الدوحة ـ جورج علم وزياد حيدر يختبر القادة العرب في قمتهم الحادية والعشرين اليوم الاثنين في الدوحة، نهجا جديدا للعلاقات في ما بين حكوماتهم، يقوم على مبدأ «إدارة الخلافات»، الذي يتوج مسيرة «مصالحة» بدأت رحلتها في قمة الكويت الاقتصادية، واستكملتها في اجتماع الرياض الرباعي، رغم ان تخلف الرئيس المصري حسني مبارك عن الحضور إلى قمة قطر، وخفض مستوى مشاركة بلاده فيها، يلقي بظلال من الشك حيال مستقبل هذا النهج. وعلى مائدة العرب في الدوحة اليوم، إلى جانب مسألة «المصالحة» التي حددت إطارها مسودة من ست نقاط هي خلاصة ثلاث أوراق مقدمة من السعودية وسوريا والجامعة العربية، تحديات جديدة قديمة، أبرزها مستقبل عملية السلام في المنطقة عشية بدء الحكومة الإسرائيلية اليمينية عملها، الى جانب «المأزق» السوداني المتمثل بمذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس عمر البشير، الذي وصل الى الدوحة امس، متحديا قرار توقيفه. وكان بند المصالحات العربية شكل خلال الاجتماع التحضيري لوزراء الخارجية العرب، الذي أقر فيه جدول أعمال القمة، بابا لمداخلات عديدة حول الانقسامات منذ قمة دمشق العام الماضي. ولم يخل النقاش من الحدة بعدما تأكد نبأ عدم مشاركة مبارك، الذي سبق له ان وضع سلة من الشروط للحضور، بينها ان تغير قطر سلوكها في التعاطي مع إيران والملف الفلسطيني، وألا يشارك الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في القمة بصفة مراقب، وأن تتوقف الدوحة عن دعم حركة حماس. وقال رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في مؤتمر صحافي «كنا نتمنى حضور مبارك إلى القمة، حيث انه كان سيساهم بأفكار نيرة في حل القضايا العربية الشائكة المزمنة». وأضاف «لا نستطيع أن نأخذ إذنا من احد لإقامة علاقات مع إيران أو غيرها»، مؤكدا ان الدوحة لن تدعو نجاد وحركة حماس إلى القمة. وقال «لا جايبين حماس ولا جايبين نجاد.. توبة توبة». كما احتلت قضية توقيف البشير، حيزا مهما من النقاش بين الوزراء العرب. وقد غادر وزير الدولة السودانية للشؤون الخارجية علي تركي الاجتماعات بعدما فشل في انتزاع توصية تقضي بعقد قمة عربية طارئة في الخرطوم تضامنا مع البشير. وتم التوافق مبدئيا على قيام القادة العرب بزيارات دورية الى العاصمة السودانية كبديل عن القمة، على أن تطالب القمة بإلغاء قرار المحكمة الجنائية بدل تأجيله. وقالت مصادر دبلوماسية واسعة الاطلاع لـ«السفير»، إن وزير الخارجية الفلسطينية رياض المالكي طلب الموافقة على اقتراح فلسطيني بعدم التعامل مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلا في حال «أعلنت موافقتها على الاتفاقيات التي وقعت مع السلطة وأعلنت وقف الاستيطان ورفع الحصار عن غزة». وقالت المصادر إن المالكي طلب «غطاء عربيا» لهذه الخطوة التي تمتنع فيها السلطة عن التفاوض، إذا لم تتحقق هذه الشروط. وكانت لجنة سباعية تشكلت على هامش الاجتماعات الوزارية العربية، عملت على صياغة اقتراح بهذا المضمون، بناء على طلب فلسطيني، وضمت كلا من سوريا ومصر والسعودية والجزائر وفلسطين ولبنان وقطر كرئيسة للقمة والأمانة العامة لجامعة الدول العربية. وبرز قول أحد الوزراء العرب تعليقا على الاقتراح بأنه «ما فائدة السلام إذا لم تعد الأرض موجودة بسبب الاستيطان المستمر؟»، وذلك تعقيبا على معلومة قدمها المالكي في الاجتماع بخصوص دراسة تقدمت بها سفارات غربية في القدس المحتلة، وتكشف أن نسبة الاستيطان في المدينة ارتفعت 40 في المئة خلال العام الماضي، مقارنة بأرقام السلطة الفلسطينية التي تتحدث عن ارتفاع بنسبة 17 في المئة. كما رفض المجتمعون أفكارا طرحها الجانب الإسرائيلي عن ربط «السلام بالتنمية بدلا عن ربط السلام بالأرض»، وذلك وفقا لمنطق «السلام مقابل حقكم بالعيش!». وفي ما يخص المصالحة الفلسطينية، قالت المصادر إنه اتفق على تقييم الجهود المصرية بعد الجولة الجديدة التي ستنطلق في مصر الشهر المقبل. وقالت المصادر إن الحضور العربي شكر الجانب المصري على جهوده ، ولكنه سأل عن «الخطوة التالية في حال فشلت هذه الجهود مرة أخرى؟». فتدخل الجانب القطري بالقول إنه يمكن لمصر حينها أن تتقدم بتقييم لما قامت به إلى الجامعة العربية ورئاسة القمة بحيث تتابع بها العمل لجنة عربية مختصة تضم دولا عديدة، من بينها سوريا. وبشأن العلاقات مع إيران، قالت مصادر أخرى لـ«السفير» إن اية دولة عربية لم تطرح فصل العلاقة بين دمشق وطهران كثمن لتحسين العلاقات العربية مع سوريا. وأضافت ان «الرهان على فصل هذه العلاقة رهان خاسر وساذج في الوقت ذاته». وقد بدأ رؤساء وزعماء عدد من الدول العربية، التوافد الى الدوحة منذ امس الأول، وكان أولهم الرئيس السوري بشار الاسد. وقد وصل امس الملك السعودي عبد الله الذي اجتمع بأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والرئيس ميشال سليمان، ورؤساء تونس زين العابدين بن علي، وجزر القمر احمد عبد الله سامبي، والإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان واليمن علي عبد الله صالح وليبيا معمر القذافي، وجيبوتي إسماعيل عمر جيلة، والصومال شيخ شريف شيخ احمد، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد جابر الصباح، فيما ذكرت وكالة الأنباء الأردنية ان الملك عبد الله الثاني سيحضر القمة اليوم. ويتغيب عن القمة، الى جانب مبارك الذي أوفد وزير الشؤون القانونية والبرلمانية مفيد شهاب، الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، والرئيس العراقي جلال الطالباني على ان يحل مكانه رئيس الوزراء نوري المالكي، والسلطان العماني قابوس الذي سيمثله نائب رئيس الوزراء فهد بن محمود آل سعيد، والملك المغربي محمد السادس الذي طلب من شقيقه الأمير رشيد تمثيل البلاد. وقد اعتبر شهاب ان «هناك بعض المعوقات التي تقف حائلاً دون ان تتحول المصالحة الى مصالحة حقيقية مبنية على الالتزام بثوابت». وأضاف «لا تقبل مصر ان تكون هناك دولة عربية تتلقى أوامر او دعم من خارج الدول العربية لإثارة القلاقل في بعض الاقطار العربية»، في إشارة ضمنية بدا انها موجهة الى إيران. وعلى هامش اجتماعات القمة، أبدى العماد ميشال سليمان والرئيس السوري ارتياحهما لسير العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا، بعد لقاء في مقر اقامة الاسد. وقالت مصادر رسمية سورية ان الأسد وسليمان اتفقا على ضرورة «أن تعمل كافة الدول العربية على إنجاح هذه القمة وهو ما سينعكس إيجابا على استكمال مسيرة العمل العربي المشترك». وقد جرى خلال اللقاء «استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين حيث أعرب الرئيسان عن ارتياحهما لطريقة تقدم هذه العلاقات وأكدا عزمهما على مواصلة الارتقاء بها بما يخدم شعبي البلدين». وقال الرئيس سليمان انه ناقش مع الرئيس الأسد «مواضيع تخص سوريا ولبنان «والتي هي في مصلحة العرب ومصلحة البلدين إضافة إلى المستجدات والموضوعات المطروحة على جدول أعمال القمة العربية». ووصف الرئيس سليمان العلاقات السورية اللبنانية بأنها «ممتازة». وقال «هذه العلاقات كانت وستبقى وستتطور إلى الأمام وهي أعمق بكثير من العلاقات الدبلوماسية نظراً لما يجمع البلدين تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً وروابط قربى»، مضيفا أن ضرورة السفارات تأتي من طبيعة العلاقات الدولية. وحول المصالحة العربية، اعتبر الرئيس سليمان أنه لا يمكن للعرب أن يتوصلوا إلى نتيجة في صراعهم مع إسرائيل إلا بعد أن تتم المصالحة، مشيراً إلى أنه سعى في هذا الاتجاه منذ اليوم الأول لانتخابه رئيسا للبنان. وبشأن الانتخابات النيابية المقبلة، قال الرئيس سليمان الذي التقى المالكي وناقش معه موضوع اعادة تفعيل خط انابيب النفط بين العراق ومصفاة طرابلس،«هناك لجنة مكلفة بالإشراف على إنفاق الأموال وستراقب كل الأمور وسيحاسب كل من يخطئ باستخدام الحق الديموقراطي». وكان الأسد التقى أمير قطر امس الاول وأجرى معه محادثات قال وزير الخارجية السورية وليد المعلم انها «تكتسب أهمية خاصة وتأتي استمراراً للتشاور حول الوضع العربي واستكمالا لمسيرة تعزيز العمل العربي المشترك». واعتبر أنه رغم أن الظروف العربية «أفضل»، لكنها «ليست بالمستوى المطلوب». واجتمع الأسد امس بالمالكي. وقالت مصادر سورية واسعة الاطلاع لـ«السفير» ان سوريا «باتت تنظر إلى العراق كعمق استراتيجي»، مضيفة أن العراق بات «أولوية اقتصادية بالنسبة لسوريا»، وان هذا الأمر اتفق عليه في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى بغداد الأسبوع الماضي، والتي مهدت لاجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين في شهر نيسان المقبل على مستوى رئيسي الوزراء في بغداد. ولفتت المصادر الى أن العراق لم يعد أولوية بالنسبة للولايات المتحدة، وأن الأولويات تتدرج الآن من الأزمة الاقتصادية إلى أفغانستان وباكستان ثم السلام في الشرق الأوسط والعراق، وإن كان هذا لا يعني أن الأميركيين لن يعملوا على تحسين الوضع الأمني هناك. وتابعت أن سوريا لا زالت «مستعدة لتقديم المساعدة في إطار إنهاء الاحتلال»، مضيفة» أن ثمة فرقا بين أن نساعدهم في الخروج، وبين أن نساعدهم في الدخول». كما التقى الأسد أمس الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. وقال الرئيس السوري ان بلاده ترفض مذكرة الاعتقال بحق البشير، مشيراً إلى «المشكلة في مصداقية الامم المتحدة والجهات الدولية التي تدعي الحرص على الوضع الإنساني في السودان، بينما لم تحرك ساكناً إزاء الوضع الإنساني المأساوي في غزة». وقد «أشاد بان كي مون بالجهود التي تبذلها سوريا لتعزيز الأجواء الإيجابية في المنطقة». إلى ذلك، وصف نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، العلاقات السورية السعودية بالمريحة. وأكد خلال لقاء مع مجموعة من الصحافيين، ان التطورات بين دمشق والرياض «فتحت الأبواب لمعالجة كل الملفات الثنائية، التي لديها طابع أكثر من ثنائي»، في إشارة إلى اهتمام مشترك بين البلدين في قضايا لبنان وفلسطين والعراق إضافة لمسألة «التضامن العربي». وأضاف الشرع معلقا على الوضع العربي بأنه «ليس بمستوى الطموح لا بالنسبة لسوريا أو لا لأي مواطن عربي». وقال ان «الناس تجاوزت سياســات بعــــض الحــكام وهي تتوقع المواكبة لطموحاتها، ولكن ليس هناك مواكبة كما يجب».