في العام 1997 أعيد الاعتبار للمصلح الديني وأحد الرهبان الدومينيكان جيرولامو سافونارولا، بعدما كان البابا اسكندر السادس وافق على إعدامه، وقدمت دعوى تطويبه من قبل أسقفية فلورنسا، المدينة الإيطالية التي حكمها الراهب قبل خمسمئة سنة، قبل أن تنقلب عليه حكومتها ورجال الدين فيها، فينفَّذ حكم الإعدام فيه، وتحرق جثته أمام أبناء رعيته وأنصاره. ورغم أنه بقي كاثوليكياً، إلا أن العديد من الباحثين اعتبروه مهيئاً لظهور المصلح البروتستانتي مارتن لوثر. وتدل سيرته على أنه بالفعل راهب ثائر، وإن طغت على ثورته الجوانب الدينية والأخلاقية. فهو لم يتوقف عند الهجوم المتكرر على رجال الدين المسيحيين، بل تعدى ذلك لتشمل خطاباته النارية التي اشتهر بها سمعة البابا، الذي ناصبه العداء وأرسل في طلبه، فلم يلبِّ الراهب الثائر، بل احتقر قرار الحرمان الكنسي الذي أصدره البابا بحقه. ولم يوفّر بسخطه وغضبه الساسة أيضاً، فانقلب عليهم وحرّض الرعية ضدهم، إلى أن ناصره جمهــور كبـــير آمن به في فلورنسا، ونصّبه زعيماً على تلك الإمارة، يطلق أفكاره الأفلاطونية في إصلاح دستورها. زادت شجاعة سافونارولا من شهرته، التي تعدت حدود فلورنسا وإيطاليا، فأصابت عدواها رجال دين وسياسيين. ما جعله يستقطب جمهوراً واسعاً من الفئات المضطهدة الفقيرة، عندما شمل هجومه الأمراء والأغنياء والفلاسفة والشعراء والفنانين، وسدد الضربات الموجعة لرجال الدين المتواطئين مع السلطات، الذين، برأيه، «حطموا الكنيسة الصحيحة، وشيّدوا بدلاً منها كنيسة باطلة ملوثة، ولم يحتفظوا إلا بالمظاهر والطقوس». «الكتاب للجميع» الصادر اليوم مع «السفير»، هو من تأليف الكاتب المصري حسن عثمان، الذي ترجم «الكوميديا الإلهية» لدانتي، الفلورنسي أيضاً، وكان ألّف كتابه هذا في سيرة الراهب سافونارولا (1452ـ 1498)، وأصدرها بطبعة أولى العام 1947، كونه من المهتمين بالحضارة الإيطالية، لاعتبارها من أهم دعائم الحضارة الحديثة، ومهتماً بسيرة الرجل الذي تحول إلى علم بارز من أعلام إيطاليا، حتى اعتبر البعض أن ميكافيلي استفاد من سيرته في وضع كتاب «الأمير». لم تكن ثقافة سافونارولا محدودة، فهو ترك دراسة الطب التي بدأها مع تفتح شبابه، ليتفرغ لدراسة اللاهوت، ويتابع إلى جانبها قراءة الفلسفة، خصوصاً أفلاطون وأرسطو، ويكتب الشعر، ويهتم بتاريخ الحضارات، وهو لم ينسَ مثلاً، في إطار هجومه على البابا، أن شبه فساد روما بفساد بابل. في أي حال، بدت سيرة سافونارولا محط أسئلة والتباس، فإذا اعتبره البعض مصلحاً ومخلّصاً لفلورنسا من فساد حكامها وداعية إصلاحياً بارزاً في العالم، إلا أن البعض الآخر اعتبره رجلاً خطراً، ثم راهباً «مخربا»، وبقيت سمعته تتأرجح بين الثورة والنضال من جهــة، والتعـصب وادعاء النبــوة وعداوة النهضة الفنية المتمثلة بمايكل أنجلو وبوتيتشيلي، اللذين اتهم بإحراق ما طالت يداه من أعمالهما. «سافونارولا ـ الراهب الثائر» واحد من المؤلفات التي عملت على سبر أغوار هذا الرجل الذي حفظ اسمه التاريخ القديم، ولم تنسه الفنون الحديثة.