لإدراك الصهاينة والإسرائيليين أن استيلاءهم على الأرض الفلسطينية هو اغتصاب يفتقد الشرعية، وأن ما مارسوه من أعمال إرهاب وقتل وترحيل بحق عشرات الآلاف من سكانها العرب، هو عمل إجرامي لا إنساني، وسيبقى كذلك، مهما حاول سياسيوهم وأدباؤهم وأجهزة إعلامهم تمويه حقيقته أمام الآخرين، ومهما ابتكروا له من ذرائع لتسويغه، كذريعة الزعم بأنه (دفاع عن النفس والمنجزات)، وأنهم، حتى لو نجحوا في إقناع الآخرين بقبول كل تلك الذرائع التي فبركوها، وبتصديق كل الأكاذيب التي صاغوها، فإنهم سيظلون عاجزين عن إقناع أنفسهم بتصديق تلك الأكاذيب، بالتالي سيظل بينهم، ولو عدد ضئيل، يعانون وطأة الإحساس بالذنب كلما تذكروا ما اقترفته أيديهم، أو أيدي آبائهم، من جرائم، بحق أبرياء، يدكرون هم قبل غيرهم أنهم لم يبدأوهم بالحرب، ولم يعتدوا عليهم. رغبة من بعض الأدباء الإسرائيليين في تحرير ضمير أي إسرائيلي يمكن أن يشعر، في أي لحظة، بوطأة الإحساس بالذنب، جراء ما اقترفته يداه، أو يدا ابنه أو أبيه، فقد تطوّع هؤلاء الأدباء للقيام بمحاولة غسل ضمير مثل هذا الإسرائيلي المفترَض، وذلك بأساليب فنية شتى، ابتكروها لتحقيق هذا الهدف بالذات.. ومن أبرز أدباء إسرائيل الذين نحوا هذا المنحى، الروائي سميلانسكي يزهار الذي يعتبر رائد هذا الاتجاه في الأدب الإسرائيلي، وذلك في روايته »خربة خزعة« التي نقلها إلى العربية الروائي الفلسطيني توفيق فياض(1). ثم جاء آخرون، ينتمون إلى أجيال أدبية تالية لجيل يزهار، ومن أبرزهم الروائية شولاميت هار إيفين، التي توصف في الأدب الإسرائيلي ب»المعتدلة«، لتدني مستوى حقدها العنصري على العرب، فحاولت أن تنحو منحى يزهار، وذلك في قصة لها بعنوان »شكسبير«.. وسأحاول في ما يلي إلقاء حزمة ضوء على الكيفية التي حاول هذان الأديبان القيام من خلالها، بعملية غسل للضمير الإسرائيلي من وطأة الإحساس المفترض بالذنب.. يزهار وغسل الضمير في عام 1949، أي بعد الإعلان عن قيام إسرائيل بعام واحد، نشر الروائي الإسرائيلي سميلانسكي يزهار روايته »خربة خزعة« التي أثير حولها الكثير من الضجيج، وخصوصا بعد تحويلها الى فيلم سينمائي تلفزيوني.. للوهلة الأولى، قد يتوهم من يقرأ هذه الرواية، وخصوصا إذا لم يكن على وعي ومعرفة بأساليب الأدب الإسرائيلي، أنها رواية ضد الصهيونية، و»وثيقة إدانة«، بقلم كاتب صهيوني، لممارسات العصابات الصهيونية الإرهابية ضد العرب، قبل حرب عام 1948، وأثناءها وبعدها، على الرغم من أن هذا الكاتب قد شارك في تلك الحرب، لكن قليلاً من التمعن في مضمونها، سيوصل أي قارئ لها الى التأكد من انها أبعد ما تكون عن مهاجمة الصهيونية وممارسات أتباعها الإجرامية.. ولعل أفضل دليل على صحة توصيف هذه الرواية بالبُعد عن إدانة الصهيونية، إدراجها، من قبل وزارة المعارف الإسرائيلية، كمادة تدريسية لطلاب المدارس الثانوية، منذ عام 1954، وبضغط من بن غوريون نفسه، الذي كان رئيس وزراء إسرائيل، آنذاك. وقد ظلت مادة دراسية مقررة، لمدة ربع قرن، فهل يعقل أن تكون رواية كهذه ضد الصهيونية أو وثيقة إدانة لممارسات عصاباتها؟!! بالتأكيد لا، ذلك أن من يتاح له الاطلاع على نص هذه الرواية، سرعان ما يتبيّن أي روح عنصرية كانت تحرك مؤلفها ضد العرب الذين جعلهم يظهرون على صفحاتها وقد اكتسوا بكل الصفات السلبية التي يمكن أن تخطر على بال إنسان، من مثل »الجبن والذل والتهاون في حماية الوطن«، هذا فضلا عن »التخلف والقذارة وتحمّل تحقير الآخرين لهم دون أن يبدوا أي انزعاج أو أي رد فعل«. وما داموا كذلك، »فلماذا يبقون فوق تلك الأرض التي يعيشون عليها«، كما تقول إحدى شخصيات الرواية »أليس غزاتهم اليهود أحق منهم بامتلاكها؟«. بتعبير آخر: يبدو العرب، بصفاتهم التي صوّرهم بها يزهار في روايته، لا يستحقون من اليهود الذين طردوهم من أرضهم، واعتدوا عليهم بالضرب، وهدموا بيوتهم فوق رؤوسهم، وقتلوا منهم الكثير، لا يستحقون، في نظر يزهار، أي ندم أو إحساس بتأنيب الضمير ممن فعلوا بهم كل ذلك!!! وهذا ما أكده يزهار نفسه في إحدى المقابلات الصحافية التي أجرتها معه إحدى وكالات الأنباء... فقد رد على محاوره قائلاً: »هناك أشخاص يرغمون على فعل أمور يكرهونها، وعندما يحاولون عندنا إسكات الآخرين، فهذا يعني أنهم يحاولون خلق شعور بالذنب لدينا، وهي محاولة الدافع الأساس فيها ليس أميناً. إنهم يشعرون بالذنب ولديهم شعور بأنهم إذا كتموا الذنب فلن يعرف به أحد.. إن الأشخاص المتزنين يروون ما جرى لهم، حتى عندما يكون ما حدث أمرا خطيرا، أمرا لا يدعو للفخر والاعتزاز.. وهنا يتحول الذنب الى أمر ضمن الإدراك العقلي. ولذلك أعتقد انه بدل أن نستر ذلك، يجب علينا الحديث عنه«(2). إذاً، لقد حاول يزهار في روايته »خربة خزعة« ممارسة العلاج النفسي لقراءة روايته هذه، وبإعادة تكوين شخصية مجرمي حرب 1948 الصهيونيين، بحيث يعودون أسوياء، وذلك عن طريق تمكينهم من السيطرة العقلانية على موضوع الإثم ومشاعر الذنب لديهم، بدفعهم الى التفريج عن المكبوتات التي تسبب الخلل لنفسياتهم. عودة »شكسبير« إذا كان سميلانسكي يزهار قد حاول تخليص مجرمي العصابات الصهيونية الذين شاركوا في حرب عام 1948، وما قبلها وبعدها، من وطأة الإحساس بالذنب، بغسل ضمائرهم، على افتراض وجودها، فإن الروائية شولاميت هار إيفن حاولت أن تترسم خطاه، في قصتها »شكسبير« التي أصدرتها، في أعقاب عدوان حزيران عام 1967. وأبرز ما يلفت الانتباه في هذه القصة هو محاولة مؤلفتها القيام بإيجاد مخرج تسويغي لاستمرار إسرائيل في احتلالها للأراضي العربية التي استولت عليها في تلك الحرب. وهذه المحاولة لا تلفت الانتباه لغرابتها، مثلاً، أو لصدورها عن كاتبة إسرائيلية، فما أكثر ما يعج الأدب الإسرائيلي بمثل هذه المحاولات، ولكنها تلفت الانتباه وتثير الاستغراب أيضاً، لصدورها عن أديبة مثل شولاميت هار إيفن التي توصف في كتابات بعض النقاد الإسرائيليين بأنها من الأدباء المعتدلين، أي الذين لا يكنون حقدا عنصريا كبيرا، في مشاعرهم، تجاه العرب، الأمر الذي يطرح سؤالا لا بد منه وهو: ما هدف هار إيفن، إذاً، من محاولة التسويغ هذه؟ حسب أحداث القصة، وفي ضوء العلاقات التي تربط بين شخصياتها، يبدو أن الهدف الأهم لكتابتها هو السعي لتحرير الضمير الإسرائيلي بشكل غير مباشر من عقدة الإحساس بالذنب تجاه عملية احتلال أراضي الغير ظلماً، ودون أي وجه حق، ثم طردهم خارجها بالقوة. ومع أن هذه المسألة قد لا تكون مهمة، في نظر الكثير من الإسرائيليين الذين شوّهتهم التربية العنصرية، وخنقت صوت الإنسان فيهم، طيلة سنوات عديدة، إلا أن الأمر، بالنسبة لأديبة مثل هار إيفن، قد يبدو مختلفاً الى حد ما، كما توحي القصة أحيانا، في بعض أجزائها، إذ يمكن لقارئها، أن يستشف من خلال التمعن في قراءتها، أن مؤلفتها تسعى الى محاولة إيجاد مسوّغ للاحتلال واستمراره، بهدف إراحة ضميرها هي أولاً، قبل ضمائر قرائها من الإسرائيليين. أما الوسيلة التي اختارتها الأديبة للوصول الى هذا الهدف، فيمكن توصيفها بأنها كانت وسيلة ساذجة جداً، وغير مقنعة على المستويين الواقعي والفني، لافتقارها الى ما يؤيدها من حقائق الواقع ومعطياته الأكيدة الثابتة. ذلك أنها حاولت تسويغ عملية الاحتلال واستمراره عن طريق الادعاء بأن الفلسطينيين أنفسهم هم الذين رفضوا استعادة أراضيهم المحتلة، حين عرض عليهم محتلوها الإسرائيليون إعادتها إليهم مقابل السلام معهم، وهو ما لم يحدث على أرض الواقع، في أي وقت من الأوقات، ولكن هار إيفن حاولت إيهام قارئها الإسرائيلي بحدوثه، لتجعل منه ذريعة تستطيع أن تقول له من خلال إسباغ لبوس الحقيقة عليها: ما دام العرب هم الذين يرفضون استعادة أراضيهم المحتلة من قبلنا، فلم يعد ثمة مسوّغ ولا داعٍ لأن يشكل استمرار احتلالها أي أزمة أخلاقية أو نفسية لي أو لك أيها القارئ الإسرائيلي! ألا يبدو هذا منطقا موروبا للغاية؟ بلى، ولكي نتأكد من افتقاره الى الحد الأدنى من المصداقية والمعقولية، لنتابع أحداث القصة وأبرز مجرياتها، ولو بإيجاز. فماذا تقول هذه القصة؟ تجري أحداث القصة في القدس الشرقية. فبعد احتلالها وتوحيدها مع القدس الغربية، يعثر (بطل القصة) مصادفة، في دليل الهاتف، على اسم أنطون بشارة. وسرعان ما يردّ الاسم ذاكرته الى أحداث حرب 1967، وتحديدا الى ذلك اليوم الذي استولى فيه المحتلون على فيلا صاحب الاسم (أنطون)، وأباحوا لأنفسهم الاستيلاء على كل ما كان فيها، الأثاث، النفائس، وحتى المكتبة التي كان بين محتوياتها مسرحية »يوليوس قيصر« لشكسبير، والمذكرات الخاصة لصاحب الفيلا، والتي كانت تتضمن أسراره مع أفراد أسرته. الآن، وبعد أن تحولت الفيلا الى عيادة لطب الأسنان، تقفز الى ذهن بطل القصة فكرة غريبة، فيقول لنفسه: الآن، وبعد توحيد شطري القدس، صار بالإمكان أن أعيد المسرحية المسروقة الى صاحبها. لماذا؟ لنستمع الى حوار بطل القصة مع نفسه في هذا المونولوج الداخلي، كي نعثر على الإجابة المطلوبة: »حينما رأيت اسم أنطون بشارة في دليل الهاتف، لم أستطع أن أحتمل مسرحية شكسبير هذه عندي، ولو للحظة واحدة، بعد ذلك... لقد شعرت كما لو كانت عندي منذ واحد وعشرين عاما نقطة خفية من القلق، سوف تهدأ وتستكين حالما أعيد هذه المسرحية... لقد مر الزمن وأنا أبحث عن شيء أجعل منه جسرا بيني وبينه دون جدوى، فلأقابل هذا الرجل الذي مرت بي تلك الليلة الغريبة في بيته«. ويذهب بطل القصة للقاء أنطون، وبعد حوار مثير يجري بين الرجلين، ينتهي اللقاء بينهما نهاية تعتبر طبيعية من وجهة نظر العربي المصر على استعادة كامل حقوقه، ولكنها تبدو غريبة وغير واقعية إطلاقا، كما أرادت لها الكاتبة أن تبدو في نظر بطل روايتها الإسرائيلي، وكما أرادت أن توظفها. بتعبير آخر: يمكن توصيف هذه النهاية بأنها نهاية مفتعلة، أرادت الكاتبة من خلالها، القيام بعملية غسل ضمير للمحتل الإسرائيلي، ممثلاً ببطل قصتها، تطهره بها من ضغط الإحساس بذنب استمراره في احتلال أراضي العرب وسرقة أشيائهم الخاصة، هذا على افتراض أن هذا المحتل قد أحس، ولو للحظة واحدة، بمثل هذا الإحساس.. وقد تم بناء هذه النهاية المفتعلة برفض أنطون الذي يعتبر رمزاً للإنسان الفلسطيني في القصة، عرض بطل القصة الإسرائيلي الذي قدمه له، وهو إعادة مسرحية شكسبير المسروقة من فيلاه في حرب 1967 كعربون على رغبة الإسرائيلي بالصلح والسلام مع أنطون. هذا الرفض الذي يبدو منطقيا ومشروعا، من صاحب الحق في استعادة أي جزء من حقه، مقابل التفريط بالباقي، كما يحدث اليوم، للأسف، لا تفسره الكاتبة على أنه مطالبة مشروعة بإعادة كامل ذلك الحق المغتصب، أي إعادة الفيلا والمدينة المحتلتين، وليس الكتاب فقط، لإثبات رغبة الإسرائيلي بالسلام، بل تفسر هار إيفن رفض أنطون للعرض الإسرائيلي، كدليل على عدم رغبة العرب في استعادة بعض ما فقدوه، ثم تتخذ من هذا الرفض للجزء، دليلاً على أن العرب يرفضون استعادة الكل، أي كل ما فقدوه من أراضٍ وأملاك، احتلتها منهم إسرائيل في الاعتداءات المتكررة التي شنّتها عليهم، ثم تجعل من هذا الرفض المزعوم لاستعادة الكل، دليلاً على أن العرب يرفضون السلام مع إسرائيل التي جاءتهم مادة إليهم يدها بالسلام. وما دام الأمر على هذا النحو، فإن من حق الإسرائيليين، في نظرها، الاحتفاظ بما احتلوه من غير تأنيب ضمير، ما دام صاحب هذا الحق يرفض أن يستعيده، كما توحي بذلك كلمات الحوار الذي يدور بين أنطون والإسرائيلي، وكما تؤكد خاتمة القصة التي نرى فيها الإسرائيلي يعود من حيث أتى حاملاً المسرحية الشكسبيرية معه، مرة أخرى. من الجائز أن يجد الناقد العربي، في هذه القصة، نموذجاً للأدب الإسرائيلي الهادف والموجه لتسويغ الاحتلال من جهة، ولإراحة ضمير المحتل من جهة ثانية، عبر ادعاء هذا المحتل بأن خصمه العربي لا يريد السلام معه، بدليل أنه يرفض استعادة بعض حقوقه المغتصبة أو كلها؛ ولكن من الضروري أن ينتبه أي قارئ للقصة، عربياً كان أو غير عربي، إلى أن مثل هذه القصص المفتعلة البناء والأحداث لا يمكنها أبداً أن توصل قارئها الإسرائيلي الى راحة ضمير، إذا كان يعذبه ذنب الاحتلال فعلاً، لأن هذا العذاب، إذا وُجد، وغالباً لا وجود له إلا في مخيلة كاتبة مثل هار إيفن، يعتبر دليل ضمير حي ما زال ينبض، في أعماق صاحبه، وهذا الضمير الحي لا يرضى برشوة كالتي تقدمها له الكاتبة في القصة، أي بإعادة جزء صغير جداً وتافه جداً من المسروقات، لتبيح له الاحتفاظ بالباقي كله.. بل لا يرضى مثل هذا الضمير، ليرتاح، إلا بإعادة الكل، وإلا سيظل مرهقاً بمطاردة شبح ضحيته ليل نهار. (1) صدرت الترجمة العربية التي قام بها توفيق فياض لهذه الرواية، عام 1981، عن دار الكلمة للنشر، في بيروت. (2) نقلاً عن دراسة لمحمد عفيفي مطر، منشورة في مجلة أقلام العراقية، الصفحة 160، العدد التاسع، السنة الرابعة عشرة، حزيران 1979. محمد توفيق الصواف