كتب خضر طالب: هل انقطع حوار الوحدة بين الكنائس، ولماذا؟ هل وصل هذا الحوار الى طريق مسدود أم أنه لامس الخطوط الحمر؟ هل كان الحوار يجري على الطاولة فقط أم ان حوارا من نوع آخر كان يجري في غير مكان؟.. أيا كانت الاسئلة والتساؤلات والتحليلات، فإن الحوار بين الكنائس أصبح في خبر كان الى ان تحين فرصة اخرى في زمن آخر لإطلاقه عبر إطار جديد بعد ان دفن الإطار السابق، وصدر النعي له مطلع الشهر الجاري من حيث أطلقت للمرة الأولى تسمية المسيحية على أتباع المسيح، وكذلك من حيث نشأ أول خلاف في المسيحية بين القديسين بطرس وبولس في مدينة انطاكيا التي كانت تحتفل بعيدهما بالتزامن مع بدء احتفالات الألفية الثالثة التي أطلقها بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الارثوذكس أغناطيوس الرابع هزيم الذي تولى بنفسه نعي الحوار بين الكنائس خلال لقاء مع الصحافيين اللبنانيين الذين رافقوه، الا ان الموقف السياسي للبطريرك هزيم من موضوع السلام في الشرق الأوسط طغى على ما عداه، فسقط النعي سهواً.. هل كان البطريرك هزيم ينتظر سؤالا ليعلن هذا النعي، أم ان الامر جاء طبيعيا ليأتي موقف البطريرك الأرثوذكسي كردة فعل؟ الواضح ان البطريرك هزيم كان حازما في طي ملف الحوار، فشكك بأهدافه وغاياته وأعطى لمفهوم الوحدة معنى آخر، إذ اعتبر »ان البشرية كلها يجب ان تتكلم عن الوحدة وليس المسيحيين وحدهم. ورأى ان العقائد لم تكن في حياتها واحدة، فلا المسلمون كلهم يعتقدون الاعتقاد ذاته ولا الأرثوذكس يعتقدون الاعتقاد ذاته، ولا في حياتهم كانوا كذلك، وأيضاً الكاثوليك، اليوم وغدا وبعده ومتى كان، لأن مسألة وحدة الفكر والعقلية والاقتناع والى آخره، لا وجود لها...«. ولم يتوقف البطريرك هزيم عند هذا المفهوم للوحدة بل تجاوزه الى الدفاع عن فكرة التنوع، وقال: »الله يريدنا ان نكون مختلفين بعضنا عن بعض في الرأي، المطلوب ان يكشف بعضنا بعضاً في هذا العالم، وأنك مخلوق ولك حق الوجود مثلي لأن الخالق هو واحد. أما الوحدة فهي في العمل الإلهي وليست في الفكر المدني... هناك أناس فئات يعتقدون انهم هم الكنيسة ولم يكونوا يوماً ما هم الكنيسة، نريد من هذه الفئات كلها ان تقول انها فئة من فئات... من جسم... أي ان تعترف بالجسم، وأن لا يظن كل واحد ان الله معه وحده والباقين لا أحد معهم...«. ويتابع البطريرك هزيم بشيء من الحدة: »أعتقد ان الصراعات القائمة بين المسيحيين وراءها أشياء اخرى... الكنائس التي وجدت هنا (في الكرسي الانطاكي) وجدت على أساس شرير... تلك التي جاءت لتأخذ أولادنا على أساس انه يجب ألا يكون هناك أرثوذكس... في روسيا واليونان قد لا يكونون أفضل من هؤلاء... في النهاية لا أحد أفضل من أحد...«. ويختم هزيم بلغة الحسم: »فكرة الوحدة يجب ألا تصبح صنماً غير موجود، لأن حق الاختلاف هو عنصر وحدة...«. وبعد، هل تحول حوار الوحدة بين الكنائس الى فكرة صنمية؟ ليست هذه الإشكالية الوحيدة التي طرحها البطريرك هزيم عائقا أمام استمرار الحوار، اذ انه في مفهومه للوحدة يثير إشكالية جدلية وأساسية تشكل قاعدة بُني الحوار على غموضها، وهي ان الحوار بين مَن ومَن؟ هل هو بين المسيحيين أم في المسيحية؟ وبمعنى أوضح، هل هو حوار بين مسيحيين ومسيحيين حول مسائل الاحتكاك اليومي المستمر بهدف التعايش، أم أنه حوار بين المسيحيين حول مسائل عقيدية تشابه من حيث مضامينها الإيمانية الحوار بين المسيحية والإسلام... او بين ديانتين مختلفتين في البعد الايماني؟... في الواقع ان المقاربة التاريخية لواقع الانقسام في المسيحية تحمل اكثر من تفسير، اذ ان الانشقاق الكبير بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية الذي يعود الى العام 1054 لم يكن سوى الترجمة القانونية لمجموعة من الخلافات المتراكمة منذ المجمعين الغربي والشرقي: »نيقيا« و»أنطاكيا« في العام 341 والتي يمكن وضعها في إطار النزاع بين الشرق والغرب، او في إطار الصراع بين القوميات داخل المسيحية، وإن كانت ترجمتها خلافات عقيدية حول قاننون الإيمان. فالكهنة الغربيون قالوا في مجمع »نيقيا«: »ان الابن مساوٍ للآب في الجوهر«، بينما قال الكهنة الشرقيون، او »الآريانيون«، في مجمع »أنطاكيا«: »ان الآب يفوق الابن في الموقع والكرامة والمجد«. ولم تفلح كل الحوارات ومحاولات الإقناع بكل الوسائل خلال السنوات التي تلت في تسوية هذا الاختلاف الذي عاد واحتدم في العام 451 بين الأرثوذكس الشرقيين والكنيسة الجامعة خصوصا بالنسبة لشخص السيد المسيح. الى ان جاء العام 1054 ليتخذ الخلاف شكله القانوني وليحصل الانشقاق رسميا في الكنيسة، وليتعزز هذا الانشقاق في النفوس مع الحملة الصليبية الرابعة على القسطنطينية قلب النصرانية الشرقية بهدف »ليْتَنتها« قسرا، وكان سبقها احتلال انطاكيا عام 1098 وألغيت الرئاسة الروحية الارثوذكسية وهجّر منها البطريرك يوحنا السابع الى القسطنطينية التي هجّر إليها أيضا كهنة القدس الارثوذكسيون بعد احتلالها عام 1099. وعلى مدى القرون المتعاقبة استمر الضغط على الأرثوذكس مع محاولات ضمهم الى الكنيسة الكاثوليكية، وإن تخللتها مراحل اتصال وتفهم وهدوء. وقبيل مطلع القرن الحالي ظهر بعض التقارب، وإن كان تحت عنوان الضم، فعادت الامور الى حدتها في العام 1903 ولتحتدم في العام 1928 وتستمر كذلك الى المجمع الفاتيكاني الثاني في العام 1965 الذي شهد تحولا في العلاقات بين الكنيستين تُرجم في بيان مشترك صادر عن البابا بولس السادس وبطريرك القسطنطينية (المسكوني) أثناغوراس الاول في 7/12/1965، وليتابع الجو الايجابي مع صدور أكثر من بيان مشترك عن البابا وعدد من رؤساء الكنائس الارثوذكسية، وصولا الى تشكيل لجنة مشتركة تضم ثلاثين عضوا عيّنهم البابا وثلاثين عضوا من الكنائس الارثوذكسية ليأخذ الحوار عام 1985 شكلا رسميا، هو أعمق وأكثر جدية من كل الحوارات السابقة، وفي إطار جدول أعمال محدد للحوار المسكوني يهدف الى تمتين الشراكة الأمة بين جميع المؤمنين بالمسيح، وصولا الى التنوع الكنسي تحت سقف الوحدة، عبّر عنه البابا يوحنا بولس الثاني في »الإرشاد الرسولي« الخاص بلبنان حين أشار الى حصول »دراسات عميقة أفسحت في المجال لتبديد الكثير من سوء التفاهم حول معظم الخلافات التقليدية التي نشأت في القرن الخامس والمتعلقة بشخص المسيح«. وكذلك في دعوته »الى اكتشاف التراث الأنطاكي من جديد والتعمق فيه، وهو مشترك بين عدد من الكنائس البطريركية الكاثوليكية والارثوذكسية«... إذن، انطلق الحوار عام 1985 بعناوين محددة هي: 1 التعليم المسيحي المشترك. 2 إلغاء جميع أنواع الدعوات للاهتداءات الدينية. 3 حل المشكلات الناتجة عن الزواجات المختلصة. 4 توحيد عيد الفصح. 5 التوصل الى قانون مشترك لقانون الإيمان وصلاة »الأبانا«. وبالفعل بوشر الحوار بروح ايجابية، وفي ظل توق مشترك إليه بهدف توحيد المساحة الاكبر الممكنة ليسهل البناء عليها والاحتكام إليها. واستمرت جلسات الحوار تتنقل بين مكان وآخر وصولا الى الجلسة الاخيرة التي عقدت عام 1993 في جامعة البلمند في الكورة لبنان، والتي توصل معها الحوار الى مراحل متقدمة، خصوصا ان منهجية الحوار قامت على أساس الاتفاق على النقاط المشتركة قبل الشروع في مناقشة القضايا الشائكة والتي اخترق المتحاورون خطوطها من النقطة المحورية في الخلاف: سلطة البابا... رفعت جلسة البلمند الى اجتماع آخر استمر تأجيله من سنة الى سنة ليسقط الحوار حكماً في دوامة التأجيل فالتجميد، وصولا الى النعي الصادر عن الجانب الأرثوذكسي الذي استبق اجتماعا مقررا للجنة مصغرة هذا العام في الولايات المتحدة الاميركية. لماذا توقف الحوار؟ لا يخفي الجانب الأرثوذكسي تحفظاته على استمرار الحوار بالأسلوب الذي كان قائما، وهو وإن كان يعترف بأنه لا يمكن حل أو إلغاء الثقل التاريخي للمنافسات والانقسامات الكنسية بشحطة قلم، الا انه يعتبر ان مقصد الحوار ليس ان يقنع الواحد الآخر، إذ ليس مطلوبا استيعاب من أحد لأحد او إلغاء فريق لحساب فريق، ولا يمكن على حد تعبير الجانب الارثوذكسي ان يقبل أحد ان يتحول الحوار الى حملة تبشير »من فوق«، او ان يتحول هذا الحوار الى تمهيد للتبشير، او غطاء للحملة »من تحت«... فانطلاق الحوار كان يجب ان يصاحبه وقف لحملات التبشير الكاثوليكية التي تواصلت في أوروبا الشرقية، وفي أماكن الوجود الأرثوذكسي في الشرق والعالم... انتهى الحوار في الوقت الحاضر وعاد الوضع بين الكنيستين ألف سنة ويزيد الى الوراء، لكن السؤال يطرح نفسه بإلحاح: هل من مدلولات لإعلان نعي الحوار من أنطاكي بالذات وعشية الألفية الثالثة تحديدا،وفي عيد القديسين بطرس وبولس؟ قد لا يكون لتاريخ النعي أي مدلول نافر سوى انه قد يكون رسالة عشية اجتماع اللجنة المصغرة في الولايات المتحدة، وبعد أن وصلت الكنيسة الارثوذكسية الى قناعة بعدم جدوى الحوار في ظل استمرار حملات التبشير الكاثوليكية... لكن إعلان نعي الحوار من مدينة أنطاكيا بالذات قد يحمل اكثر من مغزى ومدلول... فالبطريرك أغناطيوس الرابع هزيم هو أول بطريرك أرثوذكسي يزور أنطاكيا منذ مئة عام، اي منذ قرن كامل، اي انه أول بطريرك عربي يزور كرسيّه الانطاكي الذي انتقلت رئاسته الى الأساقفة العرب في 15 نيسان 1899 عندما انتخب مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني من قبل رؤساء الكهنة العرب، بعد ان أجبر البطريرك اسبيريدون على الاستقالة، وليغادر الكهنة اليونانيون الكرسي الانطاكي، فشكل ذلك الانتقال »القومي« في بطريركية انطاكيا تحولا تاريخيا في الكنيسة الارثوذكسية. هل من رابط؟ ربما، لكن الأكيد ان المسيحيين العرب يستطيعون لعب دور الوسيط، الذي لا غنى عنه، بين الشرق والغرب، وخصوصاً بين الإسلام والمسيحية، لكونهم يملكون قدرة مزدوجة على مخاطبة الجميع... لماذا أنطاكيا أيضا؟ ربما لأنها كانت العاصمة التبشيرية للمسيحيين في بدء المسيحية، ولهذا أرادت الكنيسة الأرثوذكسية ان تستعيد التاريخ انطلاقا من مبدأ ان »أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم«، فأرادت الدفاع عن نفسها بحملة تبشير أطلقت شرارتها من أنطاكيا، واستجمعت لذلك كل ما في جعبتها من وسائل بدءا بترجمة الإنجيل الى اللغة التركية، كما الى اللغات الاخرى، مرورا برحلات »الحجيج« المنظمة من قبل الأبرشيات الارثوذكسي الى أنطاكيا ومناطق الوجود التاريخي للمسيحيين في تركيا (قبدوقيا)، والتي انطلقت مع أبرشية طرابلس، بالتزامن مع حضور البطريرك هزيم الى أنطاكيا، ومعه البطريرك المسكوني برثلماوس الاول وبطريرك الارمن الارثوذكس في تركيا ومشاركة لافتة للفاتيكان عبر حضور قاصد رسولي، لإطلاق احتفالات الألفية الثالثة وإحياء عيد القديسين بطرس وبولس... كل ذلك ممكن، لكنه يبقى فريسة التكهنات والتحليلات التي قد تشطح أحيانا في غياب تفسيرات واضحة ورسمية لأسباب نعي الحوار الذي دُفن في أنطاكيا من دون مراسم...