As Safir Logo
المصدر:

ناخبـو عكـار: دراسـة حـول تطـور الفئـات العمريـة عـند الطوائـف اختـلال فـي التـوازن بيـن المسلميـن والمسيحييـن فـي فئـة الشبـاب

المؤلف: حمود نجلة التاريخ: 2009-04-10 رقم العدد:11267

لا يخلو النقاش الدائر في عكار حول الانتخابات النيابية المقبلة من بعض الهواجس والحسابات التي تجري على مستوى العائلات والتقسيم الجغرافي، والأهم، من ذلك النقاش حول التوازنات المذهبية والطائفية التي لا يبدو أنها قادرة على خلق فرص متوازية في اختيار المرشحين، بسبب الاختلال الكبير الذي تظهره لوائح الشطب. فضلاً عن الدراسات التي تجريها الماكينات الانتخابية للمقيمين من هؤلاء الناخبين والمغتربين والمهاجرين، داخل الوطن وخارجه. ومع أنه لا يوجد إحصاء دقيق لنسبة هذه الهجرة أو الاغتراب لكل فئة أو طائفة، إلا أن المؤشرات الميدانية تجزم بوجود نسبة مرتفعة لدى الناخبين المسيحيين، خصوصاً الموارنة والأرثوذكس، في حين أنها تبدو متدنية جداً لدى الطوائف الإسلامية، والسنية خصوصاً، ولم يعوّض ذلك حجم المنتسبين منهم إلى الجيش والقوى العسكرية الذين لا يدرجون على لوائح الشطب. لكن ما يزيد من حدة هذا الاختلال هو ما يطرأ كل أربع سنوات عندما تضاف الأجيال الشابة، حيث يكشف جدول ديموغرافية الطوائف في لبنان، الذي أعدّه الدكتور يوسف كفروني، مؤشر هذا الاختلال في اتجاه التضاؤل الحاد من فئة الشباب عند المسيحيين الذين باتوا لا يشكلون سوى نسبة 184. من مجموع فئة الناخبين الشباب بين عمر 21 سنة ولغاية 32 سنة، مقابل 816. للناخبين المسلمين من الفئة ذاتها. ويستنتج من الجدول أعلاه لمقارنة التوزيع الديموغرافي في مختلف الفئات العمرية العناوين التالية: ـ تفوق المعمرين المسيحيين على المعمرين المسلمين عددياً، فضلاً عن أن النسبة العامة لهذه الفئة هي بأكثرية الثلثين لمصلحة المسيحيين على المسلمين، في حين أنها تشكل عند المسلمين نسبة 09. في المئة من مجمل ناخبيهم، بينما تشكل نحو 4 في المئة عند المسيحيين من مجمل ناخبيهم. ـ تقارب مجموع عدد الناخبين من كبار السن (65 سنة وما فوق) بين المسلمين والمسيحيين بفارق بسيط لمصلحة المسلمين (17327) على المسيحيين (17020)، لكن عددهم عند المسيحيين يشكل ربع ناخبيهم (25 %)، في حين أنهم يشكلون عند المسلمين نحو 11 % فقط من مجمل ناخبيهم. ـ تفوق عدد الناخبين المسلمين من عمر ما بين 45 سنة و64 سنة (34899) على عدد الناخبين من هذه الأعمار عند المسيحيين (20449)، إلا أن نسبتهم عند المسلمين من مجمل ناخبيهم تشكل نحو 227. % في حين أنها تشكل عند المسيحيين نحو 30% من ناخبيهم. ـ لكن العلامة الفارقة تبرز بشكل حاد في الأعمار ما بين 21 سنة و44 سنة، حيث يبلغ عددهم عند المسلمين 101186 ناخباً من أصل 153412 ناخباً ليشكلوا بذلك نسبة 66% من مجمل الناخبين المسلمين (من بينهم نسبة 368.% لفئة الشباب بين عمر 21 سنة و32 سنة)، في حين أن عددهم عند المسيحيين يبلغ 30111 من أصل 67580 ناخباً ليشكلوا بذلك نسبة 445.% من مجمل الناخبين المسيحيين (من بينهم نسبة 189.% فقط لفئة الشباب بين عمر 21 سنة و32 سنة). تفضي هذه الاستنتاجات إلى أنه مع مرور الزمن ستصبح هذه النسبة المتدنية عند المسيحيين في فئتي الشباب والرجال هي السقف الأعلى لمعدل نسبة المسيحيين في عكار إذا بقي الوضع على ما هو عليه، أما إذا كانت ستواصل الانخفاض بالمعدل ذاته للتراجع المسجل في الجدول والذي يتجاوز الخمسة في المئة، فإن ذلك يعني أنه بعد عشر سنوات ستصبح نسبة المسيحيين في عكار بحدود 13% كحد أقصى. عكار في التنمية والديموغرافيا والتنوع قضاء عكار أكبر أقضية لبنان في عدد الناخبين مقارنة مع الأقضية الأخرى, بيد أن غناه الجغرافي والسكاني لا يتناسب مع وضع أهله المعيشي. فنسبة الحرمان العامة بحسب دليل أحوال المعيشة للأسر في هذا القضاء تبلغ (633.%) أي ضعف النسبة على الصعيد الوطني البالغة (321.%)، حيث أن بعد هذا القضاء عن العاصمة قد جعله من أكثر الأقضية حرماناً والإهمال الرسمي المزمن واضح في قطاعاته المختلفة المتروكة على حالها. غير أن عزيمة سكان هذا القضاء كبيرة وعصاميتهم بادية على تصرفاتهم في المجالات كافة: الصحية والتعليمية والاقتصادية والزراعية والتنموية، خاصةً لجهة شق الطرقات وتعبيدها. وقضاء عكار صورة مصغرة عن لبنان لجهة التعدد الطائفي والمذهبي إذ يضم 12 مذهباً موزعين بين مسلمين ومسيحيين، ومن المعروف تاريخياً أن المسيحيين حظوا بمنزلة مرموقة في هذا القضاء مند الحكم العثماني خاصةً لدى السلاطين وولاة عكار فكانت لهم علاقات طيبة مع السلطنة العثمانية مند بداية حكمها لبلاد الشام، علماً أنهم شكلوا ربع مجموع سكان عكار، بيد أن عددهم أخذ بالتزايد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك بسبب مجيء عائلات مسيحية جديدة فيها وبخاصة بعد أحداث 1860 الطائفية التي عمت معظم بلاد الشام، والخلافات السياسية والمذهبية (منطقة بشري ـ إهدن بين الموارنة والسريان). كل هذه العوامل أدت لحركة نزوح مسيحي باتجاه هذا القضاء الذي شكل ملجأ للفارين من تلك الأحداث، خصوصاً أن العثمانيين أوجدوا صيغاً للتعايش حفظت وجودهم وحريتهم ضمن المجتمع الإسلامي في إطار مفهوم أهل الذمة. لذلك كله بلغت نسبة المسيحيين الذين يحق لهم الاقتراع افتراضياً 645.% من النسبة العامة البالغة 19.2% في العام 1919 لتفوق نسبة أقرانهم المسلمين البالغة 355.% للفئة العمرية نفسها (88سنة وما فوق). ومع بداية القرن العشرين تدنت نسبة الناخبين المسيحيين إلى 505.% لتتساوى تقريباً مع نسبة الناخبين المسلمين البالغة 496.% في الفئة العمرية (77ـ سنة 88) . بعد هذا التقارب الذي يمكن وصفه بأنه يشكل صيغة حقيقية للتوازن الإسلامي المسيحي، بدأ الاختلال الديموغرافي الطائفي يشق طريقه في العامين 1932ـ1943 أي في الفئة (65ـ76سنة) لمصلحة الناخبين المسلمين، حيث سجلوا زيادة 19% خلال حوالى عقدين ونيف تقريباً، فبلغوا نسبة 54% من مجمل الناخبين البالغ 77.7% مقابل 459.% للمسيحيين. عوامل عديدة اقتصادية، اجتماعية، ثقافية ودينية غزّت هذا التفاوت وسرّعت وتيرته، فالمجتمع العكاري مجتمع زراعي يفرض زيادة في الولادات ما يعكس محبة الريفي للأسرة الكبيرة ورغبته في الإنجاب خاصة الذكور، لأنهم يشكلون قوة اقتصادية تساهم في رفع مستوى الأسرة المعيشي، بالإضافة لسيادة القيم الدينية التي تحرّم تحديد النسل وتشجع علـــى الإنجاب، هذا بالنسبة للمسلمين الذين احترفوا الزراعة كمصدر عيش أساسي. في المقلب الآخر شغل المسيحيون في تلك الفترة الوظائف العامة كون الميثاق الوطني (1943) أعطاهم امتيازات خاصة لإدارة شؤون الحكم والدولة. مما ساهم في رفع المستوى الاقتصادي الاجتماعي والثقافي، الأمر الذي جعل الزيادة السكانية سالبة، حيث انخفضت نسبة الناخبين المسيحيين إلى 35,2% من المجموع العام البالغ 158.2 % سنة 1963 أي في الفئتين العمريتين (مواليد 1944ـ 1953 ومواليد 1954ـ 1963) . أضيف إلى تلك العوامل اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، حيث امتدت ذيول الطائفية الى قضاء عكار الذي لم يستطع أبناؤه تفادي الخلافات الطائفية بشكل كامل، فشهدت العديد من القرى والبلدات حوادث متفرقة. وبرغم محدوديتها إلا أنها أدت لحدوث تغييرات ديموغرافية واجتماعية حادة، حتى أن بعض هذه القرى فرغت تقريباً من مواطنيها (بيت ملات، دير جنين). هذا الواقع شكل تدنياً ملحوظاً في الحضور المسيحي لهذا القضاء سرعان ما أخذ طريقه الى تدني نسبة الناخبين التي بلغت (278.%) في الفئة العمرية (33ـ44)، وذلك بفعل عمليات نقل نفوس القيد إلى مكان الإقامة الجديد خارج عكار. هذا ما جعل التوازن ينهار بشكل فاضح وخطير في الفئة العمرية (21ـ 32)، حيث بلغت نسبة الناخبين المسيحيين 184.% من المجموع العام البالغ 31285. %، وذلك نتيجة حالات الولادة في الهجرة التي لم تسجل في دوائر النفوس اللبنانية، وبالتالي لم تحصل على الجنسية اللبنانية. هذا التفاوت الذي أظهرته الدراسة، له أبعاده الخطيرة والعميقة في ظل نظام سياسي قائم على أساس طائفي ومذهبي. مما يطرح تساؤلات عديدة وتصورات مختلفة لما ستكون عليه المرحلـــة المقبلة إذا ما اســتمر الحراك الديموغرافي على هذا النحو .

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة