As Safir Logo
المصدر:

اشكال آخر الهاويات

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2009-05-13 رقم العدد:11291

أحسب أن كثيرين مثلي يتشككون من إمكانية عبورنا كلبنانيين «قطوع» الانتخابات المقبلة على «سترة وسلامة» ويستخلصون منها باطلاً ، ويرون فيها لُعبة سوداء لم نخض في مستوى سوداويتها من قبل. خائفون، ونحتاج الى تلفزيون شفوق علينا وعلى ارتجافنا من تصريحات وتصريحات مُضادة لا تترك فسحة تنّفس أو حقّ أو يقين. تلفزيون شفوق في استضافات شفوقة للأخوة الأعداء، تُرخي بصمة رحمة على الأجواء ، ولا .. جدوى. كثيرون يائسون تماماً من كل الوعود والخطابات في افتضاحها التام، وفي حدسهم الى حقيقتها اللئيمة. كل إطلالات الناخبين باطلة، وكل مواقفهم مُزيّفة ومشبوهة، وكل اتجاهاتهم قاصرة، فلا نقبض نحن مُنتظري الفرج لا على وعد وطن ولا على دليل إليه. كل مُناظرة تلفزيونية مُلّغمة في أسئلتها والأجوبة، وعلينا نحن الذين التعن سنسفيل اجدادنا، التبصير في الحقائق في بواطن تلك الأسئلة وظواهر الإجابات عنها. أيضاً أحسب أن قلقنا نفسه غير بريء، كما احتجاجاتنا مُتأتئة مُبهمة، متعددة متناقضة، وتمنياتنا وأحلامنا ليست واحدة ولا رغبة منسجمة. نحن لسنا أبرياء لا في خوفنا ولا في إقدامنا أو رباطة جأشنا ونسهر أمام أجهزتنا نتمرأى تناقضاتهم التي هي تناقضاتنا، وأدوارهم المتشعّبة التي هي أدوارنا. بلغ لبنان سنّ الرشد وما من رشد ولا حكمة. عمرٌ طويلُ من الحروب المتعاقبة، ولم يُشف غّل ولا هو مُزمع على الشفاء. ذلك أن عمر التقاتل في لبنان ، يبدو بلا أول ولا آخر . عمرٌ مُنتخب من تناحر وتقاتل وتذابح ، فلا نعجب إن لم يمّر رهان انتخاباته هذه على خير، فالأرجح أن دروساً وعبراً كــــان الأجدى بنا الاستفادة منها ولم نفعل، دروســـاً وعبراً مرّت هكذا عابثة ومجانية ولم تهّز ساسة البلد ولا أهليه ولا رمش لهـم جفن. كلما كبر قلقنا، كلما تكشّف لنا أمر حبنا لهذا البلد. نفكر أنه يكون قتال شوارع آخر وما أبعدهُ عن بيوتنا، سوى أن الخطر لا يكمن في الموت بل في الحب. من شدّة تعلّقنا ببلدنا يكون صعباً علينا خوض مقتلة جديدة. من شدة إيماننا به أصبح خيالنا ممسوساً بفكرة الحرب وفكرة الموت. لا بدّ أن سحرة ومشعوذين حفروا لهذا البلد علامة الهلاك في مكان ما، علامة خفيّة لعلها موجودة في جنوبه, او شماله، أو شرقه، او غربه، أو عاصمته وعلى نافذتي تحديداً. خيوط عنكبوت سامّ غزلت على مدى الـ10452 حتى عبق البلد كلّه برائحة الموت. نندفع الى الهاوية ؟ إذا كانت هاوية أخيرة، آخر الهاويات.. يا له من موت لذيذ.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة