As Safir Logo
المصدر:

الكريستال مسرح الأرستقراطية استقبل سيد درويش والريحاني ويوسف وهبي وكان ملتقى عائلات بيروت السبع تحول إلى سينما درجة ثالثة قبل أن تغدر به الحرب ويزول دون أن يترك أثراً

محيي الدين الناطور (الى اليمين) يقطع تذاكر في سينما كريستال
صابر ابو لبن في مشهد مسرحي لفرقة امين عطالله
المؤلف: ابو شقرا كلود التاريخ: 1999-07-30 رقم العدد:8360

المسرح الأول الذي عرفه لبنان. هكذا يمكن تحديد مسرح الكريستال في بيروت الذي شهدته الحياة الفنية في أوائل هذا ا لقرن. وقد استطاع، نظرا لفخامته، أن يلفت أنظار الفرق الأجنبية، فكانت تتدافع لتقديم عروضها عليه وتتباهى، ذلك ان الكريستال كان مطابقا لاسمه، فقد بلغ في الأناقة لدرجة أنه ضاهى المسارح المصرية، وكانت خشبته واسعة، وديكوراته تتغير مع كل مسرحية. تلألأت أنوار »الكريستال« مع بداية هذا القرن واستمرت حتى سنة 1975 عندما تهدم كليا. وإذا كان هذا المسرح العريق الذي شهد عروض أكبر الفرق المصرية من أمثال يوسف وهبي وبديعة مصابني، زال عن أرض بيروت إلا أنه يبقى في قلب البيروتيين، وفي قلب الذين عاصروه، أحلى ذكرى عن أيام حلوة، لن تعود أبدا، كان فيها »الكريستال« محور الحياة الفنية في لبنان وفي العالم العربي، وملتقى الطبقة الراقية من عائلات بيروت. أيام »الكريستال« وقبل تشييد التياترو الكبير، لم يكن للبيروتيين من سلوى وترفيه إلا »الكريستال«. لذلك، استقطب على مدى السنوات العشرين الأولى من هذا القرن، معظم هذه العائلات، وتحول الى ما يشبه النادي يرتاده طالبو الراحة والترفيه. لم يبق من »الكريستال« اليوم إلا الاسم الذي يتردد على لسان من عرفوه وأحبوه وحفظوه في قلوبهم وعقولهم خشية زواله كلياً حتى من القلوب. وإذا كانت قلة من الذين عايشوه ما زالت على قيد الحياة، فإنها ولا بد الحامية الوحيدة لذكرى هذا المسرح الكبير والحافظة لأمجاده ولتاريخه الذي لا يقل عراقة عن التراث اللبناني. مسرح الأرستقراطية مسرح »الكريستال« ما زال حاضرا بقوة في ذاكرة الأستاذ الياس المر الذي كان يملك محل متي المر للأسطوانات في شارع ويغان تجاه بلدية بيروت، ووكيل شركات الأسطوانات والموزع الوحيد لها في لبنان وفي البلاد العربية يقول: »ما أذكر عن مسرح »الكريستال«، أنه كان فخما للغاية، يقع في سوق الصياغين، ويحتل بناءً مستقلاً، ويشكل أول مسرح عرفه لبنان. وبما أن وسائل التسلية في بداية هذا القرن كانت شبه معدومة، لذلك كانت معظم عائلات بيروت الأرستقراطية تقصد مسرح »الكريستال«، خصوصا انه كان يستقبل الفرق المسرحية من مصر من أمثال فرقة عكاشة، فرقة علي الكشار الملقب المعلم بحبح، فرقة أمين عطا الله اللبنانية، فرقة نجيب الريحاني، فرقة يوسف وهبي، فرقة فوزي الجزائري، فرقة بديعة مصابني، فرقة فوزي منيب، والكوميدي حسن فائق، والمطربين: الشيخ أمين حسنين، لور دكاش، إيليا بيضا... يتابع المر قائلا: مما أذكر عن مسرح »الكريستال« أيضا، انه كان مفخرة بيروت، ومركز لقاء عائلات بيروت السبع: السراسقة، طراد، تويني، بسترس، سيوفي، بيهم، عيتاني... وكان الناس العاديون، في العشرينيات من هذا القرن، عندما بلغ »الكريستال« أوجه، يقفون على جانب الطريق على مدخل المسرح يتفرجون على أناقة سيدات المجتمع الأرستقراطي اللواتي كن يعتبرن المسرح أرقى مكان يرتدنه، محظور ارتياده من قبل الجمهور العادي، نظرا لارتفاع أسعار بطاقات الدخول. كذلك كان يحتشد الناس على مدخله ليروا، ولو من بعيد، الفنانة بديعة مصابني وهي داخلة الى المسرح أو الفنان يوسف وهبي، أو الفنان نجيب الريحاني أو غيرهم... فهؤلاء كلهم، طبقت شهرتهم الآفاق، وكان الناس يكتفون بالتفرج عليهم على باب المسرح، بعدما كانوا يتأملون الاعلانات الضخمة وهي تتلألأ بالأنوار على مدخل »الكريستال«. يضيف الأستاذ الياس المر: »تكمن أهمية مسرح »الكريستال« في أنه كان يقدم كل جديد على الساحة الفنية المصرية خصوصا. فكانت كل فرقة تنجح في مصر، تقدم عروضها في بيروت وتحديدا على مسرح »الكريستال«. تارة كنا نشاهد الاستعراضات وأخرى المسرحيات الكوميدية، وأخرى الدرامية، وأخرى الحفلات الغنائية. وكان لكل من هذه الحفلات ديكوراتها الخاصة وأضواؤها المناسبة. فمسرح »الكريستال« كان حقاً، يضاهي مسارح مصر فخامة وتقنية في هندسة المسارح، استحق اسمه عن جدارة لأنه كان لؤلؤة في قلب بيروت. مع بروز دور السينما في بيروت وخصوصا الأمبير، التياترو الكبير، رويال، بدأ مسرح »الكريستال« يتراجع، فتحول الى سينما شعبية تعرض أفلاماً من الدرجة الثالثة من نوع الحركة والوسترن، مرفقة بمسلسلات من نوع الوسترن أيضا لجلب الجمهور. وإذا كان المسرح استقطب الطبقة الراقية، فإن السينما استقطبت الطبقة الفقيرة. واستمرت السينما على هذه الوتيرة، تتراجع كلما برزت سينما جديدة في بيروت، حتى اندلاع الحرب في بيروت سنة 1975، فتهدم المسرح كلياً ولم يعد له أثر، على غرار معالم بيروت الأخرى«. جورج أبيض ويوسف وهبي في كتابهما »بيروتنا« يروي المحامي عبد اللطيف فاخوري والعميد مختار عيتاني ان مسرح »الكريستال« كان يحتوي على أضخم المقصورات إضافة الى غرف الممثلين، بمقاييس تجعله في مصاف دور الأوبرا، واستطاع بذلك تقديم أقوى المسرحيات. أما أبرز الفرق التي قدمت عروضا على مسرح »الكريستال« فكانت جوقة سليم وأمين عطا الله التي عرفت باسم جوقة كشكش بك التي مثلت على مسرح »الكريستال« سنة 1921 رواية »شد حيلك« من تأليف كميل شامبير ورواية »رن« وهي أوبريت من تأليف شامبير وتلحينه، كما مثلت مسرحية »يا أحلاهم«، و»يا ما انت واحشني«. سنة 1923 مثلت جوقة كشكش بك على مسرح »الكريستال« مسرحيات: »الحب والمدفع«، »ريكاردوس قلب الأسد«، و»عائدة مع داداماس«. وفي سنة 1925 مثلت رواية »البهلوان« التي تميزت بألحانها ومناظرها وملابسها، و»صانع القباقيب« و»وحش البحر«. سنة 1927 مثلت رواية »النسافة التركية« التي لقيت إقبالا كبيرا ومسرحية »البرلمان«. سنة 1932 مثلت مسرحية »زوج أمي«. ويتابع فاخوري وعيتاني في كتابهما: »عرفت بيروت فرقة ثانية للتمثيل هي فرقة عكاشة إخوان أو زكي عكاشة وشركاه، التي قدمت مسرحيات عدة على مسرح »الكريستال« منها: فاتنة بغداد، علي بابا، ناهد شاه، شمشون ودليلة المحتالة، وهي من نوع الأوبرا. كذلك عرف البيروتيون في مسرح »الكريستال« فرقة علي الكسار، فمثلت رواية »بنت فرعون« التي اشترك فيها الشيخ حامد مراسي وعقيلة راتب. وشهد مسرح »الكريستال« أيضا لوحات من المسرحيات الغنائية الكوميدية التي أطلقتها بديعة مصابني واشتهرت بها، وعرفت »بالأوبرا كوميك«. ثم هجرت هذا النوع من التمثيل واختصت بمشاهد راقصة وأغنيات خفيفة (طقاطيق). كذلك قدمت فرقة جورج أبيض على مسرح »الكريستال« مسرحياتها الشهيرة مثل: لويس الحادي عشر من تأليف الياس فياض، الحاكم بأمر الله، المرسيلية الحسناء مع نابوليون، مضحك الملك، البطل عطيل، ثارات العرب، في سبيل الوطن، هارون الرشيد، أوديب الملك، عيشة المقامر، مصر الجديدة، الكابورال سيمون، الشرف الياباني، ومدام سان جين مع نابوليون، وقد بدا جورج أبيض في هذه المسرحية الأخيرة وكأنه نابوليون نفسه في بلاطه وبين قواده، شكلاً، وزياً ووجهاً. ومثلت الفرقة أيضا رواية صلاح الدين الأيوبي، وعاصفة في بيت (تأليف أنطوان يزبك). من جهته، مثل يوسف وهبي على مسرح »الكريستال« أهم مسرحياته: الذبائح، أولاد الفقراء، كرسي الاعتراف، بيومي أفندي، المجنون، أولاد السفاح، البرج الهائل، غادة الكاميليا، القبلة القاتلة، الكابورال سيمون. وقد منعته سلطات الانتداب من تمثيل مسرحية الاستعباد. سيد درويش في بيروت ابن الفنان صابر أبو لبن، يستعيد السيد محمد أبو لبن ذكريات تعود الى سنوات طويلة أيام كان يرافق والده الى مسرح »الكريستال« ويتفرج عليه في الكواليس أثناء مشاركته في تقديم المسرحيات مع أمين عطا الله »كشكش بك«. »تأسس مسرح »الكريستال« في أوائل القرن. أذكر انه كان قاعة كبيرة تحيط بها اللوجات والبينوار (Baignoire)، والكواليس التي كانت تضم أكثر من خمسين غرفة. وكان المسرح عبارة عن بناء مستقل في سوق النورية وهو يمتد من ساحة البرج ويطل على الأسواق التجارية، ويضم حوالى أربعمئة كرسي، أما خشبة المسرح فكانت ضخمة، تضفي عليها الاضاءة من السقف جمالا ورونقا. ولما كان المسرح الأداة الترفيهية الوحيدة في بيروت في أوائل هذا القرن، فكان يستقطب العائلات الأرستقراطية، وكان يخصص الجمعة من كل أسبوع الثالثة بعد الظهر للسيدات فقط. واللافت ان الحفلات كانت كلها مكتظة بالجمهور، وكانت الاعلانات عبارة عن صور ضخمة للفرق تحيطها الأنوار من كل جانب تتصدر مدخل المسرح. أما الديكور في المسرح فكان يتولاه إبراهيم العريس الذي طوّره في شكل كان يلائم أجواء كل مسرحية أو استعراض. أما الصوت فكان يصل بوضوح الى آخر زاوية في المسرح من دون ميكروفونات. من أبرز المسرحيات التي مثلها والدي على مسرح »الكريستال« والتي أذكرها تماماً »العشرة الطيبة« مع فرقة أمين عطا الله. وكانت تحتوي على أغان من تلحين ميشال خياط. اما موضوعها فكان انتقاديا للمجتمع وللوضع العام الاقتصادي في البلد. وكانت المسرحية تنتهي دائما بهذه العبارة: سبحان المغير من حال لحال/ لكل أيام دولة ورجال. مما أذكر أيضا أن الشيخ سيد درويش غنى على مسرح »الكريستال« أغنيته الشهيرة التي يقول فيها: ... والديك بيضحك كوكو كوكو بالفجريات/ يللا بنا على باب الله يا صنايعيَّ/ يجعل صباحك صباح الخير يا اسطا عطية/... إلى أن يصل الى عبارة والجيب مافيش ولا مليم، وهي صورة عن الأوضاع الاقتصادية التي كانت سائدة أيام الانتداب في بداية هذا العصر. كذلك أذكر فرقة جورج أبيض وكانت من أبرز أركانها الفنانة أمينة رزق، التي عرضت مسرحيات تراجيدية. في أواخر الثلاثينيات ومع دخول ظاهرة السينما الى لبنان، تراجع المسرح أمام ضغط هذه الظاهرة الجديدة وقيام صالات سينما فخمة على ساحة البرج، فتحول مسرح »الكريستال« الى سينما تعرض أفلاماً من الدرجة الثالثة لها طابع الكاوبوي (أفلام جون واين، وغاري كوبر، وإيرول فلين، ورود كاميرون...) والطابع البوليسي. كان قبل عرض الفيلم، يقدم مسلسلاً على مدى نصف ساعة، تتكرر الحلقة فيه أسبوعا كاملا، أما سعر الدخول فكان ربع ليرة للدرجة العادية ونصف ليرة للبالكون. وبقيت السينما تقدم العروض حتى اندلاع الأحداث سنة 1975. أذكر في هذا المجال، انه عندما كانت تزدحم الصالة بالجمهور، كان القيّمون يضعون الكراسي على خشبة المسرح وبموازاة الشاشة حتى يتمكن الجميع من مشاهدة الفيلم. وكثيرا ما كانت الأراكيل وزجاجات العصير تدور بين الكراسي لترافق المشاهدين في استمتاعهم بمشاهدة الحركة والكاوبوي التي تخصصت بها سينما الكريستال. بعد أفول نجم المسرح، أسس والدي فرقة »كوكو بك«، وراحت تقدم العروض في المصايف اللبنانية، وكان من أبرز أعضائها حسن المليجي، زين الصيداني، وفوزي كيالي... لم نجد لها أثراً السيد محيي الدين الناطور، عايش ورافق مسرح »الكريستال« مدة أربعين عاما. فقد عمل فيه وأحبه ورعاه واهتم بكل زاوية فيه، وتحول مع الوقت الى جزء منه. أمضى فيه أوقاتا أكثر مما أمضى في منزله ومع عائلته. ومع زوال مسرح »الكريستال«، أحس الناطور بأن جزءا عزيزا منه غاب. وهو ما يزال الى اليوم حاملا المسرح في قلبه وفي وجدانه يخبر عن أمجاده الى أحفاده. يقول: »تأسس مسرح »الكريستال« حوالى العام 1900 في مكان يطل على سوق النورية وسوق الصاغة وساحة الشهداء. كان من أملاك غبريال طراد. استلمه سليم الآغا كريدية. ولما توفي استلمه ولداه المرحومان ابراهيم وعبد القادر. مما أذكر عن المسرح انه استقبل فرقة علي الكسار، وكشكش بك، وإسماعيل ياسين وثريا حلمي، ويوسف بك وهبي وفرقته. كانت صالة المسرح فخمة جدا. سقفها معمول من الجفصين، أنجز الديكور فيه علي العريس. وتحتوي على مئتين وأربعين كرسياً في الوسط وحواليها أحد عشر لوجاً (Loge) كل واحدة تحتوي على أربعة كراسي. كانت الكراسي في الأماكن العادية من الخيزران العادي. أما في اللوج فكانت الكراسي من الخيزران ومن القماش البني، وكان سطحها من القرميد الأحمر. لم يكن المسرح يقفل أبوابه إلا يوم الاثنين، وهو يوم راحة. أما باقي الأسبوع، فكان يقدم كل يوم حفلة والسبت والأحد حفلتين. أما أسعار الدخول الى المسرح فكانت ليرة للصالة وليرة ونصف للوج. أما أبرز الشخصيات التي كانت ترتاده فكانت: درويش بيضون، الباشا شاتيلا، رياض الصلح، صائب سلام... كذلك كان يرتاده قبضايات بيروت: أبو عفيف كريدية، رشاد قليلات وغيرهم. الفرق التي ترتاد المسرح، كانت تعمل مدة لا تقل عن شهر. وكان القيّمون على المسرح يستأجرون العمال ويحمّلونهم اللوحات الاعلانية ويدورون بها في الشوارع الرئيسية من المنارة الى الروشة الى باب إدريس الى البرج الى الشيخ بشارة الخوري... وقد أثبتت هذه الطريقة فاعليتها، خصوصا ان الحفلات كانت دائما مكتظة بالجمهور. وكان المسرح مزدهرا، أبوابه مفتوحة تنبض فيه الحياة والحركة الى درجة اتسعت شهرته ووصلت الى الدول العربية. وأكبر دليل على ذلك تراكض الفرق العربية الى تقديم أعمالها على خشبة المسرح. يتابع محيي الدين الناطور حديثه بكثير من الحنين والشوق الى الأيام الجميلة الغابرة المنطبعة في قلبه أجمل ذكرى: »بلغ طول المسرح ثمانية امتار وعرضه اثنين وعشرين مترا. وكان السقف عاليا، مزداناً بالثريات الضخمة والمراوح. أما الستارة على المسرح فكانت من القماش الذي يشبه المخمل، لونها أخضر. أما مدخل المسرح فكان يحتوي على شباك التذاكر، وعلى بار يقدم المرطبات، وكان مزداناً بالأنوار التي لم تكن تنطفئ ليل نهار. في أواخر الثلاثينيات بدأ المسرح يقدم الى جانب الروايات والمسرحيات والاستعراضات الأفلام السينمائية. في تلك الفترة وتحديدا سنة 1937 بدأت العمل فيه. أول الأفلام التي قدمها كانت صامتة. أما أول فيلم عربي قدمه فكان »رابحة« لسراج منير وكوكا. أولى الآلات السينمائية التي استعملناها كانت من عند جورج معماري ماركتها فكتوريا. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، بقيت السينما تعمل في شكل طبيعي، إن كان المسرح أو عرض الأفلام. وفي الليل كانت تطفئ أنوارها في الخارج وتعمل في الداخل. وكان الدخول آنذاك قرشين ونصف قرش. وكان المتفرج يتمتع بالأركيلة إذا أراد وهو يشاهد الفيلم خصوصا في اللوج، أو بأكل الموز وغزل البنات إضافة الى المرطبات، إذ كان الباعة يدورون بها بين الجمهور. في الخمسينيات بدأ عرض المسلسلات الأسبوعية قبل عرض الفيلم، في كل أسبوع »قطشة« والتتمة في الأسبوع المقبل. ولما انتشرت ظاهرة الأفلام الملونة، اتفقنا مع شركة فوكس التي كانت تعرض أفلامها بالسكوب في سينما روكسي، وصرنا نعرض الأفلام بعد الروكسي يعني العرض الثاني. أما أول فيلم بالألوان عرضناه فكان للممثل Teren Porwer. في الأربعينيات والخمسينيات كنا نعرض قبل الفيلم نشرة أخبار، تزوّدنا بها سلطات الانتداب وكانت مصورة، وفي ما بعد صرنا نعرض نشرة الأخبار من الاذاعة اللبنانية. استقبلت السينما في الخمسينيات الفنان المصري يحيى شاهين الذي حضر عرض أحد أفلامه، كذلك الفنان المصري إسماعيل ياسين، وعلى اثر حضورهما اكتظت السينما بالجمهور، ولقي فيلماهما نجاحا باهرا. في مطلع الستينيات أصبح ثمن تذكرة الدخول الى الصالة 25 قرشا والبلكون 35. وفي السبعينيات أعيد ترتيب السينما وترميمها وأصبحت الأسعار خمسين قرشا و75 قرشا للبلكون. كذلك في الستينيات بدأ العرض المتواصل أي ثلاثة أفلام ابتداءً من الثامنة والنصف صباحا حتى منتصف الليل تتراوح بين العربي والأجنبي، أما الأفلام الأجنبية فكانت أفلام »أكشن« أي المغامرات ورعاة البقر والحرب، وذلك بناءً لرغبة الزبائن، إذ لا مجال لعرض الأفلام الرومانسية. وجاءت الحرب سنة 1975، فرحنا نعمل بشكل متقطع حتى اشتدت الأزمة وهربنا من البلد. وكنا نتردد من وقت لآخر لتفقد السينما، وكنا ندخل من جهة المعرض وسوق النورية، وبعد السبت الأسود مباشرة، علمنا أنها أصبحت ركاماً. فنزلنا لتفقدها، فلم نجد لها أثرا. الريحاني تعرّف في الكريستال على بديعة مصابني في نظرة تقويمية الى مسرح »الكريستال« يعتبر المخرج محمد كريم أن مسرح »الكريستال« اعتبر من مسارح الدرجة الأولى وأفخمها، لعب دوراً مهماً في الحركة المسرحية في لبنان، لأنه استقطب الفرق الأجنبية واللبنانية. ومن الفرق الأجنبية تعلمت الفرق اللبنانية الكثير من أصول اللعبة المسرحية وقواعدها. كما أن »الكريستال« كان مجهزا تجهيزا صوتيا متقنا بحيث ان الجالس في آخر القاعة كان يسمع الحوار بوضوح تام. وطبعا، على المسرح كانت فتحة في الأرض، يقف داخلها الملقن. صحيح أن التياترو الكبير الذي بُني بعد مسرح »الكريستال« استطاع أن يتألق بسرعة ويستقطب بدوره الفرق الأجنبية، إلا أنه في البدء لم يقوَ على التفوق على »الكريستال«، وبرزت منافسة قوية بين المسرحين، بحيث إن الفرق العربية كانت تقدم عروضا في الوقت نفسه عليهما. فكانت مثلا فرقة يوسف وهبي تمثل على »الكريستال«، وفي المقابل أم كلثوم تغني في التياترو الكبير. وهكذا أدت هذه المنافسة الى نشاط وازدهار في الحركة المسرحية وفي جعل الجمهور يتدفق على المسرحين معاً. فكلاهما كانا يجتهدان في تقديم أقوى العروض وأهمها. بموازاة مسرح »الكريستال« والتياترو الكبير، كان مسرح فاروق. إلا أن هذا الأخير لم ينافس المسرحين الأولين، ذلك انه كان مسرحا استعراضيا فقط، ركز نشاطه على الرقص الشرقي وعلى المونولوج، ولم يكن بفخامة مسرحي الكريستال والتياترو الكبير. لذلك كان أدنى مستوى خصوصا من ناحية الجمهور. فإذا كان جمهور الطبقة الراقية يرتاد »الكريستال« والتياترو الكبير، فإن الجمهور الشعبي كان يرتاد مسرح فاروق، الذي خصص منذ قيامه للشعب. يقال في هذا المجال إن نجيب الريحاني تعرف على بديعة مصابني أثناء تقديم استعراضاتها على مسرح »الكريستال« وتزوجها. لدى هجوم السينما واقتحامها الحياة في لبنان تحول مسرح »الكريستال« الى سينما، وراح يقدم العروض من الدرجة الثالثة، وكذلك تحول التياترو الكبير الى سينما وراح يقدم بدوره عروضاً من الدرجة الثالثة. وإذا كانت المنافسة على أشدها في الحركة المسرحية، فإنها اختفت تماما في الحركة السينمائية، وتحولت القاعتان الى صالات شعبية يؤمها الناس من الطبقات المختلفة. مهما يكن من أمر، فإن مسرح »الكريستال« فتح الطريق واسعا أمام قيام حركة مسرحية ناشطة في لبنان. وكان من أغلى الأماني على قلوب اللبنانيين في بداية هذا القرن. وليس عجباً أن يسمى ب»الكريستال«، وذلك انه كان جوهرة في قلب بيروت النابض بالحركة والحياة، من ناحية فخامته أو من ناحية عروضه التي لم تكن تهدأ، ولم تغلق أبوابه صيفا أو شتاءً، إلا سنة 1975، عندما ضاعت هذه الجوهرة واختفت بفعل الأحداث في لبنان. تحقيق: كلود أبو شقرا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة