تبدو مناطق بيروت وضواحيها هذه الأيام وكأنها جزر منفصلة، تبني حواجزها أسلاك كهربائية، ويفرض غربتها بعضها عن بعض معيار الضوء.. أو العتمة. فحجم »حصة« الطاقة الموزعة بات هو المقياس الحالي لتصنيف أفضلية المناطق أو الشوارع، ولكن تبعاً »لمحظوظية« كل منها، وليس من منطلق سياسة استهداف منطقة دون أخرى بطبيعة الحال! .. ولكن عدم وجود نية الاستهداف والتخصيص، لا يبرر عشوائية توزيع الطاقة، وخصوصا في ظل الإعلان عن برنامج تغذية جديد ومنظم في »مؤسسة كهرباء لبنان« منذ حوالى أسبوع، بمعدل 14 ساعة يومية..! مثل هذا الإعلان على ضوء جولة ميدانية قامت بها »السفير« بدا وكأنه نوع من أنواع الترف في معظم المناطق، فيما انقلب شكلاً من أشكال »الفأل« السيّئ في مناطق أخرى، تحظى بالكهرباء على مدى 20 أو 24 ساعة يومياً. وإذا كان معدل ساعات الكهرباء أحياناً لم يرق الى مستوى الإعلان »الرسمي«، إلا أنه ارتفع في الأسبوع الأخير الى ست ساعات، أي بزيادة حوالى ساعتين عن ذي قبل، كما في الشياح مثلا، إلا أن النسبة المعتمدة سابقا (وهي ست ساعات) لم تشهد تطورا في مناطق أخرى مثل صفير، مار الياس والحمراء، منذ تاريخ الغارة الإسرائيلية على محطتي الجمهور وبصاليم. عشوائية التغذية غير أن المشكلة بالنسبة الى البعض ليست في نسبة ساعات التغذية فحسب، وإنما في عدم تنظيمها وعشوائيتها، من حيث تفاوت مواعيدها، وتعرضها للقطع مرارا خلال »الدوام المجحف«، بحسب عامر عاصي (الشياح)، الذي يؤكد انها تقطع لساعتين بشكل متقطع خلال الساعات الست، وهي المشكلة التي تعرِّض عددا من أصحاب المحال التجارية الى الخسارة، نتيجة إصابة بعض المواد الغذائية أو الحلويات بالتلف، وهو ما تعرضت له البوظة في دكان نوال أبي عاد (الأشرفية) التي تشكو: »حرمونا من الشغل هالصيفية«! ولا يخلو الأمر من عيوب »تقنية« أحيانا، من خلال وصول الطاقة ضعيفة الى المستهلكين، كما في حارة حريك، الشياح، مما يلزم البعض باعتماد سلم أولويات في هذا المجال، كأن تلغي سعيدة قاسم من حساباتها كل الأجهزة الكهربائية لحساب البراد فقط. ازدواجية الشوارع والمفارقة هي في انقلاب المعادلة رأساً على عقب بين شارعين متوازيين، أو حتى ضمن الشارع الواحد، تبعا لمصدر التغذية. ففي النصف الأول من شارع مار الياس لا تتعدى ساعات التغذية ستاً، في حين انها تصل في المقلب الآخر من الشارع الى 14 ساعة (بزيادة ساعتين في الأسبوع الأخير) بحسب علي قبيسي. وفي الوقت الذي ينعم فيه شارع ناصر في الأشرفية بحوالى عشر ساعات بحسب أبي عاد فإن شارع سيف الدين الخطيب الموازي يتخطى هذه النسبة الى 14 ساعة، تبعا لنمر أبو حمدان. وهذا ما ينطبق على شارعي »أسعد الأسعد« و»الموسوي« في الشياح، ففي حين لا يتعدى معدل التغذية في الأول ست ساعات، يصل في الثاني الى 14 ساعة، وإن تعرضت الكهرباء لبعض »الخروقات« المتقطعة! وإذا كانت التغذية ل14 ساعة أمرا بمتناول اليد بالنسبة الى البعض، فإن واقع الحال قد تجاوز هذه »الأمنية« الى ما هو أكثر إغراءً منها، من خلال حظ بعض المناطق »الاستثنائية« بحوالى 22 ساعة يوميا، في المصيطبة مثلاً، شارع الاستقلال، بحسب إبراهيم ناطور، و24 ساعة في برج أبي حيدر بحسب لمياء فغالي. ليلة »القدر« وفيما يتضمن الاعلان »الرسمي« ان الإنارة ستكون من نصيب معظم المناطق ليلاً، إلا أن مثل هذه الليلة تبدو في الواقع كليلة »القدر« بالنسبة الى بعض المناطق، التي لا تستضيء ليلاً إلا بمحض الصدفة، على حد تعبير ليلى سلمان (مار الياس)، انجيل كبّاس (الحمراء) وعلي هاشم (صفير) الذي يؤكد »انها بالكاد تفاجئنا ليلة واحدة أسبوعيا«. وفي المقابل، تنقشع عتمة ليالي مناطق أخرى بمعدل ثلاثة أيام أسبوعيا، بحسب أبي عاد وأبو حمدان (الأشرفية)، الراعي (الشياح) وقبيسي (ثكنة الحلو). اليوم الاستثنائي غير ان ما يقرّب الصورة تدريجاً بين المناطق، ويحد من تفاوتها في هذا المجال، هو اعتدال ساعات التغذية نسبيا أيام الأحد، الذي تحظى فيه معظم المناطق بأكبر معدل نتيجة انغلاق المصانع والمؤسسات برأي عدد من الأهالي، وهو اليوم الذي ترجئ فيه سيدات المنازل أشغالهن التي تتطلب الاستعانة بالطاقة الكهربائية! ولعل من ظواهر عدم الالتزام ببرنامج التغذية الأخير بشكل عادل، هو عدم انكفاء ظاهرة المولدات الكهربائية، وعدم تراجع نسبة الاشتراكات ولو بنسب ضئيلة عن ذي قبل، وهذا ما أكده عدد من الأهالي ومجموعة من أصحاب المولدات الذين برّر بعضهم الأمر بعدم حصول أي تطور فعلي في عدد ساعات التغذية في حين فسره البعض الآخر بعدم رسو »مؤسسة كهرباء لبنان« على مرساة معينة حتى الآن والى أجل غير مسمى!«. تحقيق: فاتن قبيسي