عرف الجمهور العربي ماريو فارجاس يوسا بروايته الشهيرة في مديح الخالة التي ترجمت إلى العربية بلغة شديدة الأناقة عرفوه بحفلة التيس والحياة الحقيقية لاليهاندرو مايتا، والفردوس على الناصية الأخرى، الخالة جوليا، البيت الاخضر، من قتل موليرو... عرفوه كمرشح للرئاسة في جمهورية البيرو 1990 خسر أمام غريمه البريتو فويجموري الذي أطيح به بتهمة الفساد وهرب إلى اليابان الموطن الأصلي لأجداده. رواية يوسا الأخيرة التي صدرت2007 بعنوان BAD GIRL فتاة سيئة يشبهها البعض بمدام بوفاري لبودلير والبعض الآخر بالحب في زمن الكوليرا لماركيز، ويشير الآخرون إلى علاقتها بسيرة فارجاس يوسا الذاتية فالبطل هو أيضا المترجم الحالم والمثقف المهزوم سياسيا والحقيقة ان الرواية فضلا عن أنها قصة حب فقد جاءت لتكمل دائرة أرق الكاتب بالدكتاتورية في موطنه الأصلي البيرو وفي علاقة الدكتاتورية بالفساد. وهي واحدة من اكثر أعماله رومانسية وجمالا. ظلت الرواية لعدة أشهر من اكثر الكتب مبيعا، وأيضا الأكثر نقدا واحتفاء في أميركا بعد أن ترجمتها إلى الإنكليزية اديث جروسمان. تدور الرواية حول الولد الطيب ريكاردو ابن الطبقة المتوسطة، والبنت ليلي التي يقابلها في طفولته فقيرة تلعب في أحياء الأغنياء، تحاول أن تداري تاريخ طبقتها بطموحها المخيف، ولا ترى في الولد الطيب سوى كتلة من تلكؤ وضعف وقلة طموح، لكنها قد لا تتردد في استخدامه حين لا يكون هناك غيره، ولمرات عديدة في الرواية تخونه تذهب وتعود بوجوه اكثر تعددا، فتجده بانتظارها يظل يحبها في علاقة معقدة قوامها الغفران الأبدي من البطل والخطيئة المتكررة من البطلة. الحكاية التي يرويها يوسا قد تعيد إلى الذاكرة بطلة فلوبير الشهيرة أيما في, مدام بوفاري، من بعض الوجوه يبدو يوسا في هذه الرواية كما تصفه KATHRYN HARRISON كاترين هاريسون في اشد حالاته تألقا يعيد فيها يوسا إعادة خلق بطلة فلوبير مدام بوفاري، يعيد معها تحطيم الواقع ليخلق منه واقعية جديدة، يبدو يوسا في روايته الجديدة كاتبا كبيرا وأستاذا في إعادة الروح إلى التراث الروائي وإعادة خلقه ضمن واقع جديد ولكن بطلة يوسا قد لا تنتمي إلى مدام بوفاري وحدها هي أيضا تعيد خلق المرأة اللعوب ضمن واقع سياسي فاسد وتطرح أسئلة التحرر الجنسي والاستخدام الجنسي للمرأة سياسيا، يسقط الفتى الصالح ريكاردو في حب فتاته الصغيرة ليلي منذ أن رآها لاول مرة نحيلة وشقية وترقص بضراوة تثير الانتباه يقع في هواها مثل تيس صغير كان الفتى في الخامسة عشر آنذاك وكانت تبدو اصغر قليلا، في عيد ميلاده الخامس عشر وبعد عدة مقابلات سرية معها تختفي ليلي بعد انكشاف حقيقة وضعها الأسري الفقير وادعاءاتها الكاذبة عن نفسها وأصولها الطبقية، ويذهب الفتى كما حلم إلى باريس حيث كل شيء اجمل من الواقع، حالما بأن يصبح كاتبا، أو شاعرا يكمل دراسته للأدب لكنه لا ينسى فتاته طوال تلك الفترة, في الخامسة والعشرين وبعد أن صار مترجما في اليونسكو يلتقي بها ثانية لكن اسمها هذه المرة سيكون الرفيقة ألترا المتمرنة في جيش الثورة البيروني، سيقع في حبها للمرة الثانية وللأربعين عاما القادمة ستظل هذه الفتاة تتحكم في علاقته بها تغيب وتأتي يرتبط اسمها بمغامرات عديدة، تنتهي قصة الحب التي تبدوا كلاسيكية بعودتها إلى البيرو وبقاء الولد الطيب في باريس، يصف الكاتب من خلال بطله باريس الستينيات، المقاهي، المثقفين والثوار بعين بطل مشاهد غير متورط في اية بطوله، فهو محب للكتابة لكنه يعمل مترجما، محبا للرسم لكنه لا يرسم، محبا للحرية لكنه ليس متورطا في غير عشقه للغة وللبنت التي في طفولته، مستسلما لصداقته العميقة للرفيق باولو في مقاهي باريس، يتفقد أخبار الرفيقة التي صارت حسب ما يرد من أخبار العشيقة الرسمية لأحد أهم قواد الثورة الكوبية وشقيق الزعيم الكوبي الشهير الذي اختفى، وسيكتشف المترجم البائس آن أحلامه في عودتها تتبخر لان طموحها وجموحها يقوداها إلى ما لا يتخيله أحد لكنه لا يكف عن استدعاءها في غيابها الطويل عبر مخيلة اختصرت صورة الأنثى في حياته في حضور هذه البنت النحيلة الضئيلة اللعوب، على أية حال فإنها لا تغيب كثيرا... وتأتي في صور متعددة تفاجئه بأنها في باريس في صورة مدام روبرت ارنوكس زوجة الدبلوماسي الثرية المتأنقة التي تحجز لعلاقتهما الممتدة جناحا في أحد الفنادق الراقية يصبح الفتى الطيب مقتنعا بحضورها الطاغي المختلف, يصبح قابلا لكل تبريراتها عن سوء سيرتها وعن علاقاتها المتعددة, يتحول المحب إلى كائن راضخ قابل بشروط العلاقة المحددة سلفا, والتي تنتهي بغياب مفاجئ غير مبرر, يتنقل خلالها البطل من باريس إلى لندن أواخر الستينيات التي أخذت تنافس باريس انفتاحا على حركات التحرر والهيبز والفن والصخب وفي مصادفة جديدة يعثر عليها في لندن زوجة لأحد رجال الأعمال الإنكليز حيث صارت سيدة برجوازية أنيقة وحاذقة وثرية ومتعددة العلاقات, لا أحد يعرف سر قدرتها على اختراق هذه الأرستقراطية العتيدة، ربما أدرك ساعتها الولد الطيب إلى أي مدى ذهبت تلك الفتاه الصغيرة التي جاءت من أسرة معدمة وحلمت بأن تصبح مضيفة طيران فقط لترى بلدان لا يعرفها فيها أحد، لكنه يكتشف أيضا انسحاقه التام أمامها، جنونه الهوسي بها قدرتها على التلاعب دائما به وبغيره، أكاذيبها التي يصدقها لانه يريد أن يصدقها ولأنه بمنتهى الرومانتيكية عاجزا عن الكف عن تعاطيها، قد لا يبدو ذلك مفهوما إلا في ظل الشخصية التي رسمها يوسا لبطله المحب المثقف العاجز الحالم القادر على إعطاءها فقط ولاءه التام بخنوع الحب مسلوب الإرادة، لكن الكاتب قادر علاوة على تفاصيل قصة الحب التي بدأت في الخمسينيات أن يسرد من خلالها بتاريخ حافل من التمرد والثورة والحب وأشواق التحرر وأيضا مرارته ، مارا بالستينيات و السبعينيات هذا القرن متنقلا ما بين أميركا اللاتينية وباريس ولندن ثم اليابان وجنوب أفريقيا راسما تنقلات البنت السيئة بين عشاقها وأيضا عارضا تاريخ التقلبات السياسية في البيرو منذ الخمسينيات. العودة تغيب الفتاة السيئة بعد خلافات مع زوجها رجل الأعمال الذي يتركها مطلقة بلا أية حقوق مالية، بعد أن اثبت أنها لا تزال متزوجة من الدبلوماسي الفرنسي، لابد ان تبدأ رحلة البحث عن زوج ثري كما كان هدفها دائما من الصفر الان، تترك لندن ككل مرة دون أن يعرف إلى أين تذهب، بعد أن رفضت طلبه المتكرر بالزواج، تختفي حانقة وبعد عدة سنوات سيراها في أحد سفراته كمترجم إلى اليابان في صورة كيوكو صديقة أحد كبار رجال العصابات اليابانية، محظية في لباس الكيمونو تقوم بعمل ما بين البغاء وتجارة المخدرات، وتربطها صلات غائمة بشبكة من رجال المال والسلاح والمخدرات لكنها حين تلبس للولد الطيب هذا الكيمونو الحريري وتلف عنقها حوله سيبدأ الولد الطيب الحانق انسحاقه تجاهها كما في كل مرة رغم كل السنوات مازال مجنونا بها، ستمر سنوات من غيابها قبل أن تجيء إليه في باريس ثانية لكن تلك المرة مريضة وعلى شفا الموت وبلا أوراق قانونية ولا مال تهتكت أعضاءها التناسلية عقب اغتصاب جماعي في بلد أفريقي لا يفهم الولد الطيب من حقيقة ما حدث لها سوى أن نهاية اللعبة بين البغاء والفساد والسياسة لها ضحايا من هذه الأنواع لكنه لا يستطيع تركها، وبمزيد من المرارة والسنتمالية مازال هو نفسه العاشق الحب الذي يبيع كل شيء ليؤمن لها العلاج لكنها وبمجرد أن تتحسن توقع رجل كبير في السن ليقع في حبائلها وتمضي معه باحثة عن تلك الحياة التي سعت إليها تاركة الولد الذي صار اكبر سنا واكثر عجزا تجاهها تغيب البطلة التي سئم القارئ تكهناته بتوبتها وتجيء زاعمة للولد الذي كبر أنها فعلت ذلك كي لا تكون عبئا عليه أنها تموت وكل ما تريده هو أن يترك صديقته الهيبية القذرة وان يقبل أن يعيش معها تلك الأيام الأخيرة، يترك الولد الفتاة التي يعيش معها ويركض وراءها يعيش معها في بيت صغير على الشاطئ الكتابة خلاص وفي عصر يوم ما كانا يجلسان معا في الشرفة المطلة على الحديقة قالت له، (إذا جاء يوم وكنت تريد أن تكتب قصتنا أرجوك لا تجعلني أبدو شديدة السوء وإلا سأرسل شبحي ليسحبك من أصابع قدميك كل ليلة أنا فقط فتاة سيئة وطيبة القلب وحين سألها لما تقولين ذلك قالت له لانك حلمت أن تصبح كاتبا ولم يكن عندك الشجاعة لذلك ولانك لاشك ستفتقدني كثيرا وعلى الأقل تعترف بينك وبين نفسك انني عملت شيئا طيبا أعطيتك مادة لرواية أليس كذلك أيها الولد الطيب؟). ولا يملك القارئ أيضا إلا أن يتعاطف مع تلك البطلة التراجيدية وان يسقط عليها كل تكهناته بأنها قد تكون الثورة أو الحرية أو الوطن وحتى تلك التكهنات لا تنفي أن الرواية تحمل دلالات سياسية غير مباشرة، فمعظم الكتابات النقدية التي تابعت الرواية تشير إلى علاقة المثقف الحالم بالسياسة وعلاقته من الناحية الأخرى بالأنثى، وان كان النقد النسائي أيضا كان له رأيه كمقال سارة فين في جريدة التايمز التي ترى أن صورة المرأة في نص يوسا تبدوا محيرة وغير مقبولة من كاتب كبير بحجم يوسا ، فالحرية الجنسية التي تتمتع بها البطلة هي أيضا مطلب تحرري ولا يجب أن تعاقب البطلة في الرواية بتلك النهاية السيئة لكن تبقى البطلة البنت السيئة المحبوبة المغوية، هي بطلة الروايات الكبيرة التي ترى جوانب كثيرة في الذات المفردة يوسا المرشح للبوكر رغم ان روايته ليست بالإنكليزية، المرشح لنوبل بجدارة يثبت أن الكتابة الكبيرة هي خلاص كبير أيضا. (كاتبة مصرية)