«العوديسا الفلسطينية» هو العنوان العام الذي يعطيه الشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد «لأعماله الشعرية» التي صدرت حديثا عن «بيت الشعر» في فلسطين، ويستعيد في مجلدات ثلاثة، مسيرته الشعرية التي بدأت منذ أوائل الستينيات. عن هذه الأعمال، كان هذا اللقاء، في عمّان (الأردن) منذ أيام قليلة. خالد أبو خالد، بعد هذه التجربة الطويلة في الكتابة، التي أصبح عمرها سنين طويلة، إذ بدأت في أوائل الستينيات، أي أنها تقترب من السنة الخمسين، أين أوصلتك الكتابة؟ } يجب أن أعترف أولا بأن الشعر ساعدني كثيرا على التماسك في مواجهة الكوارث التي يمر بها الوطن العربي الكبير وبخاصة فلسطين. في ما يتعلق بالنص، أنا عادة ما أحاكم تجربتي في ضوء أن الشعر يأتي ولا أتبعه، بمعنى أن ليس هناك مرّة في حياتي وضعت أوراقي وقلت سأكتب قصيدة. إذا جاء الشعر قد يجيء وقد يغيب ولا يغريني الحضور، بمعنى لست مهتما أن يكون اسمي موجودا ونصي موجودا في المجلات والجرائد في السنة عشرين مرة. وأنا متأكد من أن المتلقي لا ينسى الشعر الحقيقي، قد أغيب ثلاث سنوات، وأخرج بنصي على المتلقي، فيكون نصا متطورا على النص الذي سبقه، وبالرغم من ذلك أضع هذا النص في الدرج وأصبر عليه ثلاثة أشهر، أعود لأقرأه مرة أخرى لأكتشف إذا كان باردا لا أدفعه إلى النشر على الإطلاق، وإذا كان محافظا على سخونته يكون من حظه النشر ومن حظي أنني حتى الآن لم أعش تجربة أنني أرمي نصي في سلة المهملات إذ كان دائما ساخنا لأن النص يجب أن يعطى كامل دورته في الكتابة وكامل دورته في انتظار أن يذهب إلى المتلقي. فالشعر من هذا الجانب أوصلني إلى أنني مطالب دائما بأن أطور في نصي، وأطور في فنيته تحديدا، ليس تصنيعا، على طريقة الصياغ والجواهرجية بل على طريقة تمثلي أنا لمعنى تطور القصيدة وقدرتها على التوصيل بالرغم من تطورها الفني، أي أنه يجب على تطورها الفني أن يساعد على التوصيل لا العكس. ولست ضد الغموض في بعض المقاطع، ولكن يجب على هذا الغموض أن يكون موظفا توظيفا يخدم النص. ثم إن ما توصلت إليه هو أن المصطلح الشعري يمكن له أن يكون مصطلحا شعريا، أي ان أي مفردة تستطيع أن تكون مفردة شعرية إذا كانت في سياق موظف بشكل صحيح في سياق النص. وهناك كلمات في نصوص أخرى أعرفها جيدا، شعرية، ولكن توظيفها السيئ في النص، جعلها غير شعرية، إذاً النص الشعري هو الذي يأخذ مكانه في النص. تطرح في جوابك العديد من الإشكاليات، أولا هل تعتقد أن الكثير ممّا ينشر اليوم لا يملك هذه السخونة، مثلما أسميتها، وثانيا بأي معنى أنت تحدد فنية النص؟ } في غياب النقد وقد غاب النقد منذ أن تعامل مع الرواد، لم يعد هناك نقد متأنٍّ ودارس وباحث في النصوص وبالتالي يصبح الشاعر، رغما عنه، ناقد نصه، وبالتالي هو يستخرج مقاييسه التي هي ليست مقاييس أكاديمية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها مقاييس لها علاقة بتلقيك أنت لنصك عندما تقف على أرض محايدة. عند ذاك هذا هو مقياسك الوحيد. هذا أولا، أما ثانيا، فهناك أزمة في حركة الشعر العربي الحديث. وهذه الأزمة، هي الأزمة ذاتها التي دخلتها قصيدة العمود، بمعنى أن يأتي شاعر متمرس في الكتابة فيكتب نصاً خلواً من روح الشعر. هذا الخلو من روح الشعر هو الذي يجعل النص في أزمة والذي يجعل الشاعر في أزمة، وحقيقة الأزمة أنها أزمة في الواقع. مثلا، في العمود الشعري، إذا لاحظنا جيداً، قد وصل إلى حالة أنك تقرأ شعراً قوياً جذلاً متماسكاً ولكنه يخلو من روح الشعر. قصيدة التفعيلة دخلت أيضا في الدوامة عينها، في الدورة ذاتها أي أن هناك من يستطيع أن يبني قصيدة تفعيلة ناجحة جدا بمقياس هذه القصيدة، لكنها تخلو من روح الشعر وتفقد سخونتها. آتي إلى قصيدة النثر التي لا أكتبها وإن كان لي بعض التجارب في المزاوجة بين التفعيلة والنثر في قلب قصيدة التفعيلة. مشكلة قصيدة النثر تتوزع على عدة مشكلات، أولا أنها أكبر عمراً من قصيدة التفعيلة ولكنها لم تستطع أن تبرهن على وجودها الفعلي كما برهنت عليه قصيدة التفعيلة. والسبب؟ هناك عدة عوامل، الأول، أن ثمة من يكتب تحت تأثير النص الوافد المترجم وبالتالي هذا النوع من النصوص يمكن أن تضع عليه أي توقيع أجنبي وتقتنع بأنه شعر أجنبي. الإشكال الآخر هو أن هناك من يستسهل، وذاك عائد إلى بعض الشعراء الذين فتحوا المنابر لكل ما هب ودب، حتى أن بعض هؤلاء الشعراء حين يقف ليلقي نصه نجده غير قادر على ضبط اللغة أو النحو، ويكتب نصا غريبا عنه، وبالتالي يستسهل الكتابة، وهكذا نرى الكثير من الغث، وهو ما أساء إلى قصيدة النثر. في هذا السياق أود أن أشير إلى شاعر هام في سوريا اسمه محمود السيد وهو صاحب كتاب «مونادا دمشق» وله عدة مجموعات شعرية أخرى، هذا الشاعر المعتكف يكتب نصا نثريا في منتهى الجمال والشاعرية ولا يحتمل سوى توقيع محمود السيد. في تقديري أن قصيدة النثر ليست هي تطور القصيدة العربية، هي نص موازٍ، يجب أن يشتغل أصحابه عليه كي يصبح نصا موازيا وموفقا في آن، ولكنه لا يمثل حالة من تطور القصيدة العربية، هو يمثل حالة أخرى إلى جانب القصيدة العربية وهو شعر بكل المقاييس إذا أجاد الشاعر كتابة نصه. الشتات الفلسطيني صدرت لك اليوم الأعمال الكاملة، أولا ماذا يعني لك أن تستعيد هذه التجربة في مكان واحد؟ هل يمكن لنا أن نسمي ذلك لمّ شمل الشتات الفلسطيني الشعري بمعنى من المعاني؟ } أولا كان يقلقني جدا أن الذي كان يتابع التجربة الشعرية لخالد أبو خالد لم يكن يستطيع أن يتابعها في إطار، كان بعض الذين يتابعون قد قرأوا نصا أو اثنين لخالد أبو خالد، مجموعة أو مجموعتين. من هنا جاءت هذه المحاولة لنشر المجموعة بين دفتي غلاف لتقول للناقد هذه هي التجربة وعليك أن تحاكمها. لكن أهم ما يفرحني في هذه المسألة أنني بعدما اتفقت مع اتحاد الكتّاب العرب في سوريا على طباعتها، وبعدما اتفقت مع مؤسسة الدراسات العربية على نشرها أيضا، تلكأت كثيرا، ربما كان في داخلي طموح وحلم بأن تصدر هذه المجموعة في فلسطين، وقد حدث ذلك وهذا هو المهم. ذلك دلالة عندي، أولا أن قصيدتي التي لم تكن قد وصلت إلى فلسطين ـ إلا في ما ندر ـ قد وصلت الآن إلى المدارس والسجون والمعتقلات والمتلقي العادي والمتلقي المتخصص في داخل فلسطين. الدلالة الأخرى التي نتحدث عنها دائما أننا نحن ندعم الناس في الوطن المحتل، الذي حدث أن هذا الإصدار أثبت أن الناس في الوطن المحتل يستطيعون أن يشكلوا رافعة لنا في الخارج، وأذكّر هنا بالقصائد التي وصلتنا من الأرض المحتلة قبل منتصف الستينيات، وفرحنا كثيرا أنها شكلت لدينا رافعة وإلهاما، بحيث إن هذا التبادل في الدعم هو أساس العلاقة بين الداخل والخارج وهو العملة الواحدة بوجهين. لماذا أسميتها «الأفعال الشعرية»؟ } الحقيقة أنا لم أتدخل في هذا النص من حيث العنوان الكامل، لكن الشاعر مراد السوداني ـ الذي هو رئيس بيت الشعر الفلسطيني، والذي أصدر هذه المجموعة ـ اجتهد فسمّاها «الأفعال الشعرية» لأنه رأى أن هذا النص الشعري مقترن بسلوكي أنا كمناضل فلسطيني وبالتالي أسماها كذلك، لقد وجد تطابقا بين هذا الشعر وبين سلوك الشاعر. وثمة أيضا عنوان كبير آخر لهذه الأفعال، هو «العوديسا الفلسطينية» بأي معنى تستعيد أيضا «الأوديسة»؟ } أولا تصورت دائما أن أوديسيوس عائد إلى «إيثاكا» وهناك في إيثاكا بينيلوب، وكان أمراء الحرب يحاولون أن يستولوا عليها، وأن يأخذها كل لنفسه وكان هناك ولده تيلماخوس الذي لم يكن يستطيع الدفاع عنها دفاعا صحيحا لأنه كان صغير السن. فتصورت أن أوديسيوس هو العائد، وأنني أيضا أنا العائد، وأن بينيلوب هي المعادل الهوميري لفلسطين. ومن هنا زاوجت بين العودة والأوديسه فأصبحت «العوديسا». وإذا ما تذكرنا كلنا أن ما يقوله أوديسيوس في هذا النص الخاص بي «عائد من مساء الحروب/ ومن طرق لا تؤوب». تمثلت ذلك، وهي تزاوج أيضا بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة. حلم العودة ولكن هذا الأمر يطرح إشكالية، أي أنك عدت من خلال الشعر ولم تعد أنت كمناضل؟ } هذا صحيح... يعني هل تحوّل حلم العودة إلى عودة عبر النص فقط؟ } يجب أن أقول لك.. أولا لدي نص آخر بعنوان «الرحيل باتجاه العــودة» وهـناك نصوص أخرى «عصرنت» فيها السيــرة الشعبية العربية التي ترى إلى تغريبة بني هلال أنها هجرة في طريق العودة. وبالتالي أنا أسمي نفسي حارس الحلم الفلسطيني. الحلم الفلسطيني هو حلم العودة. العــودة لم تتحول إلى مجرد نص شعري ولكنها تحولت أو ثبتت دائما عند مقولتها نفسها، أننا عائدون وعندما نقول إننا عائدون فهذا يشترط أن نفعل شيئا، أي كي تعود لا بد من أن تربط ذلك بالتحرير وأن تعبر عن ذلك بمسار النضال من خلال هذه القصيدة، لكنها لا تتحول إلى نظرية أو إلى حلم. هي حلم بالأساس يريد أن يتحقق في الواقع، وأنت تعمل كشعب وكأمة على تحققه في هذا الواقع. عادة ما يقال عندما يعمد الشاعر إلى إصدار أعماله الكاملة، كأن يعترف بذلك ـ بمعنى من المعاني ـ أنه وصل إلى منجز ما. لكن هل يعني ذلك أن هذا المنجز سيتوقف أم أن هناك تكملة لهذا المشروع عبر كتب أخرى؟ } في الحقيقة أنا لست مع كلمة الأعمال الكاملة، هي الأعمال في جزئها الأول، يكملها الشاعر قبل أن يموت ويكملها آخرون بعد أن يرحل أو قبل أن يرحل، لأنه لا يجوز على الشاعر القول إنه ليس هناك من أنبياء بعدي بل هناك أنبياء كثر، هناك شعراء كثر بعدي دائما، وهم يكملون مسيرة الشاعر ويضيفون إليها. وبدون ذلك لا تتطور الأمور. من ديوان الشعر العربي في بداياته حتى الآن هناك شعراء يكملون مسيرة شعراء رحلوا أو غابوا. هذه السنة، القدس عاصمة الثقافة العربية، بصفتك شاعراً وفلسطينياً، كيف تنظر إلى هذه الاحتفالية؟ } أولا أنظر إلى هذه الاحــتفالية كاحــتفالية خارج الديكور وخارج الإعلام وخـارج الإعلان. القدس هي عاصمة العرب. بدون القدس ليست هناك دولة عربية مستقلة على الإطلاق. الدولة المستقلة هي التي تحمي روحها وتحمي حدودها والدول العربيـة روحها في القــدس، لأن القدس هي الأرض المباركة، وهي أولى القبلتين بالمفهوم الديني، وهي أيضا موضوع للتحرير بالمفهوم السياسي.