كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبية في العالم. وبات نجومها من أصحاب الملايين، يفرضون حضورهم على الجمهور ووسائل الإعلام كافة. من هنا تستقطب تلك الكرة، التي يتنافس على ركلها 24 لاعباً، اهتمام عشاق لعبة كرة القدم. فتدور الكرة على الملعب، بطوله وعرضه، متنقلة بين الأقدام، كي تصيب في ختام مشوارها شباك المرمى. بعض النجوم لم يأت إلى اللعبة على بساط الريح، بل من الأحياء الفقيرة وساحات الحارات والشوارع والزواريب. وفي طليعة هؤلاء، «الملك» البرازيلي بيليه الذي مارس اللعبة حافي القدمين في شوارع ساو باولو، ثم عمل ماسحاً للأحذية قبل أن يتم اكتشافه واحتضانه، ليصبح نجماً ساطعاً وهو بعد في السادسة عشرة من عمره، ويكبر ليلمع كأحد أهم لاعبي كرة القدم في العالم. ينطبق حال بيليه على آلاف اللاعبين في مختلف أنحاء العالم، ولبنان ليس استثناء إذ «تخرّج» عدد كبير من نجومه الكرويين من ملاعب الحارات والأزقة. هكذا، ظهرت «البور»، في الأحياء الفقيرة، كمتنفس لهواة كرة القدم الذين استكمل بعضهم مواهبهم الطفولية بالاحتراف فأصابوا الشهرة شباباً. يندر اليوم تواجد تلك «البور»، أو الملاعب العفوية، التي تحول معظمها إلى مشاريع استثمارية، أو مبان سكنية، أو حتى مواقف للسيارات. ويشرع بعض أصحاب تلك الأراضي في محو التاريخ الذي أنشأه مولعون باللعبة، فحوّلوها إلى مجمعات رياضية يدفع الموهوبون مالاً مقابل ممارسة هوايتهم المفضلة على أرضها. طريق الجديدة، وتحديداً منطقة «أرض جلول». تمتد مساحة رملية واسعة، تحدها عارضتان. ما زالت «البورة» المعروفة بملعب «أرض جلول» صامدة في مكانها، لكنها هامدة، تفتقد تاريخها في تخريج عدد كبير من النجوم. يروي محمود برجاوي، الملقّب بـ«أبو طالب» تاريخ هذا الملعب الذي «أبصر النور على يديه، واغتيل أمام عينيه»، كما يقول. هكذا يلخصّ فكرة البورة، التي تتحول إلى ملعب كرة قدم: «اللي ما عندو لاعب صغير، ما عندو لاعب كبير»، ويقصد أن تمرين اللاعب الصغير، في ملعب مرتجل، قد ينتج نجماً للمستقبل. ولماذا «البور»؟ يجيب أبو طالب: «لأن الرمل يشكل الأرضية الأمثل ليتعلم اللاعب كيفية التحكم بركلاته وحركاته». وكان أبو طالب أول من حوّل «أرض جلول» إلى ملعب شعبي لكرة القدم. كما كان من أوائل الذين انطلقوا في مشوار اللعبة من البورة المذكورة، قبل أن ينضم بعدها إلى المنتخب الوطني لكرة القدم. إذ يروي أنه، في العام 1952، كانت أراضي منطقة طريق الجديدة واسعة، بخلاف مشهد اكتظاظ المباني فيها اليوم. وكانت مجموعة من شباب المنطقة تتولى، في تلك الفترة، تنظيف البور الموجودة، وتزويدها بعارضات كي تصلح لممارسة اللعبة. وفي العام 1964، أبصر فريق «شعبية أبو طالب» النور في تلك البورة التي كانت تستقطب جمهوراً من آلاف الأشخاص من المناطق اللبنانية كافة، وانطلقت معه الأجواء الحماسية بين الفرق التي تتنافس على تلك الأرض. وكرّت سبحة الدورات الشعبية في «أرض جلول» حتى أوائل السبيعينيات. «في العام 1973، لم تعد اللعبة منظمة، وفقدت توازنها»، كما يقول أبو طالب. «ماتت المنطقة فمات الملعب