As Safir Logo
المصدر:

التشريعات البيئية في الوطن العربي

المؤلف: ملاط هيام التاريخ: 1999-07-21 رقم العدد:8352

إن إشكالية البيئة في عالمنا الحديث تعبّر في منطلقها ومظاهرها عن ثلاثة مستويات من التفكير والرؤية والتصرف، فالبيئة هي فلسفة وهي سياسة وهي تقنية. فمن الناحية الأولى، تعبر فضيّة البيئة عن رؤية فلسفية سوسيولوجية ينتهجها مجتمع ما من خلال عقيدة راسخة بأن »المحافظة على البيئة وصيانتها هي جزء من ذاتية الوطن ومن ذاتية الانسان وحقوقه. ولأن البيئة فلسفة سوسيولوجية، فهي ايضا سياسة متفق عليها في المجتمع من خلال نصوص قانونية تتوافق مع الدساتير ومع الاصول البرلمانية والديموقراطية الواجب مراعاتها. ولأن البيئة هي سياسة فهي ايضا تقنية من خلال ابحاث ودراسات ومواصفات الخ... تصدر عن السلطات المختصة ومراكز الابحاث والجمعيات غير الحكومية التي عليها جميعا أن تتعاون من اجل انفاذ ما يكون المجتمع قد انتهى اليه من منطلق فلسفي سوسيولوجي ومن سياسة استراتيجية ملائمة. واننا نرى في اعتماد هذا المسلك المنهجي مدخلا حقيقيا لجعل قضية البيئة وإنفاذ القوانين البيئية على مستوى التحدي الحضاري الآتي والمستقبلي لمجتمعاتنا العربية الواجب عليها ان تنجح في إنقاذ ما يمكن إنقاذه واسترداد ما يمكن استرداده في البيئة قبل فوات الأوان. انطلاقا من هذه الرؤية، نتطرق في الجدول التالي، الى موضوع إنفاذ الشريعات البيئية من خلال مراجعة ملخصة للاوضاع القائمة في بعض الدول العربية، مركزين على وضع السلطات العامة والادارية فيها ونظام العقوبات والتطلعات المستقبلية الممكن استخلاصها. يتأكد من مراجعة الوقائع المتوفرة في المجال المؤسساتي والقانوني ان جميع الدول العربية قد جعلت قضية البيئة من أولى اهتماماتها حيث انشأت اجهزة وزارية او ادارية للتعاطي بالشأن البيئي. ولكن يتأكد ايضا ان إنشاء تلك الوزارات والاجهزة لم يتماش مع إعادة نظر منتظمة للهيكليات الادارية لمنع تشابك الصلاحيات وتعدد المسؤوليات وخلق التنسيق اللازم لهذا الشأن. لذلك نرى ان الجهد المؤسساتي الذي تمّ من خلال انشاء الاجهزة الادارية لم يتكامل مع الجهد اللازم لرصد المسؤوليات والصلاحيات كما يجب نظرا لتشعبات قطاع البيئة وضرورة التعاطي معه بدقة متناهية. بالاضافة الى ذلك، يتبين ان جميع الدول العربية قد اصدرت خلال فترات معينة بعض النصوص القانونية التي لها علاقة مباشرة اليوم بقضية البيئة علما أن قسما وافرا من هذه النصوص قد صدر في مرحلة لم يكن مفهوم البيئة في مستوى الانتشار كما هو عليه اليوم. لذلك ترى ان مجالات الحياة هي مشمولة بنصوص قانونية مختلفة ينقصها، في بعض الاحيان، منطق البيئة بالذات أي الرؤية القانونية الحديثة التي تنطلق من ضرورة المحافظة على البيئة في مختلف مراحل حياة المجتمع اليوم. من جهة أخرى، قامت بعض الدول بإصدار قانون خاص لحماية البيئة وقد تضمن هذا النص بعض العقوبات والاجراءات الرادعة ضد أي شخص طبيعي او معنوي من القانون العام او القانون الخاص لمنعه من القيام بنشاطات ضد البيئة. ولكن يتبين أيضا من مراجعة بعض هذه النصوص ان هذه القوانين لم تصدر بشكل »كود« او شرعة للبيئة متضمنة المبادئ الرئيسية المتفق عليها اليوم عالميا للمحافظة على البيئة ومنها مبدأ الحيطة ومبدأ المحافظة ومبدأ المسؤولية ومبدأ تحميل الملوث مسؤولية التعويض عن التلوث الناجم عن اعماله... ولكن وفي مطلق الاحوال مما لا شك فيه ان وجود الاجهزة الوزارية والادارية وانتشارها بصورة عامة في مختلف انحاء البلدان من خلال مكاتب او فروع اقليمية فضلا عن التشريعات الموجودة وعلى قلتها تشجّع القول الى ان الخطوة الأولى المؤسساتية قد تمت وان القوانين على محدوديتها من الممكن ان تشكل الخطوة الأولى (من خلال إنفاذها) في وقف تدهور الاوضاع البيئية. وتأكيدا لهذا الأمر فان الانظمة القضائية ونظام العقوبات يسمحان بصورة عامة إنفاذ هذه القوانين للمحافظةعلى البيئة شرط مراعاة بعض المبادئ المعروفة لجهة سرعة التحرّك لضبط المخالفات وملاحقة المخالفين بصورة فعّالة ومنتظمة. ولكن يبقى السؤال الأول والأخير مدى جدية المجتمع السياسي في التعاطي مع الشأن البيئي من اجل إنقاذ الاوضاع ومنع التدهور. فالنصوص القائمة لا فائدة منها في حال عدم فهمها، فمن هو مسؤول عن إنفاذها وفي حال عدم وجود الارادة الصلبة الحقيقية في إنفاذها. د. هيام ملاّط

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة