»كان غير شكل الزيتون/ كان غير شكل الصابون«... تقول الاغنية الرحبانية ولذلك، فإن محمود شركس، يقوم سنويا بجولته الاعتيادية في موسم الزيتون لاختيار اجود الزيوت من اجل... صابوناته. فمحمود شركس، آخر الحرفيين الذين يتعاطون حرفة صناعة الصابون اليدوي. ورث هذه المهنة عن والده الذي ورثها بدوره عن والده. وهو حين تزوره في دكانه الصغير القائم في سوق النحاسين، تجد الى جانب الواجهة الزجاجية الضيقة التي تراصّت فيها مكعبات وكرات صابون زيت الزيتون لافتة تقول: »نحن في المشغل«. هكذا ومن دون اي ارشادات. ذلك انه من الطبيعي لمحمود شركس ان تسأل الجيران للاستدلال على مشغله الذي لا يبعد إلا امتارا عن الدكان. يدلونك على بناء قديم في الحارات القديمة لطرابلس. تدخل الى البناء الذي يتبين لك انه خان قديم اي فندق يعود لزمن كانت فيه وسائل النقل الحمير والبغال والأحصنة. وهكذا تجد في باحة الخان بركة مياه معدة لإرواء الحيوانات المسافرة. كما احاطت بالبركة وعلى مبعدة زرائب عالية السقف مع ابواب خشبية كانت تبيت فيها البهائم في حين كان اصحابها يبيتون في الطابق الاول. تصعد درجاً حجرياً ضيقاً يطل على السوق وما ان تصبح في الطابق الاول حتى تحل عليك برودة هندسة العقد بعد حرارة الخارج والرطوبة الثقيلة. تدخل على اليمين في ممر طويل لتجد رجلاً (45 عاما) جالساً على كرسي واطئة وقد وضع على حجره مريلة من النايلون في حين انهمك ببرش الصابون جاعلا البرش يتساقط بين قدميه في وعاء. تصطف حوله على ألواح خشبية طويلة كرات ملونة زاهية من الصابون المصقول. او سُتفت مكعبات بيضاء مائلة للاخضرار على شكل اهرامات عالية. اما جدار الممر، الذي تحول امتداداً للغرف المستأجرة بايجار قديم حسبما قال لنا محمود فلقد علقت عليها صور للوالد الراحل اثناء عمله بصورة اصلها اسود وابيض لكنها كبرت ولوّنت. بالاضافة الى قصاصات من صحف اجنبية انكليزية وفرنسية محلية وأجنبية تصوّر محمود اثناء العمل. يفاجئك الجو الحرفي الاصيل لمحترف محمود داخل السوق العتيق الذي تحول بمعظمه من صناعة محلية اصيلة الى تقليد للاصيل مخصص لاستهلاك السواح او ما يظنه التجار هناك جاذبا للسواح مما يندرج تحت عنوان "Souvenirس اي التذكارات الرخيصة المادة والتي يتراوح سعرها بحسب رأس الزبون. رائحة الصابون الاصلية تلفك وبرودة حجر العقد في الخان، فيراودك احساس بالنظافة وكأنك خارج للتو من الحمام »وكل خد عليه خوخة«. اما »خوخات« محمود شركس، اي قطع الصابون الكروية الزاهية الالوان، فتصطف على طول الممر بألوانها المتعددة والمختلفة: أزرق البحر وأزرق السماء، اصفر المرغريت وروح البنفسج. اخضر الزيت وأبيض اللؤلؤ المخلوط بلون زهري فاتح يشبه خدود فتيات المدارس بعد الفرصة... عن الألوان، يقول محمود انها كانت على ايام أبيه مجرد خمسة ألوان لا غير. إلا انه ولعشقه لهذه المهنة عمّق معرفته بها فأصبحت ألوان الصابون خمسين لوناً!!. وهو، حين يتحدث عنها تشتغل عيناه الخجولتان بالتماع المحب العاشق، فيسهب بالوصف على قلة كلامه. »تعرفت الى المهنة صغيرا، كنت آتي مع والدي الى المشغل فيجعلني اتحسس الصابون وأساعده ببعض الاعمال السهلة لطفل في عمري. وهكذا تشربت محبة الصابون وصناعته. وأحلى الساعات اقضيها هنا من الحادية عشرة صباحا حتى السابعة مساء، اللذة هنا تساوي عندي أفضل الملذات. اعمل وأفكر وأسرح واخترع اشكالا وألوانا جديدة، الشكل الكروي أنا اخترعته، وهو متعب التصنيع. فإذا لم تكن »الطبخة« دقيقة »عوضنا بسلامتك« يفرط الصابون او تصبح مادته اشبه بالبرغل المجبول!!. »أول ما افعله هو طبخ الطبخة اضع في الحلة مادة الكوستيك وأصلها من الملح، ثم اضيف المياه بمقدار واشعل النار. فتذوب المواد ببعضها البعض فأضيف زيت الزيتون الصافي ثم اعمد الى تحريك الطبخة كل برهة. تستلزم الطبخة حوالى خمس ساعات »لتستوي« بعدها، اسحب النار من تحتها وأتركها »تروق« في الحلة. عندها ينفصل الصابون عن المياه ويطفو على وجهها. فأفتح صنبور الحلة فتسيل المياه في القعر الى الخارج ولا يبقى في الحلة إلا الصابون. فأضيف العطر وكلها مواد غذائية وأحرك الطبخة ليندمج العطر مع الصابون. بعدها اصب الطبخة في قالب وتكون لا زالت لزجة كاللبن. ثم اضع الصباغ عليها وأصله من المواد الغذائية وأخلط الطبخة مرة اخرى«. اثناء الحديث يلتهي محمود عن البرش بسكينه القديمة قليلا، لكنه سرعان ما سيتأنف البرش والكلام معاً: »في اليوم التالي تجمد الطبخة قليلا، فأصنع منها كرات بيدي وأصفّها على ألواح الخشب في الهواء حتى تجمد. ويستلزم لذلك بين عشرين يوم وشهر، حسب رطوبة الطقس. وعندما يجف الصابون اقشره وأصقله وادوّره »التدويرة المزبوطة« فتظهر الالوان المخلوطة عروقا واضحة ويظهر جمال القطعة فألمعها«. نسأل محمود عن الفرق بين صابون الجسم وصابون الغسيل فيقول: يجب ان يكون صابون الجسم من زيت الزيتون الصافي خاصة اذا استعمل للشعر فهو يمنع تساقطه وينشط البشرة. ثم يبدأ هجوما على... الشامبو: »اليوم درج الناس على استعمال الشامبو فتزايد تساقط الشعر. لاحظي مواليد السبعينيات، اكثرهم مصاب بتسقاط الشعر. انظري الى شعري يشير الى كثافته وقوته »ولا ممكن« ان يتساقط لأني استعمل صابون الزيتون. أي المواد الطبيعية التي تشبهنا والتي تمنع جفاف جلدة الرأس«. طبخ، نحت، تقطيع، ستف، قشر، تلميع او برش... كلها اسماء لمراحل تقطعها صابونة زيت الزيتون بين يدي محمود شركس الذي طبع على كل لوح من ألواحه فواحة الرائحة اسم »الشركس« كعلامة مسجلة. نسأله ان كان هذا النوع من العمل قد تسبب له بأمراض معينة او حساسية مثلا. فيجيب بشيء من الانفعال: »أبداً... لا... لا... كلها مواد طبيعية وتستخدم في الصناعات الغذائية. »بس أنا بقلك« الصابون الكروي يسبب لي اوجاعا في مفصل الكف، فأعمد الى ربطه بقماشة لتخف الاوجاع«. عندما يذكر محمود الوجع، نفاجئ نظرة تعاطف في يمين ابنه احمد ذي السنوات التسع والذي قعد الى جانبه ملطخ الوجه من اللعب بكرة القدم. يحضر محمود شركس ابنه الوحيد »على ثلاث بنات« لوراثة الحرفة. وهكذا يتركه في العطلة يلعب مليا مع اصدقائه في »حوش الخان« حتى يتعب فيصعد الى الطابق الاول ليتفرج على أبيه وهو يشتغل، ويتشرب عشق الصابون... بهدوء. نسأله كيف نفرق بين الصابون الاصلي والصابون الرديء. فيتناول مكعبا من الصابون العادي غير الملون ويضعه على... لسانه يبقيه هكذا لنصف دقيقة، ثم يقول: لو لذع اللسان لكان معنى ذلك ان »الكوستيك« في داخلة لا زال حياً. اما وانه لم يلذع فمعنى ذلك انه مات، وهو صالح للاستعمال«. »كان غير شكل الصابون«، والدليل ما زال يصنعه محمود في خان المصريين بطرابلس. ضحى شمس