معها، وبعد أبو طالب ما في فوتبول في طريق الجديدة». لم يكن الأمر سهلاً على اللاعب الشاب آنذاك، والذي ربى أجيالاً في تلك البورة، يعتبر أن الظروف كانت أقوى منه. والحال أنه هجر البورة مذاك، ويلعب فيها الآن لاجئو مخيم صبرا وشاتيلا، بانتظار أن تتحول ربما إلى مشروع استثماري. يحترق قلبه على أيام اللعب الشعبي المنظم والحماسة: «لا أستطيع اليوم المرور من أمامها، والله ببكي كل ما شوفها، وقلبي يحن لها». حرج بيروت كبديل يستعيد أبو طالب ذكرياته، مع ملاعب كرة القدم الشعبية، من خلال «ملاعب الحرج» التابعة لبلدية بيروت في منطقة قصقص. يرى في المكان شمل الشباب ذاته الذي كانت تشهده «أرض جلول». ومنذ انطلاقة تلك الملاعب، في العام 2003، يقيم أبو طالب، على أراضيها، دورات وبطولات لأولاد المنطقة الذين يعملون على إحياء تراث اللعبة الشعبية، الأمر الذي يؤكد عليه أحد المدربين في «الحرج» ناصر بختي، مضيفاً أن أعداداً كبيرة من الشباب تؤم الملعب يومياً، من الساعة الثامنة والنصف صباحاً وحتى العاشرة ليلاً. ويلفت بختي إلى أن بلدية بيروت كانت قد نزلت عند رغبة أولاد منطقة قصقص وطريق الجديدة بتحويل «الحرج» إلى ملاعب كرة قدم، فتوافدت إليها الفرق الشعبية والمدارس. وتقصد المكان أيضاً النوادي الرياضية التي لا تملك ملاعب خاصة بها، فيأتي أعضاؤها لتلقي التدريب. «أبو عضل» في «مارون مسك» ولمنطقة مارون مسك، في مار مخايل، أيضاً قصة مع الملاعب الشعبية. وللتعرف عليها، لا بد من مقابلة بطلها «أبو عضل»، الذي سميت على اسمه إحدى «بورها» الشهيرة، فتحوّلت إلى مجمع رياضي صغير، يستأجر هواة اللعبة إحدى صالاته بثلاثين ألف ليرة شهرياً. في أحد أزقة مارون مسك، ينادي أحدهم على «أبو عضل»، فيخرج رجل في العقد الخامس من عمره، من دكان قديم يبيع فيه الشوكولاتة والمشروبات الغازية والشوكولا: «أهلاً وسهلاً، أنت في شارع أبو عضل وفي منطقته»، ترحيب على طريقة إحدى أشهر شخصيات الحي. وأبو عضل هو المواطن نزيه حاجو الذي يقطن، مع عائلته المؤلفة من خمسة أولاد، في غرفتين متواضعتين في إحدى أبنية المنطقة القديمة. وهنا قصة بورة «أبو عضل»، على لسان مؤسسها، وهو في الأساس بطل لبنان في كمال الأجسام... «كنت أسافر بالباخرة إلى دول أوروبية لأشارك في بطولات، لكن سرعان ما هجرت تلك الرياضة، لأنها أصبحت طائفية بامتياز»، وهنا يسارع إلى التذكير: «أنا مش محسوب على حدا، وما إجاني من حدا شي». يتابع أبو عضل: «في العام 1978، كنت جالساً أراقب أطفالاً يلعبون في البورة، فخطرت لي فكرة إنشاء فريق كرة قدم. أحضرت الكرات واللباس الرياضي، فأصبح الفريق جاهزاً. ومع مرور الوقت شكلت خمسة فرق صغيرة، أنتجت أطفالاً موهوبين أصبحوا محترفين، ثم جاءت انتفاضة 7 شباط 1984. هربنا من المنطقة، ولم نعد إلا بعد خمس سنوات. أطلقت، آنذاك، دورات عديدة. كان الجمهور يقفل الشارع..». يتحمس «أبو عضل» سرداً، فيعلو صوته بالحماسة: «عمالقة لبنان تخرجوا من هيدي البورة!». ويقسم يميناً أنه لم يتاجر يوماً بلاعب، بل كان يقدمه لنادٍ يرعاه: «ثلاثون سنة مع كرة القدم، بحياتي ما تاجرت بلاعب، بس هيدا البلد للنصابين وبس». كانت المرة الأخيرة التي وطأت فيها قدما «أبو عضل» أرض البورة الملقبة باسمه في العام 2003، إذ أن الجيران، كما يشرح، اعترضوا حينها على التجمعات في المكان فطالبوا صاحب الأرض بمنعها: «انتزعوا مني الأرض بالقوة، وأخذوا قلبي معها. وكأن المجمع الرياضي الذي بنوه لاحقاً لا يسبّب الإزعاج لسكان المنطقة!». يقترب من «أبو عضل» طفله، زين (ثلاث سنوات). يشير بإصبعه الصغير إلى بورة تقع خلف كنيسة مار مخايل، قائلاً: «هيدا ملعب بيّي، وأنا بدي إلعب فيه». يحاول إغاظة صديقه باستعراض مهارته في «ترقيص» الكرة على رجليه: «هيك بابا علمني». زين الذي ورث، وإخوانه، لعبة كرة القدم عن والدهم، لديه طموح واحد: أن يصبح لاعباً محترفاً حين يكبر. أما «البورة» التي يلعب فيها الهاوي الصغير، بانتظار غده الاحترافي، فما زالت حلم والده الذي لم يطفئه المجمع الرياضي في «بورته» الأولى. يأمل أن يتمكن من تحويلها إلى ملعب كرة قدم يخرج أجيالاً جديدة، لأنه، ودائماً، «بعد أبو عضل ما في فوتبول بلبنان». الهواية للهواية وحسب تحولت إذاً البورة التي أسسها «أبو عضل»، وخرّج منها لاعبين، إلى مجمع صغير لمزاولة لعبة كرة القدم. لا يعلم الأطفال روادها تاريخ أرضها، بل لا يعرفونها سوى باسمها الجديد، اسم المجمع. يتولى ناصر (26 عاماً) الإشراف على المجمّع. لكنه يحمل في ذاكرته صوراً جميلة، يتصدرها أبو عضل الذي مرّنه على أرض الملعب حين كان لا يزال رملياً. ويروي كيف كان أولاد المنطقة ينظفونه من شظايا الحرب، قبل أن تبدأ مبارياتهم: «ياما ناس تصاوبت هون»، يقول ناصر. فيما يرى علي (18 عاماً) ضرورة أن تخصص بلديات المناطق مجمعات مماثلة، كي يمارس الشباب هواياتهم، لكنه لا يطمح إلى أن يصبح لاعباً محترفاً في المستقبل، «لأن في كتير ناس لا شغلة ولا عملة من ورا كرة القدم». أما نبيه (14 عاماً) فيقصد المكان للتسلية فقط. يرسم في خياله مشروعه الخاص، بعيداً عن الكرة الأثيرة، فهو يريد متابعة دراسته ثم يسافر إلى والده في إفريقيا ليدير معه مصلحة هناك. البلدية تقرر تقترب طفلة، في الثالثة من عمرها، من الكرة وتركلها. تعيد الحركات حين تدرك أنها تستقطب عدسة الكاميرا. هذا ملعب بلدية سن الفيل، مكان جميل يقع إلى جانب مجمّع «بيروت هول». مساحة شاسعة خضراء، تقام في تمرينات الأندية التي لا ملاعب خاصة بها، ولا تحتاج سوى إلى مراجعة البلدية مسبقاً. يقول المسؤول عن الملعب، كيفور كيشينيان، أنه يحافظ على أرض الملعب من خلال منع من ليس لديه عمل من الدخول إليه. ويقوم برش أرضه، من وقت إلى آخر، للحفاظ على نظافة العشب الأخضر المزروع حديثاً. والحال.. تبقى «البورة»، بالنسبة إلى البعض، كلمة مرادفة للمكان المهجور، فيما ترقى عند آخرين إلى مصاف المدرسة. مدرسة تعلّم وتخرّج، فيدخل تلامذتها عالم النجومية. ربما نجد المئات من «البور» المهمشة في لبنان، والتي لا نعرف التاريخ الذي تخبئه. إذ يمحو العشب الأخضر أحياناً خطوات ركضت، على الرمل، صوب مستقبل تحلم به، فهل هي مهددة بالزوال؟ وهل يندثر العالم المرتجل للكرويين الصغار؟