إطلاق شرعة العمل السياسي من خلال رعاية الكنيسة عموما والمارونية خصوصا يعطي انطباعا مزدوجا، الأول، أن الكنيسة تقول جهارا انها موجودة سياسيا ليس من منطلق معنوي بل عملاني ايضا حيث ان هدف الوثيقة كما جاء في المقطع الأول من المقدمة هو «لما يجب أن تكون عليه الممارسة السياسية كي لا تنحرف عن جوهرها وأهدافها ودورها في خدمة الانسان والمجتمع» أي ان الكنيسة نفسها الراصدة للعمل السياسي ومرجعيته في تصويب ما يؤول اليه. وهي بهذا وكأنها تضع المرجعية الدينية فوق السياسية وبذلك تنافس مرجعية الفقيه أو تتشبه به. وفي الواقع فهذا ليس جديدا ولا غريبا، فالكنيسة في بداية نشأتها السياسية حاولت أن تخضع الدولة لمشيئتها وقد بدأت مع أسقف ميلانو امبروسيوس الذي حرم الامبراطور تيودوسيوس نتيجة أعماله الانتقامية التي أسفرت عن سقوط الآلاف من القتلى ولم يوقف الحرم إلا عندما أتى الامبراطور في زي متسول يعلن خطيئته وتوبته، وكان لهذه الواقعة اثر كبير في مرجعية الكنيسة منذ عام 390 م. وما لبثت ان تعززت بتثبيت أولوية كرسي روما على عهد انوقنطيوس الأول عام 410 م في ظل حمايته ليوحنا الذهبي الفم. وعندما تقوت الامبراطوريات قام نقولا الأول عام 860 م بالدفاع عن حرية الكنيسة في وجه الدولة واعتبرها المرجعية التي يمكنها التمييز بين الملك الحقيقي والطاغية واستمرت الكنيسة كمرجعية سياسية لفترة امتدت خلال العصر الوسيط بأكمله. لكن الأهم في الموضوع أن الكنيسة في لبنان تضع نفسها معلمة في تقديم «لما يجب أن تكون عليه الممارسة السياسية» أي انها ضليعة فيها ومتمرسة عليها وهنا دعوة الى ان المسلمين كي يطرحوا هم ايضا شرعتهم في العمل السياسي والتي لن يكونوا فيها أقل مما طرحته الكنيسة بل يتجاوزنه بكثير، لكنهم قد يلتقون معها في قول الشرعة «ان الله وضع للعالم نظاما ليعيش الناس والشعوب في سلام ويتفاهموا ويرعوا شؤون الأرض» ـ (فصل اول، مقطع ثان)، وان السلطة السياسية «مدعوة دائما لاستلهام مشيئة الله وتعميمه الخلاصي» ـ المقطع عينه ـ ان هذا الاستلهام اذا كان من تعاليم الكنيسة وبابواتها ـ كما هو مدرج في مراجع الشرعة حيث اكثر من سبعين مرجعا من أصل 84 انما هي من تعاليم الكنيسة والباباوات ـ فإن هذا الاستلهام سيكون عند المسلمين في القرآن الكريم والسنّة وأقوال الصحابة والمفسرين. وبالتالي فإن التوافق السياسي سيصطدم اصلا بمرجعية إقراره وحدوثه وهذا يعني ان الكنيسة التي أتت لتقول أنا موجودة ستصطدم بوجود مرجعية إسلامية ـ أو أكثر ـ لتقول لها لست الوحيدة أصلا وواقعا. أما الانطباع الثاني فهو في تعسر إمكانية شرح الخصوصية اللبنانية في موضوع العلاقة بين المرجعية السياسية والمرجعية الدينية، ففي مقطع الاستقلالية من الفصل الثاني تقول «اعتمدت بعض الدول الغربية علمنة الدولة أي الفصل بين الدين والدولة أما لبنان فاتخذ صيغة الدولة المدنية التي تحترم الأديان عقيدة وممارسة» وان التعاون بين الكنيسة والدولة «يوجب على السلطة السياسية ان تدرك ما للدين من دور وواقع، فالدولة مهما كان لونها ونظامها ينبغي عليها ان تستنجد بالقيم الروحية وتستلهمها كمرجع قادر على ان يغذي نسيج المجتمع السريع العطب ويقويه» ـ مقطع التعاون ـ وهذا المرجع هو الكنيسة نفسها التي رغم ان مهمتها دينية فهي ـ كما تقول في مقطع التمايز ـ «معنية بتنظيم علاقة المؤمن بربه وبأخيه الانسان ومجتمعه وسائر المخلوقات وكذلك بالمجتمع لقيام عدالة اجتماعية ومساواة في الحقوق والواجبات وسلامة الأخلاق والتضامن والتعاون لتأمين الخير العام وبالوطن من ناحية سلامة أراضيه وسيادته واستقلاله وشرفه ووحدته». واذا كان من طبيعة الحال ان يكون للمرجعية الدينية الاسلامية ذات الدور الذي تراه الكنيسة لها فهذا يعني رؤية واحدة بين الدينين وبين السلطتين الدينيتين ولو كان هذا هو واقع الحال في لبنان وغير لبنان لانتفت الحاجة الى قيام شرعة بالاساس، ولكن الكل يدرك ان نظرتين مختلفتين للمؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية، خصوصا في ما يختص بمفاهيم السيادة والاستقلال والعدالة الاجتماعية وعلاقة الانسان مع ربه والآخرين. وتبلغ هذه النقطة ذروتها عندما تقول في نهاية مقطع التعاون: «يبقى من حق الكنيسة وواجبها أن تحكم في صلاح الافعال البشرية وشرها من حيث تقييم هذه الافعال في ضوء الشريعة الالهية والادبية. انها تعطي حكمها الادبي في جميع الشؤون بما فيها الشأن السياسي. عندما تقتضي ذلك حقوق الشخص البشري الاساسية وخلاص النفوس، كل نظام أو أداء سياسي يهدد كرامة الانسان وحياته انما يمس الكنيسة في صميم فؤادها وايمانها بابن الله الذي تجسده، وفداؤه صار قريبا لكل إنسان. فلا يحق لها ان تصمت على المظالم بل عليها ان تتسلح بالجرأة وتعطي صوتا لمن لا صوت له وتعيد دوما صرخة الانجيل في الدفاع عن بؤساء هذا العالم والمهددين والمحتقرين والمستضعفين والمحرومين من حقوقهم الانسانية ولا يستطيع أحد أن يوقفها عن ذلك». يحق لكل قارئ ان يتساءل اذا كانت الكنيسة هي الراصدة والمراقبة والمصوبة من أجل كل المستضعفين فهي المعنية مباشرة بالعمل السياسي ـ الاجتماعي وكذلك هي الجهة الاسلامية فهل يمكن التوافق بين صرخة الانجيل في الدفاع عن بؤساء هذا العالم وبين ضرورة حمل السلاح للدفاع عن هؤلاء البؤساء وهل كنيسة لبنان يمكن ان تتشبه بكنيسة اللاهوتي غاوستانو غوتييريز وتعطي كهنة مثل كاميليو توريس أو أساقفة مثل كامارا الذي كان يصرخ: احتجاجات الفقراء هي صوت الله... ام ان الكنيسة ستبقى فاعلة وناشطة بالمؤسسات الخيرية تاركة حمل سلاح البؤساء بيد الشيعة منهم. في الواقع فإن الكنيسة في لبنان ـ ولسنا أكيدين ان كلمة كنيسة تعني كل الكنائس في لبنان رغم ان السطر الاول من مقدمتها يؤكد ان كلمة كنيسة تعني الكنيسة بكل طوائفها في لبنان ـ قررت «ان المسيحي هو مواطن على الارض ومواطن في السماء في الوقت ذاته» وبالتالي فعمله الديني لا ينفصل عن عمله الدنيوي وهذا تقارب مهم بين المسيحيين والمسلمين الذين لا يرون أية فواصل بين العمل الديني والدنيوي. وتركيزها على ان المسيحي لا يعيش حياتين متوازيتين: حياة روحية لها قيمتها ومقتضياتها وحياة علمانية لها قيم مختلفة عن الأولى ومضادة لها بل حياته واحدة ـ وهذا ينقل المسيحية الطوباوية الى مسيحية الواقع وأصبح هناك حاجة لتفسير الآية الانجيلية «إني أعطيتهم كلمتك وقد أبغضهم العالم لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم، انهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم/ يوحنا 17 ـ 24 ـ 16 ـ 22/. من اللافت انه في الفصل الثالث وفي عنوان المواصفات الضرورية للممارسة المسيحية للسلطة السياسية تأتي جملة «حماية حقوق المتهمين بوجه محاكمات تعسفية» ويستغرب المرء هل هناك إعادة مراجعة للضمير المسيحي تجاه محاكم التفتيش التي قضت على آلاف الناس بمحاكمات تعسفية أم هي دعوة ضد ممارسات الحكم الديكتاتوري الذي يميز بلدان العالم الثالث وضد ممارسات الأحكام الديكتاتورية التي تميز بلدان العالم الاول تجاه الثالث. أهمية هذا القسم تؤكده الشرعة في المادتين 8 و9 حيث تركز على أن السلطة الدينية هي مرجعية العمل السياسي «بفضل هذه الرسالة تعطي الكنيسة حكمها الأدبي في جميع الشؤون بما فيها الشأن السياسي... وهذا الحكم الأدبي ماذا يعني عمليا في حال المخالفة؟ أوليس هناك عمل هو بحد ذاته سياسي مهما اختلفت ألوانه لإسقاط أو إيقاف شأن سياسي غير موائم مع الكنيسة؟ والجملة الأخيرة من المادة 9 التي تقول «ذلك ـ ان الكنيسة ـ تحكم في صلاح الافعال البشرية وشرها في ضوء الشريعة الالهية والخلقية» فهل الشريعة الالهية هي فقط تلك التي للكنيسة ام هي ايضا لغيرها واذا كانت الشريعة الالهية للمسيحيين من خلال المسيح وللمسلمين من خلال النبي فأي من الشريعتين تحكم العمل السياسي في لبنان؟ القسم الثاني من الشرعة هو خصوصية لبنان الذي يركز على ان لبنان هو وطن سيد حر مستقل نهائي لجميع أبنائه وتتبعه مواد مستمدة من الطائف الا أنه يقول في عضوية لبنان في جامعة الدول العربية ان هذه العضوية «تجعله ملتزما بقضايا العالم العربي» ـ في الموطن والكيان. لكن في الفصل الثاني يدعو الى «تحييد لبنان مع تعزيز قدراته الدفاعية». فهل التزام لبنان بالقضية الفلسطينية تمكنه من التحييد؟ وهل القضية الفلسطينية هي خارجة عنه أم فيه وعلى ارضه؟ انه يحاول ان يفسر ذلك بقوله: «ان الشرعة تدعو الى تنظيم العلاقات بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية وإيجاد حل لمشكلة السلاح داخل المخيمات وخارجها وضبط الأوضاع الأمنية والسعي الى حل عادل للقضية الفلسطينية يرتكز على قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ما يضمن للفلسطينيين حق العودة الى بلادهم والتنقل والسفر وعلى العمل مع الدول المعنية والجهات الدولية على تحسين أوضاعهم الحياتية ومنع توطينهم في لبنان». يبقى السؤال: من مع من للوصول إلى المبتغى؟ النقطة الثانية في الخصوصية اللبنانية «هي المطالبة باللامركزية الموسعة واعتبارها أولوية وطنية قصوى» فقرة ج ـ أوليست المطالبة هذه تسمح بقيام الجزر الامنية والمربعات والغيتو؟ وكيف يمكن للجمع بين مركزية الدولة واللامركزية الموسعة؟ النقطة الثالثة هي المطالبة «بحصر السلاح بالقوى الشرعية اللبنانية وإخضاع المهام الدفاعية والامنية لقرار السلطة السياسية دون سواها» بند 2 ـ. ان هذه النقطة تضع الموقف الكنسي الرسمي في مواجهة واضحة مع حزب الله بحسب الخصوصية اللبنانية التي تنطلق منها الشرعة، وبالتالي فإذا كانت هذه هي آراء الكنيسة فالسؤال أية كنيسة هي ما دامت تخالف رأي زعامات سياسية مسيحية كبرى؟ وهل تصبح هذه الشرعة هي شرعة بكركي أم مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك ام شرعة الرهبان ام شرعة كثيرين من الناس المسيحيين في لبنان؟ والسؤال: هل اذا صارت المعارضة هي صاحبة السلطة السياسية أي شرعية فهل ستقبل الكنيسة بحسب الشرعة المترتبات الموجبة لذلك؟ أما في ما يختص بالمغتربين اللبنانيين فمما يلفت النظر ان الشرعة لم تطالب بحق لبناني الاغتراب في الاقتراع بل اكتفت بصيغة «لإعطائهم حقوقهم وجنسيتهم والتعاون معهم». فهل هذا التجنب هو لخلافات بين أهل الرأي في الكنيسة حول ذلك ام الخوف من ان تجتاح الرياح العلمانية التي شملت اللبنانيين المسيحيين خصوصا بتغيير مجريات السياسة لا تريدها الكنيسة التي طالما عبرت في شرعتها عن رفضها للعلمنة بمفهومها الغربي. شرعة العمل السياسي هذه لا توصل الكثير الى الناس واذا ما أراد أحد اختصارها فهي تؤكد على أمور تراها تراتبا أهمها: 1ـ الكنيسة موجودة وهي قادرة ان تلعب دورا سياسيا بارزا من خلال تعاليمها ومؤسساتها. «لا يشكك أحد في قدرتها لكن قد يشكك البعض في الحجم الكبير لهذه القدرة أو الحجم الفاعل حقا في متغيرات الامور». 2ـ الكنيسة في لبنان لها مواقف ضد انفلاش السلاح الفلسطيني وضد سلاح حزب الله الخارج عن القرار السياسي الرسمي للدولة وضد الأمن الذاتي في المخيمات والمربعات الأمنية، وهي مع العلاقة المتكافئة مع سوريا. 3ـ الكنيسة ضد أية خطوات وحدوية مع العرب وضد كل تحالفات مع الغرب والشرق بل هي مع لبنان الحر السيد المستقل. لقد أطلقت الكنيسة هذه الشرعة منتظرة أن تلاقيها شرعة العمل السياسي على ضوء تعاليم الإسلام، واذا لم يقم الآن اعتراض مسيحي على هذه الشرعة (المتمورنة) فإن البعض المسيحي يعتقد أن المسلمين في لبنان وبسبب الانقسام الحالي بين سنة وشيعة لن يمكنهم من إعلان شرعتهم، وهم اذا أعلنوها فقد تنكشف تناقضات كبيرة لا تصب في مصلحة المهادنة اللبنانية. اذاً، لمصلحة من إصدار الشرعة وفي هذا الوقت بالذات؟ سؤال قد يكون الجواب عليه صمت بعض الأطراف المسيحية التي في فمها ماء حتى الانتخابات وبعدها لكل حادث حديث.