كسب باراك ود واشنطن، هكذا جاء في كلمة هيئة التحرير لصحيفة »واشنطن بوست« يوم الثلاثاء. كان الهدف الاساسي لباراك هو إعادة علاقات اسرائيل الولايات المتحدة الى سابق عهدها، الى ما كانت عليه قبل »عهد نتنياهو الاسود« كما يقولون هنا، وقد حقق هذا الهدف، لقد خرج الاميركيون عن طورهم من اجل منح باراك الاحترام الذي يستحقه وحتى أكثر من ذلك. صحيح انهم كانوا يفعلون ذلك لكل من يحل مكان نتنياهو، ولكن الاستقبال كان مذهلا، لقد عاد باراك من واشنطن بسلة مليئة بالانجازات والوعود، وبعض هذه البضاعة مكرر. مثلا زيادة المساعدات الامنية على حساب المدنية (العملية التي بدأت في عهد نتنياهو)، او قصة رجل الفضاء الاسرائيلي (ترددت نكتة بأن اسمه لم يحدد بعد، ذلك لان مرشح باراك هو شمعون بيريز). وثمة جزء من البضاعة مثير، كذلك حقيقة ان الدولتين أصدرتا إعلانا مشتركا من خمس صفحات، ليس مسألة مهمة. ولكن الانجاز الحقيقي الذي استطاع باراك إنجازه هو إعادة العلاقات الاميركية الاسرائيلية الى سابق عهدها. ماذا قال باراك لكلينتون الكثير. كعادته احتل باراك الجانب الاكبر من الحديث في اللقاءات التي جرت بينهما. وخلافا لما يعلن مقربوه، فقد بسط باراك أمام كلينتون خطوطه الحمراء ورسم خارطة السلام النهائي بين اسرائيل وجاراتها العربية، لقد تحدثا عن الحدود الدائمة، عن الترتيبات الامنية، عن نوعية السلام وصورته، عن طريقة ادارة المفاوضات وعن دور الولايات المتحدة. وفي الموضوع الفلسطيني تحدث باراك بوضوح عن الدولة المستقلة، لن يعترف بذلك الآن، وقبل بدء المفاوضات، لكنه يعرف وكلينتون يعرف وعرفات يعرف، يجب ان يكون لهذه الدولة، كما وعد باراك، تواصل إقليمي، وفي الاماكن التي لا يمكن فيها إقامة تواصل، سيتم شق طرق التفافية، جسور وأنفاق (شارع التفافي القدس، مثلا، فكرة تستند الى دراسة خاصة أعدها في حينه رافي بيلد). وفي الموضوع السوري تم الحديث عن انسحاب (على هذا النحو او ذاك) من هضبة الجولان، بدون الخوض في التفاصيل الدقيقة. اعتاد باراك ان يعرض نفسه كتواصل لنهج رابين، ولكن ثمة فوارق غير بسيطة بينهما، كان رابين رجل التفاصيل الصغيرة، لقد توقف عند كل تلة، كل شارع وكل موقع، واستخلص رابين النتيجة النهائية من التفاصيل. غير ان باراك على العكس تماما، لقد حدد الهدف، رسمه، ومنه بدأ العمل. باراك يسأم التفاصيل الدقيقة. »أنا مستعد للمخاطرة« قال باراك لكلينتون »أنا أعرفهم، كنت تلميذ اسحق رابين حين سقط ضحية السلام، تابعت السادات حين دفع ثمن السلام، ومثلما لم أخش الحرب لن أخشى السلام«. كلينتون أحب ذلك، تحدثا عن الوضع السياسي في اسرائيل، عن الفرص. قال باراك انه لا يوجد في اسرائيل معارضة، الليكود محطم، ويحتاج الى وقت للانتعاش، لقد حصل على أغلبية ساحقة في الانتخابات. واذا لم يحدث ذلك الآن، أضاف كلينتون، فإن هذا لن يحدث ابدا. وافق باراك. قرر كلاهما السير معا الى الامام وبكل قوة. بعد ذلك تحدث باراك عن 15 شهرا، لا. لا يدور الحديث عن برهة من الوقت لإحراز السلام الشامل. بل فترة مطلوبة من أجل الاستعداد، وتركيز الجهود ومعرفة وجهة الامور. لكن، يؤكد رجال باراك، لا يوجد هنا موعد اخير، انه إطار زمني لين. رئيس الحكومة لن يطلب جائزة اذا تم إحراز الهدف خلال تسعة اشهر ولن يقفز عن برج عال اذا استغرقه ذلك 20 شهرا. بكلمات اخرى: خطأ الانسحاب من لبنان لن يتكرر. ماذا يقول باراك لعرفات في الاسبوع المقبل، سيحاول تجنيده لفكرة الدمج بين اتفاق واي والتسوية الدائمة. لقد أقنع كلينتون، وهذا هو السبب وراء المكالمة الهاتفية الطويلة بين الرئيس الاميركي وعرفات ليلة يوم الاربعاء، هذه المرة المهمة صعبة على نحو خاص، عرفات ليس صبيا وسيفضل عصفورا في اليد (13 في المئة من المناطق) على عشرة عصافير تحلق في السماء، ولكن لباراك ادعاءات ومبررات ليست سيئة اضافة الى قدرة إقناع لا تعرف الكلل. سيصف أمام عرفات الوضع بعد تنفيذ اتفاق واي »سيكون الوضع قابلا للانفجار« سيقول باراك »الكثير من المستوطنات ستكون معزولة، المتطرفون سيبدأون العمل وسيعود الارهاب، كل شرارة ستشعل حريقا كبيرا، انا لا أستطيع ان أتوقع كيف ستنتهي الامور، كيف سيرد الجمهور الاسرائيلي، عملية واحدة قد تقلب الامور رأسا على عقب. ستبقى عالقا في الارض التي ستحصل عليها، وكلانا لا نستطيع ان نتقدم قيد أنملة«. سيعرض باراك البديل، سيقول لعرفات انه في كل الاحوال، حتى لو نفذ واي، فإن هذا يستغرق عدة اشهر، المسيرة ستبدأ فقط بعد الاعياد (أيلول تشرين الاول) وتستمر عدة اشهر (لنفترض حتى كانون الثاني شباط 2000). ما اقترحه لن يستغرق وقتا طويلا، هيا نبدأ فورا بالتفاوض حول التسوية الدائمة، انا أفرج عن أسرى، نطبق كل البنود الصغيرة (الميناء، الممر الآمن وغير ذلك)، نقدم بوادر حسن نية، ننقل اراضي معينة. نحدد لأنفسنا موعدا نهائيا للاعلان عن المبادئ المشتركة حول التسوية الدائمة، لنفترض نصف سنة. حينها وبعد ذلك، ننفذ كل شيء معا. واذا لم نتوصل الى إعلان مبادئ كهذا؟ سيسأل عرفات. اذا تحصل على الارض حسب واي، في كل الاحوال، سيقول باراك، وكل هذا بعد تأخير شهر او اثنين على الاكثر، هذه كل القصة، انت تخاطر قليلا من اجل فرصة اكبر، هذه الوسيلة الوحيدة لصنع السلام بيننا. يؤكد رجال باراك مرارا وتكرارا: باراك لن يحاول ان يفرض شيئا على عرفات. سيتم كل شيء بالاتفاق، اذا وافق، حسنا، اذا لم يوافق، ليس سيئا. في هذه الحالة ينفذ باراك اتفاق واي على أمل ان لا يحدث مكروه في الطريق. واذا حدث سيضطر عرفات، بعد فوات الاوان للاعتراف بحجم خطئه. وعودة الى اميركا، لم يكن كل شيء ورديا، مثلا لقاء باراك مع وزير المالية الاميركي دونالد سامريس وكبار وزارته، لقد أبدى الاميركيون أثناء اللقاء اهتماما بالغا بالاقتصاد الفلسطيني تحديدا، لقد طلبوا من باراك فتح الحواجز، وزيادة عدد العمال الفلسطينيين، وزيادة الاحتكاك بين الاقتصاد الاسرائيلي وشقيقه (المتخلف) الفلسطيني. لم يتحمس باراك انا مع الفصل، قال، انا أفضل ألف عامل أجنبي من رومانيا او تايلاند، على ألف عامل فلسطيني، انا أعتقد ان الفصل سيفيد الشعبين. لم يتحمس نائب وزير المالية، وضع الفلسطينيين تدهور كثيرا في الآونة الاخيرة، قال، يجب مساعدتهم، لا فائدة من الاغلاق عليهم وعزلهم. باراك لم يلتزم بشيء، انا مع بناء بنية تحتية في السلطة الفلسطينية، أنا مع تقديم المساعدات، لكن ليس من طريق التكامل. كلما عمل فلسطينيون أكثر عندنا كلما زادت المشاكل. وكلما كنا بحاجة الى حواجز أكثر، وإهانات أكثر، واحتكاك أكثر، تستطيع الاسوار ان تسقط بعد 2 3 أجيال. ليس الآن. هذا من السابق لأوانه. مع ذلك تفرق الطرفان كأصدقاء، باراك سيحصل على المساعدات الموعودة، غداة مصادقة الكونغرس على الرزمة، مع علاوة 30 مليون دولار. عشية لقائه مع وزير المالية أجرى باراك لقاء سريا مع رونالد لاودر، المليونير المقرب الى نتنياهو والذي رفض في الاسابيع الاخيرة، وبشدة، الكشف عن فحوى مباحثاته مع حافظ الاسد. سأله مارتن انديك ودنيس روس في مناسبات مختلفة أي رواية صحيحة: رواية نتنياهو الذي ادعى ان السوريين وافقوا على حضور اسرائيلي في محطات الانذار في الجولان، ام رواية السوريين الذين ينفون ذلك. صمت لاودر ولم ينبس بأي كلمة. حتى في اللقاء معي أثناء مأدبة عشاء مع السفير زلمان شوفال رفض لاودر الخوض في التفاصيل، انه يعرف لماذا: بعد ساعتين من ذلك خرج سرا الى بلاير هاوس، حيث ينتظره ايهود باراك، هناك اجتمعا بصورة ثننائية لمدة طويلة، في نهاية اللقاء كان باراك يعرف كل شيء. تزود باراك بمعلومات هامة من لاودر، لاودر في هذا الوقت المهم، ضروري جدا لباراك. بن كسبيت (»معاريف« 23 7 1999)