في الثاني والعشرين من تشرين الأول 2005، وبعد شهرين على اعتقال زوجها اللواء الركن علي الحاج، قالت سمر الحاج لـ«لسفير» إن البيت «فرغ عليها فجأة». اليوم، معنى خاص لعقارب الساعة في معصم سمر، المزينة بصورة زوجها وهي ترتديها منذ توقيفه: «الله أنعم عليّ، وأرجع لي أبو صلاح، ورجع العز على بيتي». الواحدة والنصف ظهراً. سجن رومية. تقترب سيارة مرسيدس رمادية تقودها الحاج. تترجل منها وتقبّل بعض الصحافيات الحاضرات. لم يكن قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان، دانيال فرانسين، قد أعلن قرار الإفراج بعد. تؤكد أن قلبها مرتاح، لكنها تشعر بخوف من «تسييس القضية». تقول: «نحن نحترم قانون الإجراءات والأدلة، فالقضاء اللبناني لا يملك السلطة وعليه فقط أن ينفّذ». يتسارع الزملاء لأخذ الأحاديث الصحافية من الحاج التي تحوّلت إلى مصدرهم الوحيد للمعلومات. فقد كانت أولى الحاضرين بين عائلات الضباط الأخرى، والوحيدة التي تتفاعل مع الصحافيين، وتتولى نقل الأخبار لهم من داخل السجن. وحده اتصال ابنها جاد، المتواجد في الولايات المتحدة، يشغلها عن الجميع: «آلو جادو ماما، ضب الشنطة ويللا تعا، أوعى تسمع وزير العدل شو بيقول على التلفزيون». لقد حلمت سمر ليل أمس الأول أن والدتها، المتوفية منذ ثلاث سنوات، تربّت على كتفها. فزادها الأمر تفاؤلاً بخصوص القرار الذي تنتظره من القاضي فرانسين، ولم تخذلها «زيارة» والدتها. بعد الدردشة الصحافية، تدخل السجن لتخرج بعد دقائق قليلة بمستجدات بسيطة حول نفسية زوجها المرتاحة وشروعه بجمع أغراضه. تدعو الصحافيين إلى عدم استخدام تعبير «إطلاق سراح» لأن الضباط الأربعة «أحرار وقد احتجزوا لأجل المحكمة الدولية». ثم تعود إلى عدسات الكاميرات، لتعبر عن مشاعرها المتضاربة بين فرح وحزن. تضحك مؤكدة تفاؤلها من جديد: « نظّّفنا البيت وعبّينا البرّاد، علي راجع معي اليوم». وعن الطبق الأول الذي ربما لن يسعفها الوقت لتطهوه له تقول: «بياكل بيض مقلي بس معي مش لحالو». الثالثة الا عشر دقائق، تبدو الحاج أكثر قلقاً. تستأذن الصحافيين للدخول فأبو صلاح بانتظارها ليسمعا النبأ السعيد معاً، وهكذا تغيب في الداخل، للمرة الأخيرة قبل إصدار القرار. في تمام الثالثة عصراً يتجمع الصحافيون أمام دكان صغير بالقرب من مدخل السجن، ويستمعون الى قرار فرانسين، ويهرع الجميع عائدين إلى مدخل السجن، في ترقب. ورغم أن الحاج كانت تأمل سماع الخبر عبر الراديو مع زوجها، كما قالت، فقد منعت من رؤيته، مكتفية بتلقف القبلات التي أخذ يمطرها بها من نافذة زنزانته، محتفلاً. يصدح بوق سيارة تغادر السجن. ترفع الحاج شارة النصر. توقف سيارتها و«تطل» على الصحافيين: «مبروك إلكن مبروك للبلد، صار موعدهم مع الحرية». تتوافد مواكب السيارات إلى المكان، لكن يصعب التعرف على هوية ركابها بسبب الزجاج الغامق للنوافذ. يحضر ابن الحاج البكر، صلاح، مع خطيبته. العروسان اللذان احتفلا بخطبتهما في 25 أيار الماضي سيحظيان بفرصة الاحتفال بالزواج بحضور والد العريس. المزيد من السيارات. هذه زوجة العميد مصطفى حمدان، فمالك جميل السيد، فعائلة العميد ريمون عازار. وبعد انتظار دام أكثر من ثلاث ساعات أزف موعد الإفراج عن الضباط الأربعة الذين تمت مواكبتهم وفق إجراءات أمنية مشددة، فغادروا أخيراً المكان الذي أمضوا فيه 3 سنوات و7 أشهر و29 يوماً، في سيارات أمنية. في الرملة البيضاء مهرجان «يقوده» أهل برجا. تحول المبنى الذي يقطن فيه الحاج، بالقرب من ثكنة فخر الدين، إلى ساحة احتفال. يرقص الشبان الدبكة على إيقاع الطبل، بينما تكتظ شرفة الشقة بالأقارب والأصدقاء. يحمل أطفال العائلة باقات الزهور، واللهجة «البرجاوية» هي سيدة الموقف. يصعّب الزحام في المنزل عملية التعرف على الحضور. وكان قد زار الحاج مهنئاً كل من: الوزيرين السابقين وئام وهاب وزاهر الخطيب، النائب حسين الحاج حسن، مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله عمار الموسوي، النائب العام التمييزي السابق عدنان عضوم. يصل «اللواء المحرر» إلى منزله. تضيء المفرقعات سماء المنطقة التي امتلأت بالأرز المنثور وزغاريد النساء: «إجا البطل إجا!»، تنادي إحداهن من شرفة المنزل. ذبح خروف على نية العودة بالسلامة، واكتظ مدخل المبنى بالمهنئين. لم يتمكن المحتفى به من العبور إلى صالون البيت، فاتجه صوب المطبخ هرباً من الوفود الجماهيرية. لم ينجح، فعاد وانتقل بصعوبة إلى الصالون حيث ألقى كلمة نقلتها التلفزيونات على الهواء مباشرة. يقف النائب الحاج حسن على يمينه متولياً تهدئة الوفود، فيما تحضر والدة الحاج التي يقبّل ابنها يديها، بينما تحتضنه زوجته سمر من الخلف وتأخذ تقبله في رأسه. يمسك يدها ويقول: «زوجتي مناضلة فلتقتدي بها سائر النساء». لم ينته المهرجان. لم يقفل منزل الحاج، بل استمر في استقبال المهنئين حتى ساعة متأخرة من الليل.