As Safir Logo
المصدر:

الضيعة الطاهرة، و«الآخر» العجيب، والوطن بحر وجبل... برغم التكنولوجيا والفن والأنثى الطموح قراءة في كتب القراءة المدرسية: إيديولوجيا لبنانوية ضيقة وإن اتسعت لومضات

المؤلف: الاطرش رشا التاريخ: 2009-04-07 رقم العدد:11264

تعرف سمر ماذا ستصير عندما تكبر: مهندسة معمارية... وغادة ظلّت تتدرب على كرة السلة حتى اختيرت للمشاركة في فريق المدرسة... لكن بيروت دنيا «غير شكل»، الناس فيها «غرباء»، والتحديق في وجوههم قد يأتي بما لا تحمد عقباه... في حين أن العيد لا يمر عيداً، شرعي البهجة، سوى في الضيعة، الأفلاطونية، المنبع الوحيد للأخلاق والمروءة. أما جماعة «الميكي»، التي هجرت المَدَنية في مدغشقر، لتعيش في الغابة، فبالطبع هي كائنات أسطورية! كيف لا، وأفرادها عراة جائعون، لا دين لهم، ولا ثقافة؟ جولة سريعة على كتب القراءة العربية، الكتب المدرسية الوطنية الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء، تنبئك بالمذكور أعلاه، وأكثر. تفيد بصورة للأنثى وقد بدأت تخرج عن النمط الذي اعتدناه، كتلاميذ، قبل جيلين أو ثلاثة. ها هما «سمر» و«غادة» تحلمان اليوم بمهنة وإنجاز رياضي، ولهما طموح يتجاوز تعلّم الإدارة المنزلية من الوالدة. لكن المدينة والمدينية ما زالتا خارج «لائحة التفضيلات»، على عكس الأرز.. الذي ما زلنا نفتخر بجمعه والبحر، في يوم نزهة لبناني واحد... ليس سراً أن الوظيفة التعليمية لنصوص كتب القراءة لا تقتصر، أو لا يراد لها أن تقتصر، على تلاوة الأحرف الموصولة بعضها ببعض، بصوت عال ولفظ سليم، مع شرح للمفردات. ومقدمات الكتب إياها تزعم أنها توطّئ «لروح التساؤل والنقد والمشاركة»، وتقرّ بأن المعلومات التي يستقيها التلاميذ من الكتب المدرسية ليست سوى جزء يسير مما تهيله عليهم وسائل الإعلام المختلفة. ولعله من البديهي القول إن نصوص القراءة، في الكتاب الوطني، هي أيضاً أفكار ومبادئ وقيم (وهذه كلمات تعنون فصولاً قرائية عدة)، كما أنها تبتغي أن تكون صوراً أولية عن مجتمع اليوم لشباب الغد، بدليل التوجه إلى عصرنتها خلال العقد المنصرم. إنما تبقى لكتب «قراءتنا» الرسمية، المحشورة في الحقائب المدرسية الملونة، مع الرياضيات والعلوم الطبيعية واللغة الإنكليزية أو الفرنسية، مجالات للقول ومنابع للاستغراب. لا بد، إذاً، من قراءة في كتب القراءة. عشر سنوات، على الأقل، مرت على صدور الطبعة الأولى لبعض كتب المناهج الجديدة الخاصة بالسنوات الأولى من حلقات التعليم الأساسي الثلاث. ومنها ما بلغ الآن طبعته السابعة أو الثامنة «المنقّحة». تغيّر الكثير، نعم. العلوم والتكنولوجيا، لوحات لفنانين عالميين، المبادئ الصديقة للبيئة، وبعض التطور في المفاهيم المتعلقة بدور المرأة... تعديلات وإضافات مضيئة وجدت لها منافذ على البنية التحتية للمناهج «الجديدة». لكن النصوص لم تصفَّ تماماً من الكليشيهات التي قد تلامس حدود العنصرية، لا سيما اتجاه «الآخر» (دولة إفريقية، قبيلة من مدغشقر،..). وأكثر من ذلك، ما زال أطفال مدارسنا يهجئون و«يسمّعون» صفحات وصفحات مضمّخة بالطهرانية القروية، التي تكاد تهمش المدينة وما تمثله من وعاء تتجاور (إن لم نقل تتمازج) فيه الطوائف والطبقات الاجتماعية وربما الأعراق. وتُدار فيه تمارين على السياسة بالمعنى اليومي العريض للكلمة (كي لا نجزم بصناعتها والأفكار). كما تنحو فيه العقليات ـ حكماً ـ إلى التركيب بدل التبسيط، والتسوية بدل الصدام، والتغيير بدل الثبات. مطرودة تبدو المدينة من «قراءة» أولادنا، في القرن الحادي والعشرين، على الأقل على صعيد قلة النصوص التي تتناولها، ونوعية تلك النصوص غير المشجعة على الخصائص المدينية المعروفة. يغيب الفرد عن المدينة، كقيمة في ذاته وأسلوب حياة. ويُعتّم على المواطن، كمُحاسِب لأولي الأمر، ومحاسَب بالقانون، لمصلحة «ابن البلد» الذي يحب طقسه، ويخدم علمه. ويضمحل المجتمع المديني الملوّن، المحكوم بإنتاج حد أدنى من التسامح، وإلا ما عاش بناسه. وبدل الخوض في إشكالية الإنماء المتوازن، وحق الأطراف على المركز، أو حتى الإضاءة المتوازية على الريف والمدينة معاً، ذهب اختيار النصوص في منحى إيديولوجي عفا عليه زمن هوامات تأسيس الدولة اللبنانية الأولى. حتى الخيال، الذي قد يقول قائل إنه يرتع تحت أغصان الصنوبر والسنديان، وبين الأحراج وعلى بساط البيدر، يبقى، في «القراءة» الرسمية، خيالاً تحدّه العادات والتقاليد والمعلّبات الفكرية، ولا ينمو إلا في ظل الموروث الجماعي المنزّه. خيال لا يسمح بخيال خارجه، فينفي ذاته بذاته. كيف؟ فلنتابع القراءة... نبدأ من عند الفتيات، وبصيص النور الذي بدأ يلمع في صورتهن. انتهت حفلة عيد ميلاد سمر، ورحل الأصدقاء، وظلت الصغيرة ساهرة حتى وقت متأخر، تُعلي منشآتها الصغيرة بالمكعبات التركيبية التي تلقتها هدية. ولما ذكرتها أمها بموعد النوم، أعلنت أنها سعيدة بالهدية وأنها، عندما تكبر، ستصبح مهندسة معمارية. أما غادة فقد جعلها المرض تتغيب عن المدرسة أياماً طويلة، ففاتتها حصص التمرين على كرة السلة، حتى خشيت ألا يتم اختيارها في فريق المدرسة، وكان هذا أقصى ما تتمناه. وحزنت. لكن والديها أهدياها كرة جديدة، ومعها رسالة «من جدّ وَجَد. من: الماما والبابا». فراحت تتمرن وحدها، ليل نهار. تتعب، ثم تتذكر: «من جدّ وَجَد «، فتتابع التمرين. إلى أن نجحت في الاختبار، وانضمت إلى فريق المدرسة، ثم فريق المدينة، ولاحقاً منتخب لبنان. وكلما سألها أحد كيف تمكنتِ من تحقيق هدفك يا غادة؟ قالت: «هذا سري». غادة وسمر بطلتا كتاب القراءة للسنة الأولى من التعليم الأساسي. نموذجان رائعان. لكن الصبي، في درس «من خلف النافذة»، الذي يراقب الشارع تحت البيت، يرصد «الخباز نبيل» عائداً إلى بيته، والممرضة منى تنزل من سيارة الإسعاف. ثم نقفز إلى كتاب السنة السادسة، وتحديداً باب «مهن وحرف» المفتتح بعبارة جبران خليل جبران «أحب من الناس العامل». الرسم، فاتحة المحور، يظهر فلاحاً، وبنّاء، وحداداً، واسكافياً، وطبيباً... ومرة ثانية: معلمة وممرضة ومضيفة طيران. هنا تتبلور الصورة أكثر: المرأة الراعية. كما الأم، هي العاملة بوصفها ملاك الرحمة والراحة. والحال أنه لا ضير في المبدأ، سوى تجاهله سائر الخيارات. قرية المروءة ومدينة الغرباء ما زالت القرية خيار الوعي اللبنانوي الأول، تربوياً. معظم نصوص الكتب الستة للمرحلة الابتدائية ترتبط بالضيعة، لذا يبدو من الطبيعي أن يخصص لها الجزء الأكبر، في ما يلي. ففي «قراءات» السنة الأساسية الثانية، نص شبه يتيم عن زيارة عائلية إلى «الأكواريوم» (في المدينة على الأرجح). تحدوه، من قبل ومن بعد، عشرات النصوص عن الضيعة: عن «ساري»، الذي يصل القرية مع الغروب، فيجالس جدّه لمراقبة القمر والنجوم. و«لين» الآتية من بيروت لقضاء عطلة الصيف في الضيعة مع أهلها، فتتعرف على «ظلّها» (الأمر الذي يتيحه اللعب في الخارج، تحت أشعة الشمس، وقد لا تتيحه شقق البنايات المدينية). والأطفال الذين يلعبون «الغميضة» في الضيعة، فيزيد الضباب مخابئهم تمويهاً، واللعبة متعة... كل هذا جميل... لكن ما بال «المدينة والحلم»؟ بطلة هذا النص (كتاب السنة الرابعة) فتاة تزور بيروت، مع أمها، للمرة الأولى، ونقرأ: «أمسكت بيد أمها، ومشت بجوارها وكأنها تمشي في حلم. ها هي أخيراً في بيروت، مدينة الدهشة والغرابة... الواجهات الملونة، الشوارع التي يزدحم فيها الناس والسيارات، وتحف بها الأبنية العالية». ويتابع النص: «أوصتها أمها وهما تغادران «البوسطة» التي نقلتهما من الضيعة: «انتبهي يا ابنتي! الناس في بيروت غرباء، لا تحدقي طويلاً إلى وجوههم، الدنيا هنا غير شكل. لكن الصغيرة تريد أن تتعرف على هذه الدنيا، أن تكتشفها. منذ سنوات وهي تتوق إلى تلك المعرفة، منذ أن زارت قريتها المعلمة (جنان) الصبية الأنيقة ابنة بيروت». وبسبب قلة النصوص عن المدينة عموماً، وفائض «القرويات»، يبدو هذا الدرس رسالة «شاملة»: بيروت (المدينة/العاصمة) هي «الغرابة» و«الغرباء» الذين قد يتميزون بالأناقة. العدائية المبطنة. البهرجة والزحام. ولعيون القراء الصغار أن تصعق، حتى ولو رأت المسلّمات. ولو كانوا هم أنفسهم أبناء مدن وقاطنيها (شأن نسبة كبرى من الشعب اللبناني)، ويقرأون الدرس هذا داخل مدرسة تقع في حي مزدحم بالناس والسيارات. ولو كانوا أبناء الضيعة التي ما عاد يفصلها عن «الحَضَر» سفر يوم أو نصف يوم. بل لو صادفتهم نيويورك ولندن والقاهرة كل يوم على شاشة التلفزيون. واسمعوا يا أولاد: هذا درس آخر بعنوان «الضيافة اللبنانية»، التي يبدو أنها تنحصر في القرية. أبطاله شبان وفتيات يستقبلون الضيف، ويعملون بفرح، كأنهم في عرس أخ لهم ولهن، «هي المروءة يتغذى القروي والقروية صغيرين بلبنها». ولا ذكر لما «يتغذى» به أبناء وبنات المدن، أو حتى اللبنانيين عموماً. وبعد: «عرس في القرية»، حيث «كل شيء يشعرك بحب الانتماء والفخر وعزة النفس»، و.. «هكذا كانت عاداتنا وتقاليدنا، وعلى تلك الألفة بنينا أمجادنا». فأين هو الحاضر، بثوراته الاجتماعية والثقافية، في القرية وفي المدينة؟ حيث تغيرت التقاليد، وبات يُسمح بالاختلاط، ولا «يمشي الوجهاء في مقدمة موكب العرس، يتبعهم الشباب، ثم النساء والصبايا»؟! لا أحد يعرف. أما نص «العم نجيب» (للسنة الخامسة) فعن الرجل الذي «له شاربان يقهران الزمن، وسمرة رسمتها على جبهته شمس الجرد.. ذكرني بجدودي الذين أحبوا الأرض والضيعة وعمروا بيوتها حجراً حجراً». لبنان، يا أولاد، يختزل بريفه، المختزل بدوره بمثالية من «عالم ثان» كما تؤكد قصة «قريتي». ثم إن العيد في المدينة «يمر سريعاً كغيمة صيف، يعرج على هذه الشقة أو تلك لدقائق معدودات، وسط طقوس باردة جامدة. أما عندنا في الضيعة فيستطيب الإقامة، وله فيها مهرجان جوال». إنه العيد الذي يبقى موسوماً بالعناقيد والمواعيد والحب الجديد (على رأي زياد الرحباني). هذه قافيته الممكنة الوحيدة. لا يظهر شكل حميد آخر لاحتفالاته. أما في المدينة، فالمنظور من بين الناس يعنون درس «ماسح الزجاج»، الذي «يطالعك وجهه يومياً في الشوارع.. ينتصب أمام زجاج سيارتك.. وأنت وراء المقود، كأنه ضريبة دخل، لا تقوى على الفرار منه وأنت العالق في أزمة السير التقليدية.. ابتسامته الساحرة لا تفارق شفتيه، يتقبل الإهانات بهزة كتفين عفوية». كأنها فقط مدينة قهر، زحامها ووجوهها الكالحة في مواجهة تلك الموتورة خلف زجاج السيارات. ربما. لكن أليس في المدينة أيضاً «دكانجي» ودود، ومقهى ومسرح وجامعة، وشركات وساحات ومهرجانات، واستديوهات ومكتبات، وبعض «الأخيار»؟ وبعد... في «محور الوطن»، وفي نص «العودة إلى الجذور»، نتعرف إلى «عصام» الذي يئس من البلد وسافر إلى الكونغو، حيث «استخدمه تاجر لبناني الأصل واختبر أمانته فوثق به، وأصبح (عصام) يلعب بالألوف». لكن الشاب عجز عن كبت حنينه للشمس التي «لا تحرق الأجساد بل تدفئها، وللرياح المضمخة بعبير الزنبق بدل الرطوبة»، فعاد إلى لبنان «يُطَعّم البطم فستقاً وينظم أبيات العتابا». لا قلق ولا تفكير هنا، اللهم إلا في بيت العتابا.. طبعاً بعد جمع الألوف في البلاد البعيدة! أضف إلى ما سبق، تحقير الاختلاف، ولو في الطبيعة والبيئة والمناخ (إن لم يؤت على ذكر شعب). إذ لا يشفع للبلد الأفريقي أنه وفّر لـ«عصام» فرصة عمل، بعد يأسه من ركود العجلة الاقتصادية في بلاده، فصارت شمسه ورطوبته عنوانه الاختزالي. الرماديون اليابسون كالمسامير! وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن النظرة المستهجنة إلى «الآخر» تبلغ ذروتها في محور «غرائب وأساطير»، حيث تُدرّب العين، ولو عن غير قصد، على «الإكزوتيك». فلا ترى سوى «الذات» محوراً ومعياراً للمقبول، وكل ما عداها من العجائب الغرائب التي تتجاوز إنسانية الإنسان ومعها الوعد بالتربية على التعدد والتنوع والقبول، والانفتاح الفكري والإتني والثقافي... كأنما على طريقة «الرجل الأبيض» و«عبئه» الذي لا يني يعتذر عنه منذ اكتشاف «العالم الجديد». يكفي تشويقاً. هذا نص «الكائنات الأسطورية» ويحكي عن «جماعة الميكي الذين كانوا سكان مدغشقر، واختاروا الانسحاب من الحياة المدنية والعودة إلى أعماق الغابة». يشرح الدرس أن «الميكي» أناس «صغار القامة ذوو لون رمادي، يابسون كالمسامير، ونحيلون مثل العيدان... وتتميز هذه الكائنات الغريبة بأنها غير مرئية من الجميع، إلا أن بعض الشهادات تؤكد ظهورهم في الليل فقط، واختفاءهم وسط الغابة. وهم يعيشون عراة، رحّلاً، وكأن الزمن بالنسبة إليهم قد توقف في العصور الحجرية... يتكون غذاؤهم أساساً من نوع من الجذور، ومن القنافذ والعسل. وهم يعرفون جيداً كل النباتات والأعشاب ومفعولها، لذا ينظر إليهم كسَحَرة يجب توقّيهم... وهكذا يعيش الميكي جائعين، يحفرون الأرض، ويشعلون النار، لا دين لهم، ولا إنتاج ولا ثقافة ولا اكتراث لباقي العالم، إنها حضارة الرفض»! فإن كان «الميكي» لا يدينون بأحد أدياننا السماوية، فلا دين لهم يحتسب. والمغاير حتماً «رافض»، تليق به صفات المسامير والعيدان. وإذا كان «الميكي» لا ينظمون الشعر مثلنا، ولا يطبعون الكتب على مثل ورقنا، فهم بلا ريب يفتقرون إلى «الثقافة». فأي جزء من الثقافة فات الكاتب يا ترى؟ أن المأكل والمشرب والملبس، واللغة، ونظم الحياة اليومية، والعقود الاجتماعية المتفق عليها، والتاريخ الشفهي أو المكتوب، هي كلها مظاهر وبيانات على ثقافة شعب أو جماعة أو شخص؟ وماذا لو زار أحدنا، نحن اللبنانيين، غابة «الميكي»، فبدا لهم بدوره «كائناً غريباً»، يفترس اللحم النيء ويسميه «الكبّة»، ولا تتسع «ثقافته» سوى للمقررات المدرسية؟! استراحة وهنا استراحة مع بعض الإيجابيات. يضفي حضور العلوم والتكنولوجيا لمسة عصرية على كتب القراءة. ففي كتاب السنة الرابعة مثلاً نص يحاكي رحلة إلى كوكب المريخ، وآخر عن الرجل الآلي، وهناك أيضاً درس الخدع السينمائية، وذاك الذي يخبر عن زيارة إلى محطة بث فضائي في محلّة «جورة البلوط». وفي السنة السادسة نصوص عن الإنترنت والطب الاتصالي.. ولو تراءى للقارئ، في السياق هذا، تناقضاً جذرياً مع «باب المهن والحرف» الذي يكتفي بإطلاع النشء العتيد على المهن التقليدية، كالفلاح والبنّاء والاسكافي. ولعل المطلوب هنا ليس تهميش المهن تلك، بل عدم استبعاد العلوم والتكنولوجيا من المشاريع المستقبلية للتلاميذ. إذ تغيّب مثلاً برمجة الكومبيوتر كمهنة، والتصميم التخطيطي (غرافيك ديزاين)، والصحافة، وإدارة الأعمال، والفنون الإعلانية والتسويقة، الخ. وهكذا، يوضع العلم في «جُرن» الخيال والتنظير والدهشة. عودة إلى الإيجابيات: التوعية البيئية («الإنسان يسمم نفسه»، و«الأزرق الكبير» و«المحمية الطبيعية» وغيرها من النصوص). الاهتمام بالتعريف بثلّة من المشاهير من لبنان والعالم (السنة الخامسة)، مثل رمّال رمّال (الفيزيائي اللبناني) ووليد عقل (عازف البيانو المعروف)، ومعهما الخنساء، وهيلين كيلر. بالإضافة إلى مايكل أنجلو (السنة السادسة)، وهناك نصّان عن رسامة وعازفة كمان، تتحديان إعاقتهما الجسدية. كما يحضر الفن كوسيلة للنهوض بالذائقة البصرية، فتتصدر المحاور المختلفة لكتابي السنتين الخامسة والسادسة لوحات للفنانين بول كلي، وهنري ماتيس، وخوان ميرو. وتبرز، كذلك، دروس من التراث العربي والعالمي، على طريقة جحا، وسندباد، والنصوص المترجمة عن الحياة في الإسكيمو وكينيا وهولندا. الوطن، طيب... والمواطنية؟ ... ويحط التجوال عند محور «الوطن». النص المأخوذ عن «مجلة الجيش» (السنة الرابعة) يشرح للتلامذة خدمة العلم والانصهار الوطني. ونص ثان عن عصفور جريح أصيب في «معركة» مع طيور غريبة، ذوداً عن أعشاش سربه. إنه الوطن المدرسي الأثير. نفديه، ولا نرى أنفسنا فيه. فأين المواطنية؟ في الكشّافة وحملات النظافة البيئية وكفى؟ في استذكار الحرب الأهلية كشرّ أتانا من الخارج، وواجهه اللبنانيون بوقفة رجل واحد (الكذبة التي نقترفها ثم نصدقها)؟! أين القانون، والعــلاقة مع الدولة، ولو بنــــص مبسّط يناسب الفئة العمرية المستهدفة؟ والمجتمع المدني، والحركة المطلبية؟ وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، والمساواة بين المواطنين؟... يخاطب كاتب «صخرة السلام» وطنه، واعداً بالعودة من الغربة: «سأهرب من المحيط البارد كقلوب أهل هذه البلاد إلى بحرك الأزرق الدافئ... (حيث نتزلج) على سفوح جبالك لنعود في أقل من ساعة ونجلس على شاطئ بحرك... ولا تزال أسماء المهزومين منقـــوشة على صخور نهر الكلب..». مرة ثانية، استعلاء على بلاد الاغتراب التي تفتح ذراعيها للمهاجر اللبناني. والإضافة قديمة ـ جديدة: بحر وجبل وعدو مهزوم أبداً. هذا هو الوطن. اقرأوا إذاً يا أولاد، باسم الوطن الذي لا يُعترف بفضائل سواه. باسم القرية التي لا امتداد عصرياً لها. باسم الفتاة الحالمة، والتكنولوجيا والبيئة، كإضافات لا تندمج في «روح» كتبكم. وباسم «رماديين»، بالمسامير والعيدان أشبه. ولكم أن تكبروا، بعد حين، فتفهموا، أو لا تفهموا...

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة