As Safir Logo
المصدر:

..ولعلمكم: كشّاش الحمام شهادته مقبولة

فارس مع غراهام ودي وين
المؤلف: عيسى ميسون التاريخ: 2009-02-25 رقم العدد:11230

يرفض البوح باسمه الكامل، لخوفه من معلمه في العمل. يقول: «ما بيعرف انّي كشّاش حمام، وإذا عرف بيخربلي بيتي». احمد الذي يعمل في معمل للحلوى، يعود ليوضح الصفة التي أطلقها على نفسه: «أنا بربّي طيور، مش كشاش حمام». هذا الخوف مرده إلى الصيت الذي يلحق بالـ«كشّاش» في الحيّ: «يلي بيكذب بالحمام بيكذب بكل شيء»، يقول أحمد، ثم يضيف واثقاً إن ذلك هو سبب عدم قبول شهادة الـ«كشّاش» في المحكمة. بدأ أحمد بـ«تطيير» الحمام منذ صغره، متأثراً بأخيه حسين (37 عاماً) الذي أمتهن «اللعبة» أكثر من 25 عاماً: «أحب الطيور لدرجة أني تركت أهلي مرة في الحرب الأهلية، عندما هربنا من منطقتنا. عدت وقتها الى البيت لأطمئن عليها وأطعمها. كانت بالنسبة إلي كل شيء في حياتي». اسم «اللعبة»، كش الحمام. يمتهنها البعض فتكون مصدر رزق لهم، أو تظل مجرد هواية غير محببة عند الكثير من الناس. مسرحها هو سطح المبنى، وطريقة اللعب هي على الشكل التالي: يقوم الكشاش بتطيير «كشّة» الحمام، فترتفع في السماء، وتختلط مع طير حمام غريب، فتجذبه. وعندما يعرف الكشّاش بأن «الغريب» صار وسط السرب، يبدأ بالتلويح، لتنزل الكشّة إلى «المحّط»، وهو عبارة عن شبك على محيط السطح، مخصص لذلك. فيعود الحمام الى بيوته، ويمسك الكشاش بالطير. فإذا سأله صاحبه، في الطرف الآخر، عنه، يكذب الكشاش وينفي سرقته. ولا يستطيع صاحبه الحقيقي فعل شيء، لكنه ينتظر جولة أخرى، فربما استطاع أن يأخذ بثأره، ويسترد الطير. وتتحول هذه اللعبة إلى مهنة إذا تم الاتجار بها. فأسعار الحمام لا يستهان بها، وقد يصل سعر بعض أنواعه إلى 2000 أو 3000 دولار، ويشتري الأغنياء هذه الأنواع من الحمام، كما يقول ديراني ديراني، وهو صاحب مزرعة للطيور في البقاع وبائع للحمام والعصافير في منطقة جسر المطار، مشيراً الى أن زبائنه من المحامين والدكاترة. وللمناسبة، فإن البائع هو أيضا كشّاش حمام. كما أن ابنه تعلم إلى مهنة بيع الطيور حرفة «الكش» التي يمارسها من على سطح منزله في برج البراجنة. وهناك أنواع وأجناس مختلفة من الحمام، يعدد لنا البائع بعضها: حمام «كش» وآخر «زقيقة»، وأسعارها تتراوح بين 20 ألف ليرة و40 ألف ليرة. وهناك أنواع تسمى بالكينغ، أي الملك، النهور، الشيخ، الساعي، الزاجل. وآخر اسمه دانس وهو الأثمن. وهناك أيضا اليهودي، الكشميري، الانكليزي، البلجيكي وغيره. وهي سميت كذلك نسبة إلى المناطق التي أتت منها. صراع كشّاشين تشوب هذه اللعبة الكثير من المشاكل بين الكشاشين، وأحياناً بين الكشاشين وبين جيرانهم، وذلك لما يتخلل هذه الهواية من إزعاج للآخرين. فالنداء بين الكشاش وسربه هو الصفير وكذلك رشق السرب ببعض الخضار لجعل الطير يرتفع أكثر. كما ان الخلاف بين الكشاشين، كثيراً ما يشهد صراخاً متبادلاً من على أسطح المباني. ومن الأمور اللافتة والغريبة ان بعضهم إذا التقط طيراً، يقتله ويعلقه على العمود، مقابل سطح الطرف الآخر، كتعبير عن الشماتة أو الانتصار في المعركة. ويتذكر حسين تعرضه مع أشقائه الأربعة، في إحدى المرات، إلى إطلاق الرصاص عليهم داخل المنزل، على إثر انزعاج احد الجيران من التصفير اليومي كل صباح. ويضيف شقيقه أن هناك أشياء أخرى تراكمت مع الجار الغاضب، وكانت قصة كش الحمام الدافع المباشر لهجومه. لا بد أيضاً من الإشارة الى ان آخرين ممن يكشّون الحمام، رفضوا التكلم عن مهنتهم هذه. وأكدوا في الوقت نفسه، أنهم ليسوا بكشاشين بل يربون الطيور فحسب. لأن في كش الحمام عرضة للانتقاص من سمعة الشخص بين الناس، في علاقاته في العمل وخارج حدود المنطقة التي يعيش فيها. شهادة مقبولة يقول المحامي عبد عيسى إن كشاش الحمام هو مسؤول عن أي ضرر قد يتسبب به للغير. وإن كان الحمام هو من سبب الضرر، فمالكه هو الذي يتحمل المسؤولية. ويُسأل من قبل الدولة في حال تسبب بإزعاج مثلاً. ويضيف إن الحديث الشعبي يقول إن كشاش الحمام لا يحق له الشهادة أمام المحاكم. لكن ليس في القانون أي مانع لذلك. فالممنوعون من الشهادة محددون بالقانون، ولا يرد بينهم كشاش الحمام. ويحق للشخص تربية الحمام، كما يحق له تربية أي نوع من الحيوانات، ولا مانع في القانون من ذلك، إلا في حدود المحافظة على حق الغير بعدم التعرض لممتلكاتهم أو لشخصهم، وبالتالي عدم التسبب بأي ضرر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة