As Safir Logo
المصدر:

برج البراجنة التي خسرت بحرها وخلعت عنها منذ زمن ذاك الرداء الأحمر... الدافئ

تربية العصافير هواية «برجاوية» مستمرة منذ أمد بعيد (مصطفى جمال الدين)
المؤلف: بزي جهاد التاريخ: 2009-04-15 رقم العدد:11270

الهدوء يسود الورق. بيوت متباعدة ولكل بيت حديقته الواسعة نسبة إليه، مزروعة بأشجار فاكهة وخضار وورود. وهناك بقر ودجاج وأحياناً جمال. وشوارع ضيقة أليفة لها أسماء. وأشجار نخيل وعين ماء تقع عند سكة قوافل التجارة تسير من فلسطين إلى لبنان وسوريا أو العكس. وصبّار، حلوه وشوكه يملآن صفحتين كبيرتين من كتاب. صبّار يمتد حيث يسرح النظر. فوقه تطير العصافير بالآلاف ويصطادها الناس بصلي قضبان الدبق لها. وفجراً، تتهادى الدواب حاملة الحليب الساخن، تشق طريقها بين البساتين صوب المدينة القريبة. وصباحاً، يهرول شبان تملؤهم العافية فوق الرمال الحمراء الذهبية، قاطعين مسافة كيلومترات قليلة. يصلون البحر ويسبحون ويصطادون السمك. غيرهم غادر إلى بيروت ليبيع ما قطفه من بستانه. وهم، إذ يشيلون غلتهم من البحر، قد يعودون به إلى البيت فيتناولونه غداء، وقد يحملونه طازجاً إلى حيث يباع. من الورق تفوح في الهواء رائحة لا يمكن تخيلها، هي خليط من هذا الماضي الذي، لشدة ما تغير، يبدو سحيقاً. من كان ليقول الايام ستغير إلى هذه الدرجة أحوال بلدة غارقة في الاخضرار اسمها برج البراجنة؟ هي التي افتتحت القرن تربي دود القز وتبيع الحرير. هي التي تقع بين رمل البحر غرباً وبين مجموعة قرى تشبهها، ذابت وذاب معها كل شيء في ما سيتعارف عليه، مع ثمانينيات القرن الفائت بأنه «الضاحية الجنوبية»، الاسم الذي تنعت فيه ناحية ساحلية من لبنان، سلباً وايجاباً في الآن نفسه. ضاحية تمتد على مساحة شاسعة من الابنية وشبكات الطرق المعقدة والازقة، وتنفلش على خليط سكاني وعلى نمط حياة وعلى مفاهيم وعقائد والتزامات سياسية واجتماعية تجعلها مختلفة، في المعنيين السلبي والايجابي أيضاً. برج البراجنة التي كانت، بشكل أو بآخر، تقع على البحر. غير أنها حكماً لم تكن جزيرة. لا عين ماء في عين السكة طبعاً، ولا شجرة جميّز. مكان العين التي جفت وأقفلت قبل زمن بعيد، قامت حديقة مستدقة مستطيلة مزروعة ببضع نخلات. ساحة عين السكة هذه تربط احياء البرج الثلاثة، السياد والمنشية والسنديان، ببعضها البعض. ومن هذا التقاطع، تسير طريق بمحاذاة مخيم اسفل مخيم برج البراجنة تصل إلى حارة حريك، واخرى تخترق صعوداً سوقا للثياب يتحول إلى سوق خضار ليصل إلى طريق المطار ماراً في الرمل العالي. الساحة تحمل اسم صاحب التمثال الذي رفع هناك ونسف في الحرب الاهلية وهو لجمال عبد الناصر. وقد حملت لاحقا اسم الامام الخميني. غير أن الاسم المستمر منذ ما قبل القرن الفائت بقي ساريا عليها وهو اسم عين السكة. ساعات النهار هنا جحيم في ازدحام السير، لا ينفع معه النشاط الذي يبلغ حد الانهاك لعناصر شرطة البلدية. كثافة سكانية ونشاط تجاري وصناعي على جانبي طرقات لم تكن معدة لمثل هذه الفورة الزاحفة إلى المنطقة مع ثورة 1958. في ستة اشهر من تلك الحرب الاهلية، انتشرت في الرمل العالي فجأة مئات البيوت يرفعها نازحون شيعة من الجنوب والبقاع، في فوضى عمرانية استفادت من الأمر الواقع، ومن محكمة الرمول الشهيرة التي حكمت بأن الرمال الفاصلة بين برج البراجنة وبين الاوزاعي ليست مشاعاً لبرج البراجنة، بل لملاكين من عائلات لبنانية عريقة. وهؤلاء تقاسموا عقارات بمساحات هائلة من برج البراجنة الى الاوزاعي اسهماً، من دون ترسيم للأرض. اسهم راحت تباع بالجملة إلى من يبيعونها بالمفرق ويحددون الاراضي بالفشخة ومعها أحياناً «زودة العرب»، وهي اضافة بقيمة شبر تدل على كرم البائع. وفي غياب هذا التحديد، خرجت العشوائيات. النزوح لم يكن كله إلى الرمال. فالعائلات التي اضطرت تباعاً إلى ترك شح قراها مبكرة، سعياً وراء رزق المدينة وجدت في برج البراجنة بيوتاً بإيجارات رخيصة في منطقة لا تبعد كثيراً عن العاصمة. موجة ايجارات بدأت مع نازحين قسريين من بلادهم. أهالي قرى ترشيحا والكويكات والكابري نزلوا في أرض معظمها مستملكة وبعضها مشاع، استأجرتها الاونروا لهم ونصبوا خيامهم فيها فصارت مخيم برج البراجنة. الميسور من هؤلاء النازحين، وهو في الغالب ابن مدينة مثل عكا، إستأجر غرفة او غرفتين من بيت في برج البراجنة وقطن فيهما. انيس رحال، سائق البوسطة التي كانت تحمل ثلاث نقلات يومياً من النازحين بين بنت جبيل والمناطق، أتى بعائلة من اب وأم وطفل إلى بيته حيث استأجر رب العائلة الفلسطينية غرفة من البيت ودفع سنة سلفاً، ثم امضى 12 سنة من دون أن يدفع مالاً، لا لسبب، بل لأن صاحب البيت لم يكن بحاجة إلى ماله، ولأن زوجتي الرجلين تآختا، وكذلك اطفالهما. ولم يعد المال مهماً بين عائلة تكاد تكون واحدة. المختار حسن السبع (عم النائب باسم السبع) أنزل الفلسطينيين في رزقه، حيث نصـبت سبع عائلات خيـــاماً وظلت فيها إلى أن قررت الانتقال إلى مخيم البرج. النزوح الفلسطيني إلى برج البراجنة كان على هذا الشكل من الترحاب بأصحاب القضية الواحدة الكبيرة. بدأت البلدة بالانتعاش الاقتصادي مع مجيء الفلسطينيين الذين ابتاعوا حاجياتهم من اهل البرج وعملوا بأرخص أجور ممكنة في المصانع القريبة. ابناء برج البراجنة كانوا مكتفين. هم إما تجار في بيروت وإما مزارعون يصرفون إنتاجهم يومياً وإما حرفيون يعملون في النجارة والبناء وغيرهما، وإما موظفو دولة، يدينون بذلك لعلاقاتهم الجيدة بالمارونية السياسية المسيطرة والمحيطة بهم، من كل الجهات تقريباً. ينقسمون بحسب انقسام تياراتها، ويميلون إلى العروبية منها بطبيعة الحال، ويفيدون من نظام «الستة وستة مكررا» في التوظيف اكثر من غيرهم من شيعة البلاد. وعلى العكس من ابناء الاطراف، فإن صورة «الدولة» بالنسبة لابن برج البراجنة هي ليست تلك الظالمة الحاقدة التي تهمله، بل هي التي تحميه وترفع من شأنه وتؤمن مستقبله. الدولة مرجعية من المستحيل أن تنافسها فيه الاحزاب العقائدية. وبينما شغل ابناء عائلات في البرج وظائف رفيعة إن في القضاء او في السلك العسكري، فإن الاحزاب العقائدية كالبعث والقومي السوري والشيوعي لم تصل إلا إلى أفراد يكادون يعدون على الأصابع. هذه الدولة هي التي ستبدأ بالسقوط إثر الانقسام الاهلي وصعود الثورة الفلسطينية التي أدخلت الى برج البراجنة مزيداً من الانتعاش الاقتصادي، و«أدخلت السلاح ايضاً»، حتى لحظة الانفجار التي أدت إلى النزوح الشيعي الاكبر إلى الضاحية الجنوبية من شرقي بيروت، والنزوح المسيحي المعاكس، لتغرق الرمال مرة واحدة بالأبنية التي منها ما هو شرعي، بحجة الأسهم، ومنها ما هو غير شرعي، ونحن في حرب ودم وخراب، ولا أحد يدري فعلا ما هو الحد الفاصل بين هذين المفهومين: شرعي وغير شرعي. الكثافة السكانية في برج البراجنة بدأت بالارتفاع. لاحقاً ستجتاح إسرائيل جنوب لبنان مرتين تباعاً وتجثو على صدره لاثنين وعشرين عاماً. هنا، كل شيء سيتغير. القرى التي كانت تفصل بينها البساتين خلعت الاخضر وازدحمت بالابنية والناس، وظهر حي السلم، وضاعت الملامح المميزة لمنطقة مثل برج البراجنة التي لحقها ما لحق محيطها. وفي زمن ما بعد الفرز الطائفي الحاد، لا يعود واضحاً الفارق بين جنوبي وبقاعي وابن برج إلا في كون هذا الاخير يرتبط بلهجة وصلات قربى «بالأصليين» إذا جاز مثل هذا التعبير، وعادات أقرب إلى تلك البيروتية، وعلاقته بفاعليات اجتماعية وسياسية لم تكن يوماً إقطاعية بل هي وليدة العائلات البرجاوية، منها الميسور ومنها الموظف الكبير ومنها الاستاذ الجامعي. برج البراجنة لم تكن جزيرة، وهي إذ ذابت جغرافياً في المحيط الهائل، إلا أن مجتمع عائلاتها نفسه، وإن صار اقلية، فإنه لم يذب. في بيت المختار الحاج فهد سليمان فرحات يحكي عن الرمال بحدة كما لو أن برج البراجنة فقدت تلك الاراضي أمس فقط. المفوض العام الممتاز المتقاعد شاب بذاكرة وسمع وصوت ممتازة بدورها. يبلغ من العمر تسعة وثمانين عاماً. يجلس في ضيافة صدر دار ابن عائلته المختار خليل فرحات. في السهرة البرجاوية الضيقة يجلس الدكتور في الجامعة الاسلامية رامز عمار، وهو رئيس سابق لنادي البرج الرياضي، والكابتن الطيار أمين رحال وعلي الحركة وهما من مؤسسي النادي. في العام 1994 أصدر الحاج فهد كتابه: «برج البراجنة وجاراتها.. صراع مع الارض والانسان». فيه يرجع إلى القرن الخامس عشر حيث يؤنب متأخراً لبعض الشيء، أميراً حكم بيروت ووصف أهل البرج بأنهم شيعة يستبطنون السنة. الحاج يقول عنه: كان من الاجدر بهذا الحاكم ان يذكر في ما دونه شخصيا ان البراجنة هم من محبي ومناصري أهل بيت الرسول الكريم وكفى». يروي الحاج عن نزوح أهل البرج من الليلكي المرتفعة إلى حيث كانت المستنقعات والشوك، وذلك بعدما نكل بهم الامير فخر الدين المعني إثر قتل «سلمى» ابنة البرج لأحد عبيده الذي اهانها، وقد تهادى هذا على حصانه حتى وصل إلى بئر فسقط فيه، فصار اسم البئر والمنطقة من حوله، بئر العبد. فخر الدين بعد تهجير البرجاويين جلب المسيحيين إلى المنطقة المرتفعة نسبيا عن برج البراجنة، أي المريجة والتحويطة والليلكي فقطنوا فيها وتكاثروا، والكلام على ذمة الراوي. الحاج واحد ممن يؤرخون على طريقتهم للمنطقة. مثله في ذلك مثل صاحب مدرسة «غرين لاند»، حسن بديع عمار، الذي يجمع الوثائق والصور التاريخية وقد اصدر كتاباً عن عدد من شخصيات البرج وهو في «طور اصدار كتب أخرى». قبلهما، اصدر محمد كزما الاستاذ في التعليم الرسمي في العام 1984 كتابا عنوانه «الضاحية ايام زمان»، وهو في مجمله عن برج البراجنة بين عامي 1914 و1935. نحن لا نقرأ كمال صليبي في هذه الكتب بالطبع، غير أنها تبدو توثيقاً لشهود عيان يحفظون المشهد كما كان، بدفئه الاصلي بعيداً عن الاكاديمية الصارمة. بحب، يخاطب الحاج برج البراجنة في كتابه، فيسألها: «يا جارة الرمال الذهبية على مد النظر لماذا سلخوا عنك ذاك الرداء الدافئ؟». يقول الحاج إن الأهلين اشتروا الاراضي من الامراء الشهابيين مستخدمين، اداة للقياس، الشملة، التي كانت تلف الشروال العربي. وهم الذين سيجوها بالصبار. أما الرداء الدافئ، فقد اعطى الامراء لأهل البرج فيه حق مرعى البقر والقيلولة على البحر وصيد السمك. وقد كانت برج البراجنة كلها تصطاف على شاطئها الذي يعرف بشاطئ الاوزاعي الآن، حيث لم يكن هناك من منطقة اسمها الاوزاعي بل قرية حنتوس السنية التي يدفن فيها الامام الاوزاعي. ترفع العرازيل متجاورة وينام الناس ويفيقون فيها. كما كانوا يصطافون في كيفون. وهاتان البلدتان على بعد المسافة بينهما، تبدوان كشقيقتين، حيث إن البرجاويين كانوا في بدايات القرن يصعدون إليها مشياً، وقد تملكوا فيها وما زالوا حتى اليوم يصطافون فيها. وقد كانت ملجأ لعائلات كثيرة منهم في حرب تموز الاخيرة. «مؤامرة الرمول» أفقدت حق اهل البرج بأراضيهم، غير أن هذا كان نصف المشكلة. النصف الثاني كان البناء العشوائي الذي خنق برج البراجنة هي المنخفضة بين مرتفعين غربي وشرقي. العشوائيات جعلت التنظيم المدني في برج البراجنة مستحيلاً. ضاقت طرقاتها ولم يستطع اوتوستراد كبير الوصول إليها من طريق المطار مثلاً، لأنه حكما عليه المرور بالبيوت هناك التي كثير من سكانها اشتروا اسهماً من العقارات بنوا بموجبها. المختار فرحات يقول إن «المنطقة عادت لتشهد نهضة عمرانية، ليست منظمة بالطبع، بعد حرب تموز 2006، حيث لم تعد تجد مكاناً لسيارة كي تركن». هذه النهضة رافقتها فوضى بناء عشوائيات جديدة بدأت خلال حرب تموز في الرمل العالي واستمرت بعد محاولة قمع قامت بها القوى الامنية في العام نفسه وأدت إلى سقوط قتيلين لينفلت العقال بعدها. ويبدو ان برج البراجنة نفسها اصابتها العدوى حيث ارتفعت طوابق جديدة فوق ابنية بطوابق من اثنين أو ثلاثة، اضافة إلى الاعمار المستمر منذ نهاية الحرب. هذا التكاثر في الابنية لا يمنع أن تكون بعض البيوت باقية على ما هي عليه، بطابقين إضافة إلى حديقة، لكنها تضيع بالطبع في غابة الابنية الحديثة العالية. في الارقام ان نحو خمسين الفاً من ابناء برج البراجنة يعيشون مع نحو 300 الف مقيم. قلة، ومع ذلك فما زالت مترابطة اجتماعياً بحكم القرابة، ولا حرف يُلفظ مختلفاً يعكر صفو لهجتها الاقرب إلى البيروتية منها إلى الجبلية. هذا لا يعني في المقابل أن اهل البرج مجتمع منفصل عن محيطه، بل هو متداخل فيه بحكم الزيجات والجيرة والطائفة، والولاء السياسي بالطبع إلى حركة امل بداية، ثم لاحقاً إلى حزب الله، وإن لم يكن بالضرورة انتماء كاملاً إلى ادبيات الحزب وعقيدته. والحزب ينتبه تماماً إلى الحساسية العالية لأهل البرج في الموضوع الانتخابي على الاقل، ويجيد التعاطي معها. «ابن برج البراجنة قد ينتخب من غير عائلته، لكنه على الارجح لن ينتخب من خارج برج البراجنة»، يقال هنا. والمتفائلون يضيفون ان البرجاويين قد يشكلون لوائحهم. كلام لا يحسم إلا حين النتائج. الانتخابات نقاش يومي مستعر، إن في بيت المختار الآن، او كل يوم في مقر نادي البرج الرياضي، حيث يجتمع وجهاء برج البراجنة، في سهرة أراكيل وضحك وسياسة يومية. «راح الفريق وبقي النادي»، على ما يقول أحد أعضاء إدارته السابقين. نادي البرج، «القلعة الصفراء»، بات في الدرجة الثالثة. ووصوله الدرجة الاولى لم يكن تفصيلاً في تاريخ المنطقة التي رفدت الاندية بعشرات اللاعبين قبل أن تخرج بنفسها إلى الضوء في التسعينيات. صعود وهبوط صعد فريق نادي البرج في كرة القدم إلى الدرجة الأولى في عصر «ذهبي» لكرة القدم اللبنانية وجماهيرها، مع انتهاء الحرب الاهلية وعودة الدوري اللبناني لكرة القدم وانضمام الاندية اللبنانية الى اتحاد واحد. كان صعود البرج إلى دوري الاضواء في العام 1993 خبراً مدوياً في برج البراجنة. يشهد الدكتور عمار، كما المختار فرحات، للكابتن سهيل رحال الذي كان رئيسه حينها، أنه كان رافعة مادية ومعنوية للفريق، هو الذي سخا في سبيل تدعيمه بلاعبين افارقة ومحليين محترفين. النادي وجد جمهوره حاضراً: كل أهل البرج. هكذا صار تعداد جمهوره الثالث في لبنان بعد النجمة والانصار على ما يقول الدكتور عمار. تحلق أهل برج البراجنة حول ناديهم المؤسس منذ العام 1961 غير أنه ينخرط للمرة الاولى في اللعبة التي كانت شغلا شاغلا للبنانيين (أو لنقل نصفهم على الاقل) حينها. الكابتن سهيل رحال، اللاعب السابق وصاحب الباع الطويل في ملاعب كرة القدم، كان ديناميكاً بما يكفي لأن ينسج علاقات ممتازة مع الاتحاد وأمينه العام رهيف علامة على العكس مثلا من نادي النجمة ذي الجمهور بالغالبية الشيعية والذي كان على عداء مع علامة. خرج من الضاحية الجنوبية جمهور ثان غير جمهور النجمة، ونافسه، وهزمه في مباراة ظل البرجاويون يقضون بها مضاجع النجماويين طويلاً قبل أن ينتقم هؤلاء في الاياب. عمار يقول إن عائلات البرج كانت تتوجه بكل افرادها الى الملعب لتساند فريقها. وهذا الجمهور هو أول من أدخل النسوة إلى المدرجات. اللاعبون، وهم أبناء البلدة، صاروا نجومها من دون منازع. ويوم فاز البرج بكأس لبنان، اطبقت الناس على الشوارع وملأتها حتى ساعات الصباح فرحاً بهذا الفوز. نادي البرج بدا متنفساً لعصبية اهلية استمر لسنوات، قبل أن تقع إدارته في مشاكل داخلية، منها المادية، وتتدهور حال الفريق ويهبط في أوائل الالفية من الدرجة الاولى إلى الثانية ثم الثالثة حيث يقبع الآن. النقاش بين السهرانين يأخذهم إلى تفاصيل واسماء كثيرة ليس من مكان لها هنا، بخاصة أنه مجتمع ما زالت تحكمه بيئته الخاصة، الطيبة للمناسبة، والتي ما زالت ضائعة بين البلدة الصغيرة، والعاصمة الكبيرة بيروت، والضاحية العصية دائماً على الفهم، والتي لا تسمى إلا من خلال إطلاق الاحكام عليها. وهذا نقاش آخر. صعود النادي ظهّر لحمة اهالي برج البراجنة التي كانت وما زالت موجودة دائماً. الآن، يمكن لهذه اللحمة أن تظهر نهار الاحد في الحسينية، عند تقبل العزاء بأحد ابناء البلدة، او في مقر النادي، حيث يسهر كبار المنطقة، أو في ايام العطلة في الصيف، حيث يغادر الكثير من ابناء القرى إلى قراهم الجنوبية والبقاعية، وتخلو الشوارع، وتخرج البلدة ليوم واحد من ازدحامها الهائل، إلى هدوء يذّكر كبارها بما كانت عليه في تاريخ غابر، ويجعل شبانها يشعرون بأنهم يعيشون في ضيعتهم التي سرعان ما تعود لتختفي عن أعينهم في اليوم التالي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة