As Safir Logo
المصدر:

الحوزة العلمية والتحديات المعاصرة ([)

المؤلف: النابلسي عفيف التاريخ: 2009-03-09 رقم العدد:11240

إن دراسة المسار التاريخي للحوزة العلمية في شقيها القمّي والنجفي يفرض قراءة شمولية ـ استيعابية للظروف التي حكمت واقعها الثقافي والاجتماعي والسياسي. والقصد من وراء ذلك أن لا يدور التقييم ـ أي تقييم ـ مدار المفاهيم الانتزاعية والاعتبارية. أو مدار العقل المصلحي الذي يقع باستمرار عرضة للخطأ والتوهمات والاشتباهات أو نتيجة ما يعكسه ظرف من الظروف وما يستدعيه من ملابسات. بل لا بدّ أن ينشأ أي تقييم من حيثيات وجودية واقعية يلاحظ فيها التشخيص الدقيق للموارد التي هي مجال النقد والدراسة. ويدخل فيها السلبي والإيجابي من منطلق التسليم بأن السلبي يجب أن يُصحح وأن الإيجابي يجب أن يُمدح. وحين أحاول او يحاول غيري من داخل الحوزة أن يضيء على بعض الأمور الحوزوية، فإن ذلك يأتي وفق منطلقات إصلاحية تهدف إلى إنماء المنحى التنوعي والتعددي في التفكير الاجتهادي, وبقصد إشاعة مفاهيم الدين, وتعميق الرؤية الإلهية في المجتمعات الإنسانية, وبغرض تقديم مقاربات سليمة لما يحفل به الواقع من تحديات وأحداث وأزمات تتعلق بمعظم شواغل الناس وهمومهم على أكثر من صعيد. ونظراً للثقل الروحي والعلمي الذي مثلته الحوزة وما تزال, وكرستها الإنجازات الهائلة في مضمار العلوم الشرعية في كل مجالاتها ومستوياتها. وما صاغته من هوية إيمانية ـ اعتقادية للتابعين والسائرين على نهج أهل البيت(ع) التي تميزت بغنى القيم وثراء المبادئ والرؤى والنتاجات العقلية والتربوية والاجتماعية, وما شكلّته من مصدر إلهام معرفي وقيمي واعتقادي وحقوقي للمسلمين الشيعة على مر العصور، وما راكمته من تجارب ثورية ضد المحتلين، وفي مواجهة السلطات الظالمة دفاعاً عن شرعيتها ومصداقيتها وتواجدها أمام محاولات اختراقها وتدجينها وإفراغها من أصالتها وتحييدها عن ساحات العمل السياسي والحركي. أقول نظراً لهذه الخصائص والأبعاد استمرت الحوزة تشكل محوراً للبحث والنظر والنقد من جانب الحرصاء على تطور الحوزة في شتى الميادين وتحسين أدائها وفاعليتها على ضوء المتطلبات والتحديات المعاصرة. ومن جانب فئات أخرى أثارت آلاف الشكوك والشبهات والانتقادات والمواقف السلبية بغية تحطيمها وعزلها كلياً عن الامتدادات الشعبية وإقصائها عن مسرح القيادة في جوانبها النظرية والعملية. وإن دلّ هذا الأمر على شيء فإنه يدلّ على أهمية الدين وخطورة الفعل الديني في واقع الناس على المستوى المعرفي والذهني والعاطفي والسياسي. هذا وقد تضاعف الاهتمام بالحوزات العلمية مقارنة بالماضي مع انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه, حين خطى بالحوزة خطوات عملية وجريئة, محطماً أسوار العزلة التي أحاطت نفسها بها، وبالفقه التقليدي، الذي حرّره في سكونه لينشط في قلب الأحداث, فاعلاً تجاه المستجدات والتحديات والتحولات المتسارعة في الحضارة الإنسانية التي تحتاج إلى فقه يتجاوب مع الكم الهائل من المسائل المستجدة داخل المجتمعات والبيئات الإسلامية المتعددة. وإلى الارتقاء من الفقه الفردي الذي يتناول شؤون الأفراد، إلى فقه اجتماعي يتناول شؤون الأمة في مختلف المجالات والأبعاد. وكذا فعل الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر من النجف الأشرف حين خاض بحثاً وتأليفاً ومناقشة في أعقد المسائل الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية وتمكنه من أن ينطلق بالحوزة والفقه إلى رحابة المجتمع والحياة وإلى فضاءات علمية وفكرية وثقافية ما كانت الحوزة معتادة عليها من قبل. وفي مرحلة حساسة من مسار الحوزة في قم والنجف الأشرف استعاد الفقه دوره السياسي واستعاد العلماء والفقهاء مكانتهم في قيادة المجتمع وإدارة شؤونه. وشكلت حقبة الستينيات والسبعينيات انعطافة في الفقه الاجتهادي الإمامي وفتح الفقيهان الإمام الخميني والإمام السيد محمد محمد باقر الصدر عهداً جديداً في الفكر الاجتهادي طال مختلف الميادين التي تهمّ واقع الأمة ككل حيث تم ملء الكثير من الفراغات التشريعية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وإذا كنا نتحدث عن «متغير حوزوي إيجابي» بدأت ملامحه بالبروز من مركزي النجف الأشرف وقم المقدسة في الربع الأخير من القرن الماضي. فلا يعني ذلك أن المرحلة كلها كانت مليئة بالإيجابيات وأن لا آفات وعقبات وصعوبات اعترضت واعترت تلك الحقبة على مختلف المستويات، بل نجد من المفيد في سياق معالجة القضايا الحوزوية والدينية العامة ملاحظة كل الجوانب السلبية واستعراضها وتدوينها وتقييمها، لأننا ملزمون من باب الحرص على هذه المؤسسة الثقافية الدينية الدفاع عن حريمها من خلال إصلاح ما يعرض من شوائب وتطوير ما يجب من برامج. وكذلك من خلال ما تتعرّض له من هجمات خارجية من طواغيت الفكر والسياسة على حد سواء. وهنا لا مناص من نقد تحليلي للقضايا التي تلامس مسائل الفقه وأولوياته, ودور المؤسسة الدينية في بناء السياسات العامة ووضع المعايير وإيجاد الأهداف المرتكزة على الايديولوجيا والفكر الإسلاميين في مجالات السياسة والتربية والتعليم والاقتصاد... وكل ما من شأنه أن يعلي من شأن الدين ويقوي أركان الشريعة في المحافل والساحات الوطنية والعالمية. ولا يُخفى على أحد, أن الأوضاع الاجتماعية الخانقة، والسياسية المرعبة، تاريخياً، خلّفت ندوباً عميقة على مجمل البنية الحوزوية, ومن جملة الآثار إن ظل الفقه الاجتهادي حبيس المجال الفردي، وحيل بين الفقهاء وبين تطويرهم للفقه في جوانبه الاجتماعية والعامة. ومن مؤديات هذا الواقع ان الفقيه كان يعيش نوعاً ما بعيداً عن قضايا عصره وعن ممارسة دوره الريادي في قيادة المجتمع. فخلت الساحات من تيارات دينية ـ سياسية إلا من بعض الاستثناءات. وبالنظر إلى حجم المتغيرات في الخارج، والأشواط التي بلغها التقدم العلمي في شتى الميادين، فإن البعض لا يرى أن الحوزة قد تحرّكت بما يتناسب والظروف والمتطلبات الزمانية والمكانية. وهذا ما أدى إلى رسم علامات استفهام حول البطء في مواكبة التحديات السياسية ومواجهة الأفكار العالمية والمفاهيم المتطرفة أو المضادة للدين. بالطبع إن القيام بهذه المهمة ليس بالأمر السهل بالاستناد إلى ما مرّت وتمر به الحوزة من معضلات داخلية ومن هجمات خارجية. ولكن لا بد أن يكون هناك وضوح في المهام والأهداف والسياسات والواجبات. وهذا لا يتأتى إلا من خلال حراك داخلي في مجمل مرافق الحوزة. فإيجاد خطاب ديني فاعل بات في منتهى الضرورة وقيام مرجع بمفرده بمهمة هذا الخطاب لا يسدّ الفراغ كاملاً. فالحوزة كل الحوزة بمجاميعها وهيئاتها يجب أن تنهض لتواجه المسؤوليات على أكمل وجه. لا شك في أن المنحى الذي فرضته الحضارة الغربية ثقافياً واقتصادياً وسياسياً والأحداث العصيبة التي عاشتها أمتنا فرضت تحديات قاسية على الحوزة في تأكيد قدرة الدين على النماء والتطور والتفاعل ومواكبة التقدم البشري في إبداعاته, وفي إنتاج المفاهيم والقيم الدينية, وفي تقديم مقاربات نقدية للحضارة الحديثة وفي تصحيح الاعتقادات والسلوكيات التي تعكس صورة الدين الإسلامي داخل المجتمعات والبيئات الإسلامية وخارجها. وإذ أحسب أن الحاجة ملحة لبلورة بعض الرؤى بما يتناسب ودور الحوزة بما أراه, فإني أتقدم ببعض المقترحات على أمل أن توظف في سبيل خدمة الدين الإلهي وصلاح الإنسانية: أولاً: إن تغيير وإصلاح الواقع الراهن من واقع مليء بالمفاسد الاجتماعية والانحرافات الفكرية وغيرها إلى واقع يقوم وينهض على هدي الدين والقيم الدينية يستوجب إشاعة المفاهيم والمعارف والمضامين الدينية بحيث ترتبط ممارسات الناس وسلوكهم بالتعاليم والضوابط الدينية. فمهمة الحوزة هي إعلاء كلمة الدين وتنمية الثقافة الدينية وتسويقها على مستوى العالم كله. فلا يجب أن تكون هناك أرض مغلقة على الحوزة الدينية لا تستطيع الدخول إليها ولا التواصل مع ناسها. وفي سياق تحقيق هذا الهدف فإن على الحوزة بمجاميعها أن تتولى شرح الأبعاد المعنوية والأخلاقية والجمالية والاجتماعية للدين مجرداً عن أي أغراض أخرى. لأننا نتوخّى توجيه الناس والمجتمعات صوب الفطرة النقية التي توصل وتربط الإنسان بالله, وكذلك باتجاه المعتقدات والسلوكيات التي تنسجم مع الفطرة والعقل. وفي موازاة ذلك يجب على الحوزة أن تبرهن أن الدين قادر على حل مشكلات الإنسان وتغيير واقعه المعاش والسمو به نحو الكمال. وإثبات أن الحروب والمجاعات والحرمان والأمية والجهل والتخلف ناشئ من النزعات المادية التي جعلت الإنسان رهين الظلم بكل مستوياته. ثانياً: إبراز عالمية الإسلام على مستوى الشريعة والأخلاق والقيم ... في إطار من المباني النظرية والعملية، والابتعاد عن النظرة المحلية التي تقيد الإسلام بالحدود الجغرافية التاريخية، بل هناك ضرورة لاختراق المحافل الدولية وإظهار قدرة الإسلام على التخاطب مع كل المجموعات الإنسانية وقدرته على توليد الأفكار التي هي محط اهتمام كل البشر. بل إن الحوزة مطالبة بتفكيك علمي لقيم كالعولمة والليبرالية والعلمنة وغيرها من القيم والمفاهيم التي طغت على كل ما عداها من نتاجات ثقافية أخرى نتيجة قوة الثقافة الغربية. وإعادة التشكيل المفهومي لكثير من المفاهيم السائدة التي تتعلق بالفكر والحقوق والتربية والحرية والتنمية وغيرها من المفردات التي تتعارض بنسب متفاوتة مع منظومة القيم في الدين الإسلامي. ثالثاً: إن الكثير من الإشكاليات والالتباسات والهواجس التي أرّقت العقل الغربي بشكل خاص كان بسبب هشاشة الصلات الفكرية مع الغرب, وضعف آليات التواصل الثقافي, وتراجع الالتزام بالحوار كأساس لحل الكثير من المشكلات في شتى الميادين والمجالات. وأنا هنا لا أريد أن أنقد الطرف المقابل وما هي إشكالاتنا عليه وهي كثيرة، فهذا له مورد آخر. ولكن من جانب الحوزة فإن عليها أن تشارك في مسؤولية أمن واستقرار الأسرة الكونية من خلال رفع الموانع المسببة بالعديد من الأزمات. وان تدفع باتجاه تقارب الشعوب والأمم فيما بينها إن لم يكن على المستوى الديني فعلى المستوى الإنساني. من هنا كان على الحوزة أن تسهم في تنمية المسارات الحوارية, وتهيئة الظروف الفكرية والنفسية لتعزيز مجالات التقارب والتواصل بما يخدم وجود الإنسان وكماله, وكذا الأمن والسلم في العالم كله. وتأتي مسائل الحوار بين الأديان من المسائل البالغة الأهمية على صعيد الاجتماع الإنساني وعلى صعيد العيش المشترك. وهذا الأمر يجب ان لا تقوم به الحوزة تطوعاً بل هو واجب عيني على المستوى الثقافي. فبالمقدور أن نستلهم من روح الدين والشريعة الإسلامية والمصالح العامة ما يوضح الرؤية الإسلامية فيما خصّ التعامل مع أتباع الأديان وموقف الإسلام تجاه البيئات المتعددة والمجتمعات المختلفة التي تضمّ خليطاً من المؤمنين بالرسالات السماوية والاعتقادات الدينية. وإذا كنا اليوم نسعى لكسب رأي عام مسيحي مساند وداعم لقضايا المسلمين وعلى رأس هذه القضايا قضية فلسطين. وإذا كنا نراهن على تحول سياسي ـ اجتماعي على مستوى الفكر والخطاب في العالم الغربي. فيجب أن نخطو إلى الأمام في مسيرة تطوير العلاقات الإنسانية والثقافية والسياسية بين المسلمين وبقية الشعوب في العالم على اختلاف انتماءاتهم الدينية والإيديولوجية. ويجب أن نعقد العزم على بناء صلات وثيقة وفاعلة على ضوء رؤية تقوم على فلسفة القيم المشتركة بين جميع الأديان, وتبعاً للمصالح المشتركة حيث يمثل الوفاق الأساس في أي مسار حواري أو برامج تعاونية. رابعاً: من الآفات الخطيرة التي علقت بجسم الأمة الإسلامية مسببة أثاراً سيئة على المسلمين, آفة التكفير، التي خلفت دماءً وأحقاداً وعداوات وحواجز نفسية بين فئات المسلمين في أكثر من مكان في هذا العالم, وأدت بالتالي إلى تشويه صورة الدين الإسلامي على مستوى المباني النظرية والتعاليم الأخلاقية. والمشكلة هي في ضيق أفق بعض التيارات والجماعات المتطرفة التي خلقت أزمة مفاهيم وقيم ونصوص, فأوجدت أرضية صالحة للخلاف والشقاق والشرخ بين أتباع المذاهب الإسلامية. هذه الذهنية السلبية التي حملتها هذه التيارات وهذه المجموعات المنغلقة، توظف لها اليوم إمكانيات هائلة من المسلمين أنفسهم ومن غيرهم ممن يجد مصلحة في تمزيق الأمة. ويُلاحظ في إطار رصد هذه الظاهرة الخطيرة التي تنامت وتضخمت لأسباب كثيرة. إن هناك عجزاً ثقافياً وفكرياً في الحد من هذه الظاهرة ولجمها، والمؤسسات الدينية سواء منها السنية أم الشيعية وقفت مذهولة وحائرة أمام هذا المد التكفيري المتعاظم. ولا أذكر أن مؤتمراً واحداً جمع علماء السنة والشيعة قد انعقد لدراسة هذا الأمر. وحتى مؤتمرات التقريب بين المذاهب الإسلامية بدت مشلولة وفي منتهى الإحباط، ولم تملك من المقدرة والكفاءة والوسائل والأدوات ما يمكنها من وقف تمدّد هذه الظاهرة بين صفوف المسلمين, والحدّ من هذا المنهج القائم على الفرز والتصنيف والتميز, والجاعل من السيف الحَكَم الذي يفصل بين المختلفين في الفكر والعقيدة. ويتضح بشكل جلي ان هناك أزمة تفاهم وحوار، وان لا مبادرات جدية من قبل العديد من المجاميع الدينية للتحرر من هذا الواقع الذي يجثم على جسد الأمة وروحها. فإذا كان هناك من لوم على مؤسسات التقريب ففي كونها لا تتوجه بشكل فاعل وجاد لحل هذه المعضلة، ولكونها تفتقر إلى استراتيجية شاملة في مقاربة هذا الملف وانعكاساته الخطيرة على الإسلام وواقع المسلمين. أما بالنسبة إلى الحوزة, فتبدو بعيدة عن مقاربة جذرية لهذا الملف، وقد يكون حالها حال الذي يمشي بين الألغام. اما انهماك البعض داخل الحوزة في الردود العقائدية الجزئية والفرعية فإن ذلك لا يعدّ المنحى المطلوب في مقاربة أبعاد هذه الظاهرة. فيجب التأكيد على أن التماس أسباب الخلاص وعودة العافية والوحدة إلى الأمة لا يتحقق إلا بقراءة وتشخيص دقيقين لهذه الآفة. ومن خلال مجموعة من التدابير والاستراتيجيات والأدوات التي يجب أن يتبناها المصلحون المخلصون من علماء هذه الأمة ويتحمل فيها كل رجل دين وكل فرد مسلم مسؤولية في وعي الدين وتقديمه للناس بطريقة مستنيرة. وهكذا نكون سنة وشيعة على مستوى المراكز الدينية الرئيسية وعلى مستوى الأفراد والجماعات نساعد أمتنا على استعادة هويتها الدينية الأصيلة وتصحيح صورتها ومسارها على مستوى العالم والحضارة الإنسانية. وعلى هذا الأساس, على الحوزة أن تبادر إلى بلورة تصور واضح تضعه في تصرف كل العاملين لخير هذه الأمة، يمهّد الوصول إلى سياسات وإجراءات تواجه هذه الآفة بكل مخاطرها وانعكاساتها. خامسا: لقد شكل الاحتلال الأميركي للعراق ضغطاً هائلاً وتحدياً كبيراً على الحوزة العلمية. وساعد في ذلك الدعاية السلبية التي قامت على ادعاء تواطؤ الحوزة مع الاحتلال. ووفق هذا الإدعاء ووفق قاعدة المحاباة والمهادنة والتحالف الضمني، حرص الاحتلال والإعلام المعادي على إظهار رفض الحوزة لخيار المقاومة. ونتيجة ذلك بدت بعض التيارات الدينية التي رفعت شعارات مناهضة للاحتلال الأميركي وكأنها خارجة عن إجماع الحوزة. من دون شك أن المرحلة التي مرت بها الحوزة العلمية في النجف الأشرف قبل الاحتلال الأميركي للعراق وأثناءه مليئة بالضغوط, وتجاذبتها الكثير من الآراء والمواقف والاجتهادات. ومن المفيد جداً استعراض حيثيات ما جرى على سبيل الدقة من دون أن نخدش بأحد. فثمة حاجة إلى فهم الرؤية التي كوّنتها الحوزة، والمعطيات التي تجمعت لديها والتي حالت دون أن تواجه الموقف بالجرأة التي كان كثيرون يطالبون بها. وما إذا كانت للعزلة السياسية التاريخية وقلة الخبرة دخالة بهذا الأمر، أم أن الحكمة والمصالح الواقعية للناس هي التي صاغت مفردات وعناصر الموقف السياسي. في كل الأحوال فأنا لا أسعى في هذه الورقة للردّ على كثير من الاستفهامات الملحاحة التي طرحها الكثيرون داخل وخارج العراق, فهذا ليس مهمة هذه الورقة ولم يكن الغرض بيان حال الارتباك والتردّد الظاهرين اللذين رافقا الموقف أثناء دخول الاحتلال إلى العراق. ولكن القصد من وراء ذلك هو دفع الحوزة لإيجاد مقاربات واعية حول موضوعة المقاومة، وعدم اشتراط أن يكون ذلك منوطاً بوجود احتلال أو عدم وجوده. فالحوزة عليها أن تكون مستعدة دائماً على تقديم رؤى ترتبط بوقائع راهنة, أو ما يمكن ان يطرأ ويستجد في المستقبل من موضوعات وقضايا. والحال في أيامنا هذه أن عليها أن تتنبه إلى ضرورة عرض رؤية دينية تتعلق بالمقاومة تأخذ فيها بعين الاعتبار الواقع الدولي وما يطرح من أفكار ونظريات إلى جانب التحديات التي تواجهها أمتنا الإسلامية على الصعد كافة. إن إيجاد مثل هذه الرؤية سوف يضع أمام المسلمين وأتباع المذهب الإمامي بشكل خاص استراتيجية ترتبط بشكل قاطع بالهموم والأحداث المعاصرة. ويجعلهم يعملون في سياق المهام والمسؤوليات الموكلة إليهم. ولا شك في أن هناك حاجة للاستفادة مما قدّمته الحوزة القمّية من فتاوى وأبحاث ودراسات ومواقف لمقاومة الشعب الإيراني، أثناء العدوان عليه من قبل النظام الصدامي. وكذلك بالنسبة إلى تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان مع الاحتلال الإسرائيلي والدور الذي قام به العلماء لتأصيل المقاومة ورفدها بالمستندات الشرعية كي تستجيب لمتطلبات الصراع وتطوراته. إن قضية المقاومة في عالم اليوم من القضايا المستعصية فكرياً وسياسياً، وحماية قدسيتها مما يُوصم بها من إرهاب, وتمييزها عما يقوم به البعض من تصرفات مشينة وخاطئة. وتدوين الأهداف الإلهية والاجتماعية الناتجة عنها، من الأولويات التي نرى ضرورة في أن تتحرك الحوزة لمقاربتها على مستوى التنظير والفعل. سادساً: إن مذهب اهل البيت(ع) من المذاهب التي تمتاز بحيوية ودينامية متجددة باستمرار, وطاقة ثورية تسنى للعالم أن يرى بعض تجلياتها في ايران والعراق ولبنان, ونحن ما نقترحه على الحوزة أن تمد الإنسان في هذا العالم بالفكر المستنير والمتطور لأهل البيت(ع) والإمكانيات الهائلة التي يختزنها هذا المذهب في حل المعضلات الروحية والأخلاقية والمادية التي يتخبط فيها العالم المعاصر. إن سياسة الانفتاح الثقافي والفكري والمعتقدي على شعوب العالم يستوجب من الحوزة أن تضع استراتيجية شاملة للتعريف بهذا المذهب لتستفيد البشرية ما أمكنها في سبيل استقرارها وكمالها وسعادتها. إنّ ما ذكرناه ليس له من غاية إلا الحرص على الحوزة العلمية, وما يدفعنا إلى تقديم بعض الاقتراحات هو ما ننشده من تقدم لهذه المؤسسة التي حمت الدين ومذهب اهل البيت في أصعب وأشد المراحل خلال مسيرتها العلمية والتبليغية. ([) ورقة قدّمت إلى مؤتمر الحوزة الدينية والأحداث الراهنة المزمع انعقاده في النجف الأشرف.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة