توسعية كما كانت الحال في عدد من دول العالم، وذلك في ظل الاستدانة المفرطة للقطاع العام في لبنان. فمن المهم مواكبة أي إنفاق عام إضافي بإجراءات ملموسة على صعيد تعزيز الإيرادات العامة لتفادي المزيد من التردي في عجز المالية العامة. وليس بالضرورة أن تشمل تلك الإجراءات المتمحورة حول رفع نسب الاقتطاع ضرائب جديدة، إنما على الأقل تعزيز الجباية في ظل تقديرات أولية للتهرب الضريبي بما يقارب الملياري دولار وما يعادل 7% من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان. الحري بنا في ظل هذا المناخ العالمي المستجد أن نعمد إلى سياسة خفض العجز العام من أجل إرسال إشارات إيجابية إلى المستثمرين اللبنانيين والعرب والأجانب في ما يتعلق بآفاق معضلة المالية العامة في موازاة التركيز على تحفيز القطاع الخاص لتأمين القيم المضافة الاقتصادية المطلوبة في الأفق المنظور. في الواقع، إن المتطلبات الاقتصادية والمالية لتحقيق نسب نمو مرجوة في غضون العامين المقبلين في ظل الظروف العالمية الحرجة، تستوجب تعزيز المحفزات للقطاع الخاص الذي يقع على عاتقه الجزء الأبرز من عملية ترسيخ النمو المستدام. إن الخطوات الحكومية المتمحورة حول تعزيز السيولة المتوفرة، ولا سيما تلك المتعلقة بإقرار الزيادة على الرواتب والأجور وإقرار سلسلة الرتب والرواتب والإسراع بدفع مستحقات القطاع الخاص المتوجبة على الدولة، ستدعم بلا أدنى شك آفاق الاستهلاك الخاص في الأفق المنظور، إلا أنه من المهم أن تتعزز إجراءات تحفيز الاستهلاك الخاص عن طريق زيادة الحوافز الضريبية وضبط الأسعار وتعزيز التسهيلات الجمركية وغيرها. غير أن التحدي الأبرز يبقى في احتواء الضغوط التضخمية التي قد تنجم عن جهود تعزيز السيولة تلك، والتي قد يكون لها أثر سلبي على مكامن التضخم الأساسي، والتي تشكل بدورها ضغطاً على سعر الصرف الفعلي. في هذا الإطار، من الأهمية بمكان مواكبة هذه الإجراءات الموجهة نحو الاستهلاك الخاص بإجراءات أخرى تسعى إلى زيادة حقيقية في الانتاج، وذلك عن طريق تحفيز الاستثمار الخاص، مع العلم أن الاستثمار يستأثر بالرافعة الأهم على النمو الإجمالي في البلاد من خلال مضاعف الاستثمار. وعليه، من المهم أن تشمل المحفزات للقطاع الخاص على سبيل المثال لا الحصر إلغاء بعض الرسوم التي تؤثر على مناخ الاعمال، ولاسيما الرسوم التي لا توفر مردوداً عالياً للخزينة، أو المساعدة على توفير التمويل اللازم لاستثمارات هذا القطاع في القيم الثابتة أو في الرساميل التشغيلية عموما. هذا وإن إجراءات تحفيز الطلب المحلي من استهلاك واستثمار يجب أن تترافق مع مساعي لتعزيز الطلب الخارجي على السلع والخدمات اللبنانية وتقليص الآثار الانكماشية الخارجية. ففي ما يتعلق بالمتطلبات المستقبلية على صعيد التصدير، من المهم أن يكون هنالك برنامج حكومي يتضمن إجراءات لتحفيز هذا التصدير في الوقت الذي تشهد أسواق صادراتنا، ولا سيما الاقليمية منها، تباطؤاً اقتصادياً ملحوظاً قد يتفاقم مع الانخفاض الكبير لأسعار النفط والانكماش العالمي الحاصل. ومن المهم في هذا الإطار تعزيز جهود دعم وترويج الصادرات اللبنانية، سواءً على صعيد تفعيل برامج الدعم المعمول بها حالياً وتوسيع رقعة نشاطها أو استحداث برامج تحفيزية وترويجية ودعم جديدة، لا سيما في القطاعات التصديرية ذات القيمة المضافة العالية. ويبقى محرك النمو الخارجي الأبرز في لبنان هو الإنفاق السياحي، والذي من المقدر أن يكون قد نما بما يقارب 30% في العام الفائت، مع ما ينطوي عليه ذلك من آثار للرافعة على النمو في ظل نسبة منخفضة لمعدل الاستثمار إلى القيمة المضافة. وهنا، من المهم تعزيز الجهود الرامية إلى دعم القطاع في الداخل والترويج له في الخارج من أجل أن يكسب لبنان حصصاً إضافية من سوق الإنفاق السياحي الإقليمي، ما قد يعوض بالتالي عن عامل الانعكاس السلبي للأزمة المالية الدولية على مجمل النفقات السياحية الإقليمية. أما بالنسبة إلى التمويل المصرفي المطلوب لدعم نسب النمو المرجوة، فيجدر لفت الانتباه إلى أن هناك اليوم فرصة ذهبية ناجمة عن التغير الحاصل في بنى الكتل النقدية عموما. وتتمحور هذه الفرصة حول آفاق تمويل الدولة والاقتصاد الخاص بالعملة الوطنية عوضاً عن العملات الأجنبية في ظل التحويلات الكبيرة للوفورات من العملات الأجنبية إلى الليرة اللبنانية، والتي بلغت 8 مليارات دولار في العام الفائت و3 مليارات دولار في الفصل الأول من العام الجاري. فمع استمرار هذه التحويلات، تتوافر سيولة كبيرة بالليرة ينبغي توجيهها نحو تمويل القطاعين العام والخاص. فتمويل القطاع العام بالليرة عوضاً عن العملات الأجنبية يؤدي الى خفض المديونية بالعملات الأجنبية مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي، والتي تشكل نسبة الهشاشة المالية الأبرز خصوصاً في ظل الأزمة المالية المستفحلة. أما تمويل القطاع الخاص بالليرة فيعيد الى العملة الوطنية دورها كعملة إقراض بعد أن استعادت تدريجياً أدوارها كأداة للتداول ووحدة محاسبة وعملة إيداع. وهنا يتعيّن على السلطات النقدية والمالية أن تتخذ في أسرع وقت خطوات عملانية إضافية لتعزيز قدرة المصارف اللبنانية على الإقراض بالليرة عبر آليات تحفيزية تعزز قدرة المصارف على خفض معدلات الفوائد الإقراضية بالعملة الوطنية للعملاء الاقتصاديين في سبيل ترسيخ الدور الاقتصادي المتوخى لليرة اللبنانية. أخيراً، إذا كان لبنان قد صمد في ما مضى بوجه فترات من التأزم، فإن استقراره على الأمد الطويل يتوقف بلا ريب وبصورة خاصة على قدرته على احتواء مواطن الضعف التي يعاني منها وعلى توفير التوازن الآمن المنشود. إن المتطلبات المعروضة أعلاه تندرج في إطار المقترحات غير الحصرية الرامية إلى تأمين الظروف الملائمة للنهوض الاقتصادي المستدام. ويبقى القول إن نجاح هذه الجهود يتطلب إجماعاً وتوافقاً سياسياً من كل القوى السياسية الفاعلة في البلاد وفي الوقت نفسه قدراً عالياً من الالتزام والانضباط والتنسيق من مؤسسات الدولة ودرجة كبيرة من حس المسؤولية المدنية والوطنية لدى اللبنانيين أجمعين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة