As Safir Logo
المصدر:

كتاب هيمنة بوهم... هيمنة بعلم

المؤلف: خليل خليل احمد التاريخ: 2009-03-28 رقم العدد:11256

ربما تكون أجمل الأوهام أن يحيا البشر بعلم، أي بلا وهم مؤسس ومحرك. ولكن في المدى السوسيو أنتروبولجي للعالم المعاصر، تسود علاقة من التداعم (Résilience) بين الهيمنة بعلم والهيمنة بوهم. فلسفيا أوصلنا العلامة فريدريك معتوق إلى هذه الحافة الفكرية حيث يتعولم الآن الكوجيتو (الأنا المفتكر) والفيديو (الأنا الرائي). فبعدما درس في كتابه «مرتكزات الهيمنة الغربية» قبل عام، فاجأنا معتوق بتتمته «مرتكزات السيطرة الشرقية»(1) وكأنه يسعى من وراء هذا البحث السوسيو ـ معرفي الى مقاربة متصلة للفجوات المعرفية ـ التي سماها ج. غورفيتس العقبات المعرفية ـ وإلى بلورة البراويز الاجتماعية، غربا وشرقا، لعولمة الهيمنة، قديما وحديثا. وعنده أن الهيمنة هي أقصى السيطرة، التي عززها الغرب منذ القرن السادس عشر بخمسة محركات ذهنية، وحصرها الشرق إجمالا بمحرك أو محركين، معظمها جابذ (كالبلاعة) وأقلها نابذ (كالنافورة). بلغة علمية مسلسة جدا، يحيلنا البروفسور ف. معتوق الى إشكالية تعولم الهيمنة، ويساعدنا بقوة على إدراك الفرق الجذري بين وهم العلم وعلم الوهم من جهة، وبين التمركز بوهم حول الذات والتمدد بعلم خارج الذات. ثم يأخذنا في رحلة معرفية شيقة الى مجتمعات حضارية متقاربة متباعدة (را. رولان برتون، جغرافيا الحضارات، تعريبنا، بيروت، دار عويدات 2000)، بدءا من المدار المصري الفرعوني، مرورا بالمدار الهندي الهندوسي والمدار العربي والاسلامي (العرب وبنو عثمان)، وصولا الى الصيني الكونفوشي. في المدار المصري، اقتضى محرك الوهم ألا تقيم الدولة الفرعونية جسورا فوق النيل، رغم دوامها على مدى ثلاث ألفيات، بدعوى جذب الكل الى المركز: شخص الفرعون، حيث النهر هو الشعب، والشمس هي الملك، وحيث الخارج منعدم لأنه في الداخل. ففي الداخل، يقوم الفرعون بدور صاحب «البيت الكبير»، أو عمود السماء، هذا النور الهابط دائما وأبدا على ماء النيل بلا وسيط آخر سوى اقتناع الناس بهاتين الهبتين، الفرعون والنيل، أي بهاتين الهيمنتين اللتين تنمان عن مصدر مشترك للسيطرة الكلية... ان نظام حكم الهيمنة هو نظام حكم سياسي يتميز بقدرة فائقة على توليد الولاء له» (ص32)، وذلك من خلال «ثنائي التوازن»: الاداريون والكتبة من كفة، الكهنة ومعاونوهم من كفة أخرى. أما سياسة «البيت الكبير» فاعتمدت على سياسة غياب الجسور، السلطة الخافية للفرعون من وراء «السياج الكبير». فكانت علاقات الناس منقطعة في ما بينهم، متصلة فقط بشخص الفرعون، الملك/الإله. وعليه كان الشعب مشرذماً بذاته، متوحدا بالحاكم: «ففي البيت الكبير شخص واحد ورمز واحد ومرجع واحد... الهيمنة تكمن في بتر النظرة الثالثة، الاجتماعية، وعدم ترك المجال لها بأن تتبلور» (ص 34). لئن كان الدين هو المحرك الأول لنظام الهيمنة في مصر الفرعونية، فإن المدار الهندي الهندوسي افتقر الى مثل هذا المحرك الذهني. لماذا؟ لأن التجربة الهندوسية تعاملت مع «المسألة الدينية» تعاملا مغايرا لما ذهبت اليه الديانات الأخرى في إنتاج الهيمنة. لقد كانت دينامية المحرك الهندوسي انطوائية (جابذة) فيما تميزت دينامية المحرك الاسلامي بالذهنية الفتوحية، (النابذة أو الفوارة). في الهند، الايمان شأن فردي، مسلك، وليس دينا اجتماعيا ـ سياسيا كالديانات التوحيدية الأخرى. هنا الفرد مسؤول عن خلاصه، وهناك، المؤمن مسؤول عن خلاص الجماعة: «ففي وعي الهندوسي، تبدو ديانته حاضنة لكل الروحانيات المتبلورة على وجه الأرض، ولا تعارض بين معتقده وبينها طالما أنها تنبثق عن روح الكون الأزلية وتصب فيها» (ص38). الهندوسية تبني على السلوك، لا على التاريخ وأحداثه. وتاليا لا تقفص الايمان ولا تضبطه في سياق كنسي أو شرعي او حتى سياسي، بل يقوم معتنقوها بممارسة طقوس مكثفة لردم الهوة بين الغيب والواقع: «فالطقوس هي شأن شعبي عام، فيما التأمل والتواصل مع الروح الأزلية للكون شأن خاص بطبقة الكهنة» (ص40). النظام الطبقي الهندوسي مغلق، ومنقسم بين من هم فوق ومن هم تحت، والكل واحد أمام الأرض/الأم (بهاراتاماتا): يتشكل الهرم الطبقي من البراهمة (فوق)، طالما انهم خرجوا من فم براهما لينطقوا بلسانه، ولكن المعرفة أساس هويتهم. ثم من الأسياد (الكشاتريا) المكلفين بتطبيق المعرفة والسهر على حسن سير حياة الهنادكة (استتباع السلطة السياسية للسلطة الدينية ـ فإذا كان رجل الدين معلما Gurou فإن رجل السياسة حاكم (ناظر)، ثم طبقة العامة (الفايشيا)، وأخيرا طبقة الخدم (الشودرا) المحكوم عليها بخدمة الطبقات الثلاث الآنفة. وكما نظام الطوائف عندنا، يقوم نظام الطبقات المغلقة (Costes) على الدعمنة والسلطنة، وكلاهما يفضي الى تعطيل قيام الدولة الحديثة: باعتماد الممنوعات لإبقاء التغيير بمنأى عن الوعي أو الذكاء الشعبي العام، وبإذكاء الخصومات حفاظا على التوازنات بالتفرقات أو بتصادم الامتيازات. والحال، اذا قام الجاه الهندي على الروحانية، فإن الجاه العربي قام على «رئاسة القبيلة» أو العصبية، فيما قام الجاه الغربي على الاقتصاد والمال. يقدم لنا المدار الحضاري العربي/الاسلامي صورة أخرى لعولمة الهيمنة بالوهم تارة وبالمعرفة تارات. بدلا من الإسلام، يدرس البروفسور معتوق العرب والعثمانيين، حيث يقرأ «العقل الجديد» في مقدمة ابن خلدون على أنه «بنية معرفية»، مرمزة في العصبية، ويذهب أبعد من ذلك حين يلمح الى ان ابن خلدون هو «أول مَن بنى نظرية المعرفة المولدة للمعرفة» (ص64). لكن، ماذا نفعل بالمعرفة المولدة للأوهام ايضا؟ ثم ماذا نفعل بأوهام الأوهام. مقابل معارف المعارف او علوم العلوم؟ حدث للعرب، مع الاسلام، انتقال من ربط العنف بالمدنس الى ربطه بالمقدس: «وأصبح المقاتل يحارب من أجل أفكار، بعدما كان يقتصر قتال أجداده على السعي وراء أشياء» (ص71). ومع ذلك تواصل العنف ملتهماً في أتاتينه المقدس والمدنس ـ كما سنرى في التجربة العثمانية ـ ولا أدري ما الفرق الاجتماعي بين حرب كان هدفها السيطرة على أجساد البشر وبين حروب دينية هدفها «السيطرة على نفوس البشر»؟ والحال، كان دود الخل منه وفيه، إذ ان سلوك العرب في الانتاج المعرفي لم يخرج عن تقليد ساد الحضارات القديمة كلها، ألا وهو العمل الفردي (83). والحاصل هو «ان منتجي المعرفة بلغة الضاد لم يبلوروا جماهير تواكب وتتذوق وتحترم إنتاجهم وتؤازره» (م.ن) وعندنا ان الهيمنة بوهم طغت عربيا على الهيمنة بعلم. فانكشف العالم العربي أمام العالمين الغربي والشرقي معا. فهل شذ العثمانيون ـ وهم يحكمون بعض العرب ـ عن مآل المعرفة العربية؟ تشير «القانونامة» التي وضعها بايزيد الأول (Bajarzet) الى الهيمنة بالسيف لأجل «الربح» ولو على جثث الأخوة (لا سلطان من دون عسكر ولا شريعة من دون سلطان). وهكذا نشأت سلطنة جابذة محورها السلطان، وما تحته عساكر ورعايا ودولة تابعة له: السيد واحد والبقية خدم. أما أركان هذه السيادة الأحدية فهي: السيفية، القلمية والعلمية (الدينية طبعا): «ان الشأن العسكري كان شأنا ماليا في الجوهر، وان جمع المال من الرعايا كان في أساس فكرة الحرب والتوسع السلطاني...» (ص26). الحاصل ان مفهوم الربح السلطاني حجم السكان لمصلحة السلطان و«لم تكن الدولة العلية، الهجينة والخاصة والمؤصلة على مقاس بني عثمان، يوما، دولة إسلامية ولا دولة ديموقراطية وليبرالية (...) وبنيت هذه على فكرة الغنيمة وعلى مبدأ الشفط، لذلك بقيت من دون روح» (ص 112 ـ 113). وبقدر ما كان الفساد بنيويا فرديا، كان الربح العثماني عاطلا ومعطلا في آن. في المدار الحضاري الصيني، كما في الغرب، تتجاوز الهيمنة بعلم الهيمنة بوهم. كيف؟ بالتنظيم، مع تماثل اللاعبين: الفرعون المصري، الامبراطور الصيني، الامير العربي، السلطان العثماني، من حيث ادعاء كل منهم احتكار السلطة. الامبراطور الصيني هو صاحب زمانه (سيد الرزنامة) ـ كما خطر لمعاوية بن أبي سفيان حين أعلن «نحن الزمان، من رفعناه ارتفع ومن وضعناه اتضع». ولكن مع مفارقة تنظيم الهيمنة، بوهم ام بعلم؟ في التجربة الصينية، تلازم ضباط الجيش مع ضباط الاحصاء في ضبط المجتمع لمصلحة الحاكم، الذي استبدل العبادة بالقيادة، والذي حول القيادة الى معرفة وتكريم وطاعة واحترام التنظيم الاجتماعي للهيمنة، مع غياب أي جهاز ديني رسمي (ما عدا جهاز العرافين) وبحضور كلي لجهاز الموظفين الرسميين الذين يديرون الدولة باسم الحاكم لمصلحة العموم، لا لمصلحة الحاكم وحده. فكان تنظيم الدولة الصينية وسلطاتها أخلاقيا في مصدره وليس دينيا (أي علميا وعلمانيا، بلغة الهيمنة الغربية). ماذا يضيف هذا الكتاب الى سفرة الثقافة العلمية العربية الراهنة؟ انه ككل نتاج علمي يساعدنا على ان نفهم لماذا فشل العلم في مكان ونجح الوهم في مكان آخر؟ ولماذا فشل الوهم في ان يتحول علما مع تقديم نفسه كدين، ونجح العلم في الهيمنة عزبا وفي الصين باستقلاله عن الوهم؟ ـ محرك الهيمنة العثمانية عطله سوء تحريك محرك الربح. ـ محرك الهيمنة الفرعونية عطله في النهاية محركه الديني. ـ محرك الهيمنة الهندوسية عطله محرك التنظيم الطبقي الحاد. ـ محرك الهيمنة العربية قفصه محرك المعتقد الديني الذي جعل نفسه علما وسياسة. ـ محركات الهيمنة الغربية حافظت على توازناتها، فباعت الهيمنة بالوهم في أسواق الهيمنة بالعلم. ـ وأما الصين فقد مكنها محركها التنظيمي من البقاء كقوة عالمية مهيمنة رغم زوال وهم الامبراطور. فكان أهل الصين «القطب الآسيوي النافر الوحيد الذي يوازي استراتيجيا الغرب، وهم يدركون ذلك. وعليه فهم يعرفون ان الخطأ غير مسموح، ولا العجلة مسموحة، فكل شيء مرهون بأوانه» (ص 440). فهل يتجاسر العرب وشعوب الهيمنة الشرقية/ الغربية على امتلاك الشجاعة للخروج من الوهم الى العلم؟ ومن صيغة البالوعة الى صيغة النافورة؟ هذا يتوقف على قدرات المحلي وطاقاته حتى يتقوم بنظام وينتظم في عولمة الهيمنة، بلا أوهام. ([) كاتب لبناني (1) منشورات دار الحداثة، بيروت 2009

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